وائل توفيق يكتب: من “مدينتي” إلى العشوائيات: لمن تُبنى مصر؟
حين نتأمل مشروعات مثل مشروعات مجموعة طلعت مصطفى؛ من “مدينتي” إلى “نور” وغيرها، لا يمكن النظر إليها فقط كمشروعات سكنية ناجحة أو نماذج عمرانية حديثة، بل كعلامة واضحة على اتجاه اقتصادي واجتماعي كامل. هذه المشروعات ليست مجرد مبانٍ، بل تعبير عن رؤية: لمن تُبنى المدن؟ ومن يُستبعد منها؟
في هذه المدن، كل شيء منظم، نظيف، أخضر، ومغلق في الوقت نفسه؛ الأمن، الخدمات، المساحات، وحتى شكل الحياة نفسه مصمم لفئة بعينها قادرة على الدفع. هنا لا يوجد عشوائية، لكن لا يوجد أيضًا فقراء.
في المقابل، وقد يكون على بعد كيلومترات قليلة، نجد صورة أخرى تمامًا: “مناطق تُزال، سكان يُنقلون، وأحياء كاملة تختفي من الخريطة”.
الدولة: من منظم إلى لاعب في السوق
ما يحدث اليوم ليس مجرد تطوير عمراني. الدولة لم تعد فقط جهة تنظم البناء أو تخطط للمدن، بل أصبحت فاعلًا اقتصاديًا مباشرًا داخل السوق العقاري.
رئيس الوزراء تحدث أكثر من مرة عن “تعظيم الاستفادة من أصول الدولة”، والرئيس أشار إلى أن “الأرض ثروة يجب استغلالها بشكل أمثل”. هذه العبارات تبدو منطقية، لكنها تكشف تحولًا مهمًا: الأرض لم تعد فقط مكانًا للعيش، بل أصبحت سلعة استراتيجية. وهنا تبدأ المشكلة.
في هذا السياق؛ يأتي افتتاح رئيس الوزراء لمدن جديدة تابعة لكبرى الشركات العقارية، مثل مشروعات مجموعة طلعت مصطفى، ليعكس هذا التوجه بشكل أوضح. هذه المدن، التي يُعلن عنها باعتبارها إنجازًا عمرانيًا ضخمًا، يتم تمويلها في جانب كبير منها عبر قروض من البنوك، ويُروج لها باعتبارها ستوفر آلاف فرص العمل.
لكن هذه الصورة تخفي جانبًا آخر من المعادلة؛ فبينما يُقال إنها تخلق فرصًا، فإنها في الوقت نفسه قد تُفاقم الأعباء الاقتصادية على ملايين المواطنين، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال تكاليف التمويل والدين التي يتحملها الاقتصاد ككل.
والأهم أن العاملين في هذه المشروعات لا يبنون في واقع الأمر مستقبلهم هم، بل يعملون كأُجراء، لا يملكون من هذه المدن شيئًا. هم يشاركون في بنائها بجهدهم، وبصورة غير مباشرة بموارد بلدهم، لكن العوائد والأرباح النهائية تتركز في أيدي عدد محدود من المستفيدين.
هنا يتجلى التناقض مرة أخرى: مدن تُبنى بأموال المجتمع، وجهد أبنائه، لكنها في النهاية لا تُتاح إلا لمن يملك القدرة على الدفع، ولا تعود ثمارها إلا على قلة.
الأرض لمن يدفع أكثر
حين تتحول الأرض إلى سلعة، يصبح السؤال بسيطًا: من يملك القدرة على الشراء؟
الإجابة واضحة: ليس سكان العشوائيات، ليس العمال غير المنتظمين، ليس صغار الحرفيين، بل المستثمرون، والشركات، والطبقات الأعلى.
ولنرى ما يحدث على الأرض، لا بد من أمثلة:
- سور مجرى العيون: إزالة كاملة للمنطقة، نقل السكان إلى الأسمرات، وبناء مطاعم وممشى سياحي.
- عزبة أبو قرن وبطن البقرة: نقل آلاف الأسر لإقامة مشروعات استثمارية وحدائق.
- نزلة السمان: إزالة مساكن تاريخية لصالح تطوير محيط الأهرامات.
- جزيرة الوراق: ضغوط مستمرة على السكان لإخلاء الجزيرة لصالح مشروعات استثمارية.
في كل حالة، القصة تتكرر؛ السكان يخرجون… والمكان يعاد إنتاجه لفئة أخرى.
ما يحدث فعليًا هو إعادة توزيع الفقراء، لا حل مشكلتهم؛ فالسكان الفقراء يتم إعادة توزيعهم جغرافيًا بما يخدم السوق العقاري والسياحة والاستثمار.
يُنقل الناس إلى أطراف المدن؛ الأسمرات، أهالينا، بدر، حدائق أكتوبر، النهضة، وهي مناطق قد تكون أفضل من حيث الشكل، لكنها بعيدة عن أماكن العمل ومصادر الرزق وشبكاتهم الاجتماعية.
أحد سكان إسطبل عنتر قالها ببساطة: “الإيجار كتير علينا… إحنا يوم نشتغل ويوم لأ.” وسكان آخرون اشتكوا من تكلفة المواصلات، أو اضطرارهم لترك أعمالهم لأن حياتهم كانت مرتبطة بالمكان القديم.
هذا يسمى: “تحسين الشكل… وإنتاج الاغتراب”. هنا يظهر التناقض الواضح: يتم تحسين شكل المدينة، لكن يُعاد إنتاج الاغتراب الاجتماعي لسكانها. المدينة تصبح أجمل… لكن ليس لسكانها الأصليين.
يتم القضاء على “العشوائية” بصريًا، لكن يتم خلق مشكلة أعمق: “تفكك اجتماعي، وبطالة غير مباشرة، وهو ما يمثل ضغطًا اقتصاديًا على الأسر”.
بمعنى أبسط: المشكلة لا تُحل… بل تُنقل من قلب المدينة إلى أطرافها. لماذا يحدث هذا؟
لأن التنمية تسير في اتجاه واحد؛ في الوقت الذي يتم فيه ضخ مليارات في الطرق والكباري والمدن الجديدة والمشروعات العقارية، نجد إهمالًا واضحًا في الصناعة (مصدر الوظائف المستقرة)، والزراعة (الممثلة للأمن الغذائي والحفاظ على الأرض).
لماذا لم يتم تطوير المناطق الفقيرة لسكانها؟! فبدلًا من تحسين حياة الناس حيث هم، يتم نقلهم! وكأن المشكلة في وجودهم، لا في ظروفهم.
في أكثر من منطقة، تكررت شهادات تكشف الواقع: “ماخدناش عقود”، “اتنقلنا غصب عنا”، “مش عارفين نشتغل في المكان الجديد”، “وعدونا نرجع… ومارجعناش”. وفي بعض الحالات، مثل الدويقة ومنشأة ناصر، خرجت احتجاجات، تم التعامل معها أمنيًا بدلًا من حل جذور المشكلة.
السؤال الحقيقي ليس: هل التطوير مهم؟ الإجابة: نعم، وبشدة. لكن السؤال الأهم: لمن يتم هذا التطوير؟ هل الهدف تحسين حياة الناس؟ أم رفع قيمة الأرض؟ هل المدينة مكان للعيش؟ أم مشروع استثماري؟
الخلاصة أن ما نراه اليوم هو نموذج واضح؛ فالدولة تلعب دور المستثمر، والأرض تُدار كسلعة، والفقراء يُعاد توزيعهم خارج المشهد. وفي النهاية؛ نحصل على مدن أجمل… لكن مجتمعًا أكثر انقسامًا.
إذا استمر هذا المسار، لن تختفي المشكلة، بل ستتكرر في أماكن جديدة؛ لأن العدالة في السكن لا تتحقق بنقل الناس، بل بإشراكهم… واحترام حقهم في المدينة.

