رحاب إبراهيم تكتب: رحلتي من سيم سيم إلى كده كده
الوقت منتصف الغربة!
امتدت سنوات السفر لدرجة الالتباس بين تذاكر الذهاب وتذاكر العودة.
الغربة اتجاه واحد، ما إن تعبر الجسر حتى ينهار ..قرأت مرة أن الغريب لايعود..وهكذا عشت.
الأجازات السنوية قصيرة مهما طالت، قبل حجز السفر تحاول حجز مكانا في عالم لاتنتمي إليه أو لم تعد تنتمي إليه..أتعثر في الكلام كما لو كنت أترجم عن لغة لا أتقنها تماما ..تختلف المفردات اللغوية باختلاف المكان والمجتمع والأنشطة اليومية، فالمفردات التي تستخدمها في شهور طويلة من البيت للشغل لشراء لوازم البيت وطلبات المدرسة، تختلف عن المفردات التي سوف تصطحبها معك لزيارة الأقارب أو قضاء وقت في المصيف.
سنوات طويلة من البعد يتم اختصارها في لقاءات خاطفة..
تنهض الذكريات المشتركة من سباتها، جاهدة تحاول اختراق غلاف كثيف من التجمد وغياب التفاصيل.
ترشق الأسئلة:
لماذا عدت؟ كيف لم تعد حتى الآن؟ لماذا تسافر؟ كيف تترك روحك هنا وترحل؟
متعة ألّا تكون من هنا، تقيك التورط في أشياء كثيرة تشعر أنها لا تخصك، ويطالبك الجميع
بضرورة أن تجد إجابات واضحة عليها..
يتكشف الطريق بالسير فيه…وتنكشف الروح بمفاجآت الطريق،حلوها ومرّها.
Same same
أو بالعربي سيم سيم..تعني :نفس الشيء
يستخدمها الآسيويون المقيمون في الخليج بكثرة، ومنها انتقلت للعرب كذلك
نفس الشيء ..دورة تكرار لاتنتهي، يسميها البعض استقرارا ويطلق عليها آخرون : روتين الحياة..وقليلون يترجمونها “لا مفر “
أنا من هؤلاء القليلين
” كده كده ” المصطلح الأكثر انتشارا منذ عدت، لا أدري كيف ولا متى تسلل لمفردات حياتي اليومية.
“كده كده ” ينقلك من حالة الثبات ليفتح أمامك حالة لانهائية من الاحتمالات كلها سوف تنتهي بنتيجة واحدة ..مصطلح مراوغ يتطلب الكثير من الحكمة والمثابرة والصبر والاحتمال والمرونة وأحيانا المكر..
يعدك ” كده كده ” بتحقق ما ..وعد مؤجل، أو وعيد
يحمل داخله يقينا لاتدري له سببا..
يقف في مواجهة سيم سيم عاقدا ذراعيه أمام صدره متحديا
يهزه بعنف ..بقسوة أيضا ليتحرك.
تستطيع بهدوء أن تتحرك من منطقة السيم سيم لمنطقة الكده كده أو العكس شرط ألا تحمل معك شيئا مما تركت، وهو شرط يكاد يكون غير قابل للتطبيق لأنك عندما تستسلم للحياة في أي من المنطقتين فإنها تتسلل وتمتزج بروحك وعقلك.
في منطقة السيم سيم تنزعج ربما لدرجة الهلع لأي تغيير ولو طفيف في النظام، لأي كلمة قد تبدو عابرة لكنها تخفي وراءها مالايمكن تفسيره أو توقعه. لأي خلل يمس نظامك الإجتماعي أو الجسدي..بدءا من نزلة برد عابرة وصولا لتهديد وظيفي محتمل.
تزهق روحك من فعل الثبات..تشتاق لمتنفس ..
للانفتاح على عالم بلا ترصد
يصفونك بالمختلّ..تصعد الكلمة مباشرة من أعينهم دون أن ينطقوا حرفا.
نعم..ربما …أنتم لا تعرفون
تحاول أن تجيب…بلا حرف أيضا
تأخذك الكده كده في حضنها بعيدا عن الجميع..تناولك فأسا وقلما وتقذف في وجهك حذاءا رياضيا جديدا، لتقفز أنت داخل أي شيء يتحرك على عجلات.. تذهب لمكان لم تزره أبدا رغم وجوده على بُعد عشرات الكيلومترات فقط منك..
تدقق النظر في كل التفاصيل، تنقب عن كل ما هو جميل ومضيء وأصيل.
تحيي نفسك لبقاء قدرتها على رؤيته، تشجعها لتتحمل قليلا..كثيرا
كده كده سوف ننهي الرحلة .

