محمد حليم يكتب: العمالة المصرية في مصيدة القمع الممنهج وكساح الحركة النقابية

يعيش العالم المعاصر على وقع تناقض بنيوي جَلل؛ فبينما يُحرز التطور الرأسمالي المعولم طفرات تكنولوجية غير مسبوقة على مستويات الأتمتة والوفرة والإنتاج، تصر المنظومة على فرض الكدح المستدام، وتعميق آليات الإكراه الاقتصادي على الشريحة الأوسع من البشر. هذا البؤس المادي لا يقف عند حدود الاغتراب النفسي الذي ناقشه الفيلسوف الراحل “مارك فيشر” في أطروحته حول “صباحات العمل البائسة”، بل يتخذ أشكالاً شديدة الفجاجة تعيد إنتاج “السخرة”؛ حيث توثق منظمة العمل الدولية وقوع ما يقرب من 50 مليون إنسان في شرك “العبودية الحديثة”، والمفارقة الصادمة أن أكثر من نصف هذه الحالات تتركز في البلدان ذات الدخل المرتفع والمتوسط الأعلى.
خدعة “التحول الهيكلي” وتبرئة رأس المال
في محاولة لتبرير انحسار القدرة التفاوضية للعمال، أصدر مكتب الأنشطة العمالية (ACTRAV) التابع لمنظمة العمل الدولية دراسة تعزو تراجع الكثافة النقابية حول العالم إلى “تغير بنيوي طبيعي” في الاقتصاد العالمي، متمثلاً في الانتقال من نمط الإنتاج الصناعي الكلاسيكي إلى “اقتصاد الخدمات والمنصات الرقمية”.
إلا أن هذا الطرح التكنوقراطي يمارس تعمية متعمدة تخفي العوامل السلطوية للمسألة. فمن ناحية أولى، الكتلة العددية للعمال الصناعيين حول العالم لم تنخفض مطلقاً، بل جرى نقلها وتدويلها جغرافياً عبر سلاسل التوريد نحو دول الجنوب العالمي (آسيا وأمريكا الجنوبية) لاستغلال الأجور الرخيصة. ومن ناحية ثانية، يتجاهل التقرير “العراقيل المصطنعة” والتشريعات العقابية التي صممتها تحالفات رأس المال والدولة لتجعل لوائح الشركات أقوى من الدستور، ولتحظر التضامن العمالي وتُجرّم الإضراب السلمي وتعتبره فعلاً تخريبياً يوجب الفصل والحبس.
المشهد المصري: الأزمة الهيكلية والردع الأمني
إن هذا النموذج العولمي للإكراه الاقتصادي يعكس ظلاله القاتمة على الواقع المصري الراهن؛ حيث يتحمل العمال التكلفة المباشرة لسياسات الإصلاح الهيكلي والتعويم المتتالي، وتآكل أجورهم الحقيقية أمام تضخم كاسح. ووفقاً لبيانات المراكز الحقوقية المستقلة، وثق الشارع المصري ما يقرب من 100 احتجاج وإضراب عمالي مباشر خلال العام الماضي وحده(2025م)، تركزت في قلاع صناعية كبرى كالغزل والنسيج، والمطاحن، والسيراميك.
تحركت هذه الموجات بمطالب “معيشية حمائية” واضحة، على رأسها التطبيق الفعلي للحد الأدنى للأجور الذي أقره قانون العمل الجديد، ومواجهة تحايل شركات قطاع الأعمال العام والخاص للتهرب من الحزم الاجتماعية. غير أن الرد السلطوي جاء متسقاً مع عقيدة “حماية رأس المال على حساب الحماية الاجتماعية”. فبدلاً من تفعيل المادة (15) من الدستور المصري التي تنص صراحة على أن “الإضراب السلمي حق ينظمه القانون”، تم الالتفاف على الكفالة الدستورية عبر تفعيل المواد العقابية وتوسيع صلاحيات الأمن الوطني لشن حملات استدعاء وتوقيف عشوائي لقادة الحراك، فضلاً عن التنكيل الإداري المتمثل في الفصل التعسفي والنقل الجماعي وحرمان العمال من أجورهم لكسر إرادتهم.
