هيثم الحريري يكتب: نقابة المهندسين بين الحراسة والاستقلالهيثم الحريري يكتب:
في كل مرة تقترب فيها انتخابات نقابة المهندسين، يعود نفس السؤال:
لماذا تهتم الحكومة إلى هذا الحد بمن يجلس على مقعد النقيب؟
قد يقول البعض: ما الفرق؟ الدولة تسيطر بالفعل على البرلمان، وعلى المجال السياسي، وعلى الأحزاب، وعلى معظم المؤسسات… فلماذا الإصرار أيضًا على نقابة المهندسين؟
الإجابة ببساطة أن النقابات المهنية ليست مجرد كيانات خدمية.
النقابة في جوهرها مساحة مستقلة لتنظيم أهل المهنة والدفاع عن مصالحهم والتعبير عن رأيهم الجماعي.
نقابة بحجم نقابة المهندسين تمثل مئات الآلاف من العقول المتعلمة والفاعلة في المجتمع. وجود نقيب مستقل يعبر عن إرادة المهندسين يعني وجود صوت مهني حر يمكنه أن يناقش السياسات ويطرح رؤى مختلفة ويدافع عن المهنة وأصحابها.
وهنا يظهر الفرق الحقيقي بين مرشح محسوب على المهندسين و مرشح محسوب على الحكومة.
مرشح المهندسين تكون بوصلته الأساسية هي مصلحة المهنة وأعضائها، لذلك عندما تُطرح قضايا كبيرة تمس مستقبل المهنة يكون موقفه نابعًا من الدفاع عن المهندسين أولًا.
أما المرشح المحسوب على الحكومة فغالبًا ما تكون أولويته الحفاظ على التوافق مع السلطة حتى لو كان ذلك على حساب بعض مطالب المهنة.
ويظهر هذا الفرق بوضوح في القرارات الكبرى والحساسة مثل:
- التعليم الهندسي:
هل يتم الدفاع عن جودة التعليم الهندسي وعدد الكليات ومستوى الخريجين بما يحمي المهنة؟ أم يتم تمرير سياسات توسع غير مدروس قد تؤثر على قيمة المهنة ومستقبلها؟ - تعديل قانون نقابة المهندسين:
هل يتم التمسك بقانون يحافظ على استقلال النقابة ودورها الحقيقي؟ أم يتم القبول بتعديلات قد تقلص هذا الدور أو تضعف استقلال القرار النقابي؟ - أرض بدر:
ملف كبير يتعلق بحقوق ومصالح آلاف المهندسين، ويحتاج إلى موقف قوي يدافع عن حقوقهم ويضمن إدارة شفافة وعادلة لهذا الملف. - قضية جوتن وغيرها من الملفات المهنية والاقتصادية:
قضايا تتعلق بحقوق المهندسين واستثمارات النقابة ومصالح أعضائها، وهي ملفات تحتاج إلى قيادة نقابية ترى نفسها ممثلة للمهندسين قبل أي شيء آخر.
وللتذكير فقط…
لقد شاهدنا جميعًا مواقف واضحة لنقيب المهندسين م. طارق النبراوي عندما ناقش مجلس النواب قوانين كان كثيرون يرون أنها قد تُلحق ضررًا بالمصريين عمومًا وبالمهندسين خصوصًا.
في تلك اللحظات تحدث بوضوح، ودافع عن رؤيته وموقفه، انطلاقًا من مسؤوليته تجاه المهنة والوطن.
مثل هذه المواقف الوطنية الصادقة لا تصدر إلا ممن يشعر أن شرعيته الحقيقية تأتي من المهندسين.
أما من يأتي بدعم وحشد من خارج النقابة، فطبيعي أن يكون ولاؤه في المقام الأول لمن رشحه ودعمه وحشد له الأتوبيسات.
من زاوية نظر أي نظام سياسي يميل إلى المركزية في إدارة المجال العام، فإن وجود مثل هذه المساحات المستقلة قد يُنظر إليه باعتباره مساحة يصعب التحكم فيها. لذلك يصبح السعي إلى ضمان قيادة “متوافقة” مع السلطة أمرًا مفهومًا من منظور السلطة نفسها.
لكن من منظورنا نحن كمهندسين، تبقى الفكرة أبسط بكثير:
النقابة القوية هي النقابة التي تعبر عن أعضائها، لا عن أي طرف آخر.
النقابة المستقلة ليست في مواجهة الدولة، لكنها أيضًا ليست تابعة لها.
هي كيان مهني يحمي المهنة، ويدافع عن حقوق أعضائه، ويطرح الرأي والخبرة لصالح المجتمع كله.
لهذا تبقى المشاركة في الانتخابات مهمة.
ليس لأننا نبحث عن صراع، بل لأننا نبحث عن نقابة حرة وقوية تعبر عن المهندسين وتحمي مستقبل المهنة.

