فيلم المشاغب.. وباكورة صراع التنظيم في بيئة العمل الهش
يعد فيلم المشاغب من اهم الأفلام الاجتماعية الذي لم يحظي بالكثير من الاهتمام او تسليط الضوء عليه فالفيلم من أُنتاج سنة 1965 وأخرجه نيازي مصطفى شارك في البطولة فريد شوقي ومحمود المليجي وسهير المرشدي وتوفيق الدقن وتدور أحداث الفيلم في ميناء الإسكندرية داخل عالم عمال الشحن والتفريغ في الميناء، حيث تتقاطع حياة العمال اليومية مع صراعات النفوذ والمصالح، في ظل محاولة بطل العمل للدفاع عن حقوقهم وتنظيم صفوفهم في مواجهة قوى مستفيدة من استمرار الفوضى داخل هذا القطاع.
ويقوم فريد شوقي بدور حمودة وهو عامل شحن وتفريغ يعمل وسط هذه الظروف يدخل حمودة في صدام مع المجموعة التي تسيطر على العمل داخل الميناء و المستفيدة من بقاء العمال منفصلين عن بعضهم ومع تقدم الأحداث تظهر مسألة تنظيم العمال داخل نقابة.
يطرح الفيلم التنظيم النقابي كفكرة في طور التكوين كحلم جماعي يحاول أن يجد طريقه وسط بيئة عمل شديدة الاضطراب فداخل هذا العالم الذي يتحرك فيه فريد شوقي، لا تبدو العلاقات محكومة بقانون واضح بقدر ما تحكمها شبكة من الوسطاء ومقاولي العمل اليومي ,حيث تتوزع الفرص بشكل غير عادل ويصبح العامل الفردي في مواجهة مباشرة مع ظروف عمل لا تمنحه أي ضمان للاستقرار.
في هذا السياق تتحول فكرة النقابة إلى فعل مقاومة قبل أن تكون مؤسسة وإلى محاولة لخلق توازن داخل سوق عمل قائم على التفكك ,فالدعوة إلى التنظيم لا تأتي من إطار إداري أو رسمي ولكن كما طرحها الفيلم تنبع من قلب المعاناة اليومية للعمال ومن لحظة إدراك أن القوة الفردية وحدها لا تكفي أمام تعقيدات الواقع ومن هنا، يصبح الصراع في الفيلم ليس فقط على الأجر أو فرصة العمل، بل على الحق في أن يكون للعمال صوت جماعي قادر على التفاوض بدلًا من الخضوع للعلاقات الفردية المتفرقة.
ويكشف الفيلم من خلال اخداثه أن المعركة مزدوجة امام كلا من قوى الاستغلال المباشر و بنية كاملة تُعيد إنتاج التشتت داخل العمال أنفسهم، وتمنع تحولهم إلى كتلة واحدة قادرة على التنظيم ,لذلك تبدو أي محاولة لبناء نقابة وكأنها تهديد مباشر لمنظومة قائمة تستفيد من بقاء العمال في حالة تفرّق دائم
وإذا كان فيلم المشاغب قد قدّم في منتصف ستينيات القرن الماضي صورة مبكرة لصراع العمال مع فكرة التنظيم النقابي داخل عالم الشحن والتفريغ ,فإن هذا الصراع لم يُحسم داخل حدود الشاشة لكنه امتد بأشكال مختلفة إلى الواقع المعاصر لسوق العمل في مصر ,فالعالم الذي تحرك فيه فريد شوقي داخل الفيلم، بما يحمله من وساطة وفوضى في توزيع العمل، يجد صداه اليوم في قطاعات واسعة من العمالة غير المنتظمة التي ما زالت تعمل خارج الأطر الاستقرار المؤسسي الكامل.
ورغم تطور التشريعات ووجود إطار قانوني ينظم العمل النقابي إلا أن قطاعات واسعة من العمال ما زالت تعيش منطق “العمل اليومي” ذاته ,حيث ترتبط الفرص بعلاقات مباشرة وتظل الحماية الاجتماعية محدودة أو غير مكتملة. وهنا يصبح ما طرحه الفيلم نموذجًا مبكر لبنية اقتصادية ما زالت تعيد إنتاج نفسها بأشكال حديثة.