مذبحة النقابات وموت الوساطة
تكتمل معالم مصيدة الإكراه الاقتصادي في مصر عند تفكيك “عقدة الحركة النقابية”. إن قوة العمل المصرية التي تتجاوز 35 مليون شخص باتت مكشوفة تماماً وبلا حماية مؤسسية. فالاتحاد الرسمي (الاتحاد العام لنقابات عمال مصر) تحول عبر العقود إلى أداة ضبط إدارية وأمنية تابعة للسلطة؛ حيث لم يسجل التاريخ القريب دعوته أو تبنيه لإضراب عمالي واحد، بل ينحصر دوره في إصدار بيانات التنديد بحقوق عماله.
أما على جبهة النقابات المستقلة، فقد شهدت السنوات الماضية عملية تصفية وتجفيف ممنهجة؛ فمنذ صدور القانون رقم 213 لسنة 2017 وشروطه الإدارية التعجيزية، جرى شطب وتصفية نحو 90% من النقابات المستقلة التي انتزعها العمال بعد ثورة يناير. وتوجت هذه المذبحة التنظيمية في انتخابات الدورة النقابية الأخيرة، حيث رصدت دار الخدمات النقابية استبعاد أكثر من 70% من المرشحين المستقلين أمنياً وإدارياً لصالح قوائم التزكية التابعة للسلطة، بالتوازي مع مقترحات برلمانية مشبوهة لمد الدورة النقابية لتجميد أي حراك انتخابي محتمل.
أما الكارثة الأكبر فتقبع في قطاع الاستثمار والقطاع الخاص، الذي يستأثر بـ 91.5% من إجمالي الانتهاكات العمالية المرصودة؛ حيث تنعدم اللجان النقابية تماماً (أقل من 2% من الشركات تمتلك لجنة نقابية)، ويواجه أي عامل يشرع في التنظيم النقابي الطرد الفوري.
نحو حراك قاعدي معزول عن الوسطاء
يكشف التحليل البنيوي للاقتصاد السياسي في مصر أن الحراك العمالي المعاصر هو حراك “عفوي وقاعدي بالكامل” (Grassroots). لقد تجاوز العمال نقاباتهم الرسمية الغائبة أو المتواطئة، وباتوا يواجهون تحالف السلطة ورأس المال عُزلًا وبلا وسيط يحمي شروط تفاوضهم.
إن ربط تراجع العمل النقابي بـ”التحولات الهيكلية الطبيعية للاقتصاد” ليس سوى غطاء أيديولوجي تكنوقراطي لتمرير الهجوم الشامل على حقوق العمال. والرهان اليوم ليس على ترميم مؤسسات نقابية بيروقراطية ميتة إكلينيكياً، بل في دعم كفاحات العمال القاعدية لانتزاع حقهم في تنظيم أنفسهم خارج وصاية الدولة، كشرط لا غنى عنه لمواجهة تغول الرأسمالية التابعة وإعادة فرض منطق العدالة الاجتماعية.

الهوامش والمراجع:
التقديرات العالمية للعبودية الحديثة (2022): تقرير مشترك صادم الصدور عن منظمة العمل الدولية (ILO) ومؤسسة Walk Free، يوثق مؤشرات الـ 50 مليون ضحية وتوزيعهم الجغرافي ونسب العمل القسري في القطاع الخاص بنسبة 86%.
دراسة أزمة التنظيم (2019): الصادرة عن مكتب الأنشطة العمالية (ACTRAV) التابع لمنظمة العمل الدولية تحت عنوان Trade Unions in the Balance، والتي انتقد المقال سرديتها التكنوقراطية.
نقل العمالة الصناعية للجنوب العالمي: أطروحة البروفيسورة بيفرلي سيلفر الكلاسيكية في كتابها المرجعي Forces of Labor الصادر عن جامعة كامبريدج لتفنيد تراجع العمالة الصناعية عالمياً.
الانتهاكات والاحتجاجات العمالية بمصر (2024-2026): التقارير الدورية والبيانات الإحصائية الراصدة الصادرة عن “دار الخدمات النقابية والعمالية” و”المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية”، ومؤشر الحقوق العالمية الصادر عن الاتحاد الدولي لنقابات العمال (ITUC) الذي يضع مصر في المرتبة الخامسة (الأسوأ عالمياً).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *