حسن البربري يكتب: تقرير المخاطر العالمي.. اقتصاد مصري هش في عالم مضطرب
يدخل العالم عام 2026 ليس مترقبا ازمة جديدة بل يدخل العام وهو غارق في أزمات ممتدة تتغير اشكالها ولا تتغير طبيعتها ,هذا هو المدخل الحقيقي لتقرير المخاطر العالمية 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي فالتقرير لا يتعامل مع ما يجري باعتباره اضطرابات عابرة ولا حالات ركود اقتصادية تقليدية بل يصف لحظة تاريخية يتشابك فيها الاقتصادي مع السياسي مع الاجتماعي مع المناخي في صورة واحدة معقدة تجعل فكرة الاستقرار العالمي نفسها موضع شك.
التقرير اعتمد على استطلاع شمل اكثر من 1400 خبير وصانع قرار من مختلف دول العالم 52% منهم يرون ان العالم خلال العامين القادمين يتجه نحو قدر اعلى من عدم الاستقرار واكثر من 63% يتوقعون ان يدخل العالم خلال العشر سنوات القادمة مرحلة اضطراب ممتد مع تراجع واضح علي قدرة الدول في السيطرة على تلك الازمات فالإحصائيات التي استعرضها ليست مجرد توقعات بل تعبير عن تحول في المزاج العالمي من التفاؤل الحذر الى القلق البنيوي.
خريطة المخاطر التي يرسمها التقرير تكشف ان العالم لم يعد يواجه ازمات منفصلة بل يواجه شبكة مركبة من الازمات فقد عادت الصراعات المسلحة لتحتل موقعاً مركزياً في قائمة المخاطر القريبة حسب وصف التقرير وازمة تكاليف المعيشة صعدت الى قلب التهديدات المباشرة التي تضرب المجتمعات ولم تعد الصدمات الاقتصادية المرتبطة بالديون والتضخم وعدم استقرار العملات استثناء بل اصبحت مكوناً دائماً في المشهد العالمي.
التقرير يوضح ان اكثر 80% من الاقتصادات النامية اصبحت اليوم اكثر عرضة لصدمات الديون مقارنة بما قبل جائحة كورونا ويشير الى ان عدداً كبيراً من هذه الدول بات ينفق على خدمة الدين اكثر مما ينفقه على الصحة والتعليم ,هنا نحن لا نتحدث عن مشكلة مالية بل عن تحول صارخ للموارد من اموال الناس الى حسابات الدائنين وفي الوقت نفسه يصنف التقرير ازمة غلاء المعيشة ضمن اخطر خمس مخاطر عالمية في المدى القصير بسبب استمرار التضخم العالمي وارتفاع اسعار الغذاء والطاقة والنقل وتباطؤ النمو.
التحليل الاهم في التقرير انه لا يفصل بين الاقتصاد والمجتمع فهو يقول بوضوح ان تآكل الدخول واتساع الفجوة بين الانتاج وتكاليف المعيشة لم يعد مجرد مؤشر مالي بل صار عاملاً مهدداً للتماسك الاجتماعي ولهذا صنف تآكل الاستقرار المجتمعي واتساع الفجوات الاجتماعية ضمن اخطر عشر مخاطر قريبة على العالم.
سوق العمل قلب العاصفة القادمة
يشير التقرير في سياق عرضه للمخاطر ان التغير الذي يضرب و سيضرب عالم العمل ليس اقل عمقاً من التغير الذي ضرب التجارة او السياس فاكثر من 60% من الخبراء المشاركين يتوقعون اتساع العمل غير المستقر والهش عالمياً خلال السنوات الخمس القادمة واكثر من 40% يحذرون من ان التحول التكنولوجي والذكاء الاصطناعي سيؤديان الى فقدان واسع للوظائف التقليدية دون جاهزية حقيقية لنظم الحماية الاجتماعية.
فالعالم وفق التقرير يتجه نحو اقتصاد ينتج اكثر ويؤمن اقل (حيث ان أصبحت فيه الشركات العابرة للحدود اكثر قوة من دول كثيرة ) تلك الشركات تعتمد علي وظائف قصيرة الاجل بدل التوظيف المستقر وتعاقدات مرنة بدل حقوق راسخة بل وانتقال واسع نحو العمل غير المنتظم والعمل المنصاتي والعمل بلا مظلة ,هذا التحول لا يعني فقط تغير شكل الوظيفة بل تغير علاقة الانسان بالعمل وبالامن وبالمستقبل يصبح الدخل فيها غير مستقر و يكمن الخطر هنا كما يراه التقرير انه حين يفقد العمل وظيفته كضامن اجتماعي يصبح الغضب مزمناً والقلق بنيوياً والاحتقان حالة عامة .
ولا يقف التقرير عند حدود الاقتصاد والعمل بل يوسع اطاره ليشمل المناخ والغذاء والمياه 8 من اخطر 10 مخاطر في المدى الطويل وفق التقرير مرتبطة مباشرة بتغير المناخ والبيئة والامن الغذائي والمائي فالكوارث المناخية المتطرفة تضاعفت تقريباً خلال العقدين الاخيرين وخسائرها الاقتصادية باتت تمثل مئات المليارات من الدولارات سنويا. لكن الاهم ان هذه الكوارث لم تعد تضرب الطبيعة فقط بل تضرب الاسواق والغذاء والهجرة والاستقرار السياسي.
التقرير أيضا في عرضه للمخاطر يحذر من ان امن الغذاء العالمي اصبح خطراً مركب ناتج عن تداخل المناخ مع الصراعات المسلحة مع اضطراب التجارة في عالم يعتمد اليوم على سلاسل امداد طويلة وممرات بحرية هشة ومناطق انتاج محدودة و ان قابل لتحول بسرعة الى عالم قابل للاختناق الغذائي مع اي توتر عسكري او مناخي.
اين تقف مصر داخل هذه الخريطة
من هذه اللوحة العالمية نصل مباشرة الى مصر ورغم ان التقرير لا يخصص فصل مستقل لها الا ان موقعها داخل خريطة المخاطر التي يرسمها يجعله شديد الصلة بالواقع المصري.
مصر تقع في قلب الفئة التي يعتبرها التقرير الاكثر تعرضا للصدمات حيث تعد من الدول المثقلة بالديون شديدة الحساسية لتحركات الاسواق العالمية وتعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد في غذائها وطاقة اقتصادها ,يشير التقرير ان اكثر من 80% من الاقتصادات النامية اصبحت اكثر عرضة لازمات الديون وهيو بذلك يصف بيئة عامة تنتمي اليها مصر موضوعياً وحين يصنف ازمة تكاليف المعيشة ضمن اخطر خمس مخاطر عالمية فهو يضع ما يعيشه المصريون اليوم داخل السياق العالمي لا بوصفه حالة استثنائية بل كجزء من موجة تضرب الاقتصادات الهشة اولا.
في هذا السياق لا يعود الغلاء في مصر مجرد خلل داخلي بل تعبيراً عن موقع بنيوي داخل نظام عالمي مضطرب فكل توتر خارجي يتحول داخليا الى ضغط على العملة وكل اضطراب في الطاقة او الغذاء يترجم مباشرة الى ارتفاع في الاسعار وتآكل في الدخول ومع محدودية قدرة النظام الاقتصادي المصري على امتصاص الصدمات تنتقل كلفة الازمات من الاسواق العالمية الى بيوت المصريين .
الاخطر من ذلك ان ازمة الغلاء في مصر لا تقع على مجتمع يتمتع بشبكات امان واسعة بل على مجتمع تتسع فيه دوائر العمل غير الرسمي وتتراجع فيه الحماية الاجتماعية وهنا يلتقي الواقع المصري مباشرة مع تحذيرات التقرير حين يتوقع اكثر من 60% من الخبراء اتساع العمل الهش فهذه ليست نبوءة بعيدة عن مصر بل توصيف لمسار قائم بالفعل حيث اقتصاد غير رسمي واسع ووظائف بلا عقود مستقرة وملايين العمال خارج منظومات التامين وتراجع مستمر في الوظائف القادرة على توفير حد ادنى من الامان الاجتماعي في هذا السياق يصبح سوق العمل المصري تجسيداً مبكراً لما يحذر منه التقرير عالميا.
التقرير يربط ايضا بين الضغوط المعيشية واحتمالات التوتر الاجتماعي يؤكد ان التضخم والبطالة وتآكل الدخول باتت اليوم المحرك الرئيسي لحالات الاحتقان في عدد كبير من دول العالم وهذه النقطة تحديدا رفع التقرير تقدير خطورته في الحالة المصرية لان المشكلة لم تعد فقط في مؤشرات الاقتصاد بل في احتقان مجتمعي قد يعيد تشكيل علاقة الناس بالدولة وبالاقتصاد وبفكرة العدالة نفسها.
ثم تأتي زاوية الغذاء والمياه والمناخ لتضيف بعدا اخطر يعيد التقرير تعريف هذه الملفات باعتبارها قضايا سيادية بالنسبة لمصر التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد غذائها وتواجه ضغوطا مائية متصاعدة تقع في اقليم مضطرب سياسيا وتجاريا وكل اضطراب في هذه الملفات يؤثر مباشرة علي مسالة الاستقرار الداخل فاي ارتفاع في اسعار القمح عالمياُ ستصبح ازمة خبز و كل توتر في الممرات البحرية ستصبح ازمة عملة و مع كل تغير للمناخ سيصلح هناك ازمة في الزراعة والهجرة داخلية.
الخلاصة التي يفرضها تقرير المخاطر العالمية 2026 على القارئ المصري ان ما نعيشه ليس موجة عابرة ولا مرحلة انتقالية قصيرة فنحن امام عالم مضطرب ينقل كلفته الى المجتمعات وامام اقتصاد محلي محدود القدرة على امتصاص الصدمات وامام سوق عمل هش مرشح لمزيد من الهشاشة وامام ضغوط معيشية مرشحة للاستمرار.
التقرير لا يقدم لمصر ارقاما فقط بل يقدم مرآة للمرحلة القادمة فلن تكون مرحلة تعاف تلقائي بل مرحلة صراع طويل بين مجتمعات تحاول البقاء واقتصادات تضيق قدرتها على الحماية ودول تبحث عن استقرار في عالم لم يعد مستقرا واذا كان للتقرير ان يهمس بشيء للمصريين فهو ان العدالة الاجتماعية وحماية العمل والامن الغذائي لم تعد شعارات سياسية ولا مطالب نخبوية بل شروط بقاء لان العالم الذي يصفه التقرير لا يرحم الاقتصادات الهشة ولا يمنح مجتمعاتها ترف الانتظار.

