حسن البربري يكتب: التعاونيات النقابية من فكرة بديلة إلى أداة بقاء في اقتصاد يضغط على الجميع

في ظل واقع اقتصادي يزداد قسوة يوم بعد يوم، لم يعد ممكنا التعامل مع العمل النقابي بنفس الأدوات القديمة ولا بنفس التصورات التي كانت تصلح في سياقات أكثر استقرار، فنحن أمام لحظة مختلفة، يتراجع فيها دور الدولة الاجتماعي ويتسع فيها نطاق السوق دون ضوابط كافية، ويتحمل العامل وحده عبء التوازن المختل بين الأجر وتكاليف الحياة، هنا تحديدا تصبح فكرة التعاونيات النقابية محاولة جادة لإعادة تعريف معنى العمل النقابي نفسه.

وفق تقديرات منظمة العمل الدولية توفر التعاونيات حول العالم ما لا يقل عن 279 مليون فرصة عمل، وهو رقم يكشف أن هذا النموذج قادر على خلق وظائف مستقرة وخاصة في أوقات الأزمات، هذه الحقيقة وحدها كافية لإعادة التفكير في موقع التعاونيات داخل الاستراتيجيات النقابية، ليس كملحق بل كجزء أصيل من أدوات التنظيم الاقتصادي للعمال.

لكن الأهم من الرقم هو طبيعة هذا النموذج، فالتعاونية ليست شركة تقليدية تسعى للربح ولا هي مؤسسة خيرية تقدم دعم مؤقت، إنها بالأصل كيان اقتصادي ديمقراطي يملكه أعضاؤه ويديرونه بأنفسهم ويعيد توزيع العائد بشكل أكثر عدالة، وهذا تحديدا ما يجعلها قريبة بطبيعتها من فكرة النقابة لأن الاثنين ينطلقان من نفس الفلسفة وهي أن العمل الجماعي هو الطريق الوحيد لمواجهة اختلال موازين القوة في السوق.

في تجارب متعددة خاصة في أوروبا وأمريكا اللاتينية، فإن العلاقة بين النقابات والتعاونيات تطورت إلى ما يمكن تسميته «النموذج النقابي التعاوني» حيث تلعب النقابات دور مباشر في تأسيس ودعم التعاونيات، سواء عبر التمويل أو التدريب أو حتى تحويل شركات متعثرة إلى تعاونيات مملوكة للعمال، هذه الصيغة أثبتت أنها أداة للحماية وأداة للهجوم أيضا، أي أنها لا تكتفي بالدفاع عن شروط العمل بل إنها تدخل إلى قلب العملية الإنتاجية نفسها.

وتبرز أهمية التعاونيات النقابية بشكل أكبر في الاقتصاديات الناشئة خاصة فيما يتعلق بتنظيم العمالة غير الرسمية، فالتجارب التي رصدتها منظمة العمل الدولية تشير إلى أن التعاون بين النقابات والتعاونيات كان أحد أهم الأدوات لدمج العمال غير المنتظمين داخل أشكال تنظيمية توفر لهم حد أدنى من الحماية والتمثيل، وكانت بوابة لإعادة إدخال فئات كاملة من العمال إلى المجال العام بعد أن تم إقصاؤهم منه.

إذا نقلنا هذا النقاش إلى الحالة المصرية سنجد أن كل الشروط والعوامل التي تجعل من التعاونيات النقابية ضرورة متوافرة بشكل كبير، حيث توسع العمل غير الرسمي وانتشار العمل عبر المنصات الرقمية وتآكل القوة الشرائية للأجور وتراجع جودة الخدمات الأساسية، كلها عوامل تدفع في اتجاه البحث عن أدوات بديلة.

وفي ظل محدودية قدرة النقابات على التأثير المباشر في السياسات الاقتصادية، تصبح الحاجة ملحة لامتلاك أدوات تدخل مباشر في حياة العمال، لكن المشكلة تكمن في كيفية ترجمتها إلى واقع، فالتجربة المصرية مع التعاونيات بشكل عام شهدت تشوهات كبيرة سواء بسبب البيروقراطية أو ضعف الإدارة أو التدخل الحكومي المفرط، لذلك فإن إعادة طرح التعاونيات النقابية يجب أن تنطلق من نقد هذه التجارب وليس تكرارها، نحن بحاجة إلى نموذج مختلف يكون أكثر مرونة وأكثر شفافية وأقل خضوعا للهيمنة الإدارية.

النقطة الجوهرية هنا هي أن التعاونيات النقابية يجب أن تُبنى على احتياجات حقيقية وليس على رغبات تنظيمية، ففي بعض القطاعات قد تكون الأولوية لتوفير السلع الأساسية بأسعار أقل، وفي قطاعات أخرى قد تكون الحاجة إلى خدمات صحية أو تأمينية، بينما في قطاعات ثالثة قد يكون الحل في إنشاء مشروعات إنتاجية توفر فرص عمل مباشرة، لا يوجد نموذج واحد يصلح للجميع وهذه نقطة قوة وليست ضعفا.

الأمر الآخر الذي لا يمكن تجاهله أيضا هو التحول الرقمي، ففي عالم تتزايد فيه أهمية المنصات، لا يمكن أن تظل التعاونيات تعمل بنفس الأدوات التقليدية، ولمواكبة هذا الأمر أصبح من الضروري إنشاء تطبيقات لإدارة العضوية وتقديم الخدمات وربط الأعضاء ببعضهم البعض، كشرط لتحقيق نجاح التجربة، أي إن التعاونيات الرقمية قد تكون المدخل الطبيعي لتنظيم عمال المنصات أنفسهم بدلا من محاولة إدماجهم في أطر تقليدية لا تناسب طبيعة عملهم.

إن «نموذج التعاونية النقابية متعددة الخدمات» التي تجمع بين الاستهلاك والخدمات والإنتاج، وتستخدم أدوات رقمية حديثة وتفتح باب العضوية لفئات مختلفة من العمال بما في ذلك العمالة غير المنتظمة، هذا النموذج إذا ما تم بناؤه بشكل صحيح يمكن أن يتحول إلى شبكة أمان حقيقية.

ولكن هل يمكن لهذا النموذج أن ينجح دون دعم من الدولة؟ الإجابة الواقعية هي لا، ليس بمعنى السيطرة أو الوصاية، ولكن بمعنى توفير بيئة قانونية وتشريعية تسمح للنقابات بتأسيس وإدارة هذه الكيانات، وتقديم حوافز تشجع على نموها، وكما أشرت سابقا فإن التجارب الدولية تشير إلى أن التعاونيات تزدهر عندما تكون هناك سياسات عامة داعمة وليس عندما تُترك وحدها في مواجهة السوق.

في النهاية يمكن التعامل مع التعاونيات النقابية كواحدة من الأدوات القليلة المتاحة في لحظة تتآكل فيها كل الأدوات الأخرى لتحسين الأوضاع، نحن نتحدث عن محاولة لإعادة بناء جزء من القوة التي فقدها العمال في مواجهة اقتصاد أصبح أكثر قسوة وأقل عدالة، وإذا كانت النقابات تبحث عن دور جديد في هذا العالم المتغير، فربما يكون الطريق يبدأ من هنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *