حسن البربري يكتب: مجنون أمنيات… ورسالة عمرو بيومي الأخيرة

في حفل تأبين للمخرج الصديق الراحل عمرو بيومي، الذي جمع أحباءه وأصدقاءه، عُرض له فيلمه الوثائقي الأخير “مجنون أمنيات”، والذي يبحث فيه تاريخ أزمة اليسار المصري. حقيقة الأمر أنه لا يمكن النظر إلى الفيلم كعمل توثيقي عن اليسار المصري فقط، رغم أن مادته الأساسية هي تاريخ اليسار ومساره المتقلب عبر عقود طويلة، لكن الفيلم في جوهره محاولة لفهم أزمة فكرة قبل أزمة تنظيم، ومحاولة لقراءة معنى الانحياز والالتزام في سياق سياسي لا يكف عن تبديل قواعده.

عمرو بيومي في الفيلم لا يتعامل مع اليسار بوصفه كيانًا واحدًا، ولا يقدم سردًا تاريخيًا، بل يختار أن يمر عبر البشر، عبر الوجوه التي حملت الفكرة في لحظات مختلفة من التاريخ، من جيل الأربعينيات والخمسينيات مرورًا بالستينيات والسبعينيات، ثم الثمانينيات، وصولًا إلى ما بعد يناير. وكل شخصية لا تحكي تاريخ اليسار بقدر ما تحكي تاريخها الشخصي مع اليسار، بما فيه من أمل وخيبة وانكسار ومساومة. فاختيار شخصيات مثل يوسف درويش وعطية الصيرفي ورفعت السعيد وغيرهم لم يكن اختيار أسماء بقدر ما كان اختيار لحظات تمثل كل واحدة منها علاقة مختلفة بين اليسار والسلطة، وبين اليسار والمجتمع، وبين اليسار ونفسه. هنا يظهر جوهر فكرة عمرو التي يصرح بها بوضوح: أن اليسار يتشكل في كل مرة وفق السلطة القائمة، لا وفق مبادئه المجردة. هذه الجملة لا تأتي كشعار سياسي، بل كنتيجة لمسار طويل من الحكايات المتجاورة التي تفضي كلها إلى السؤال نفسه.

اللافت في الفيلم أن عمرو لا يختفي خلف الكاميرا، ولا يكتفي بدور الموثق المحايد، بل يظهر كراوٍ عن نفسه يحاول أن يفهم معناهم هم ليصل إلى معنى خاص به هو. فهو لا يفرض إجابة، ولا يدافع عن موقف جاهز، لكنه يقود المشاهد داخل عالمه الشخصي، عالم القلق والسؤال والشك. وهذا العالم الخاص لا ينغلق على ذاته، بل يتحول تدريجيًا إلى العام، لأن الأسئلة التي يطرحها ليست أسئلته وحده، بل أسئلة أجيال كاملة عاشت التحولات نفسها واصطدمت بالتناقضات ذاتها.

هنا تتقاطع “مجنون أمنيات” مع فيلمه الوثائقي “رمسيس راح فين”، ففي العملين لا يبحث عمرو عن الماضي بوصفه زمنًا منتهيًا، بل بوصفه شيئًا ما زال يؤثر في الحاضر. في “رمسيس راح فين” كان المكان هو المدخل لفهم ما جرى، وفي “مجنون أمنيات” كان اليسار هو المدخل لفهم ما آل إليه المجال السياسي والاجتماعي. في الحالتين لا يقدم عمرو أحكامًا، بل يترك المساحات فارغة، ويثق في قدرة المشاهد على الربط والاستنتاج.

عرض الفيلم في حفل تأبين عمرو بيومي بدا وكأنه رسالة أخيرة، ليس عن اليسار فقط، بل عن طريقة النظر إلى العالم، وعن قيمة السؤال في زمن الإجابات السهلة، وعن السينما كأداة للفهم لا للدعاية. بهذا المعنى لم يكن عمرو مجرد مخرج يحكي عن تاريخ، بل كان جزءًا من هذا التاريخ، شاهدًا عليه وناقدًا له وباحثًا عن معنى لم يكتمل، لكنه ترك لنا طريق البحث عنه.

رحيل عمرو بيومي ترك فراغًا ليس في السينما فحسب، بل في كل مساحة تقدر السؤال والبحث والفضول الصادق عن الإنسان وتاريخه وأفكاره. فيلم “مجنون أمنيات” الذي شهدناه في حفل تأبينه ليس مجرد وثيقة عن اليسار المصري أو تاريخ جيل كامل، بل هو آخر رسالة من عمرو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *