حديث الفرص الضائعة (خاتمة)| حين يتكلم الخبراء عن البدائل: كم فدانًا كان يمكن زراعته وكم مصنعًا ومدرسة كان يمكن إنشاؤهم بأموال “العاصمة والعلمين”؟

الخبراء يؤكدون أن “القطاع العقاري” لا يمكن أن يقود اقتصاد دولة.. ولا بديل عن المشروعات الإنتاجية في الصناعة والزراعة


خبراء لـ”درب”: نصف تكلفة العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة كان يمكن أن تستصلح 3.7 مليون فدان وتسد الفجوة الزراعية


تكلفة التعليم لم يكن من الممكن أن تتجاوز تكلفة العاصمة الإدارية أو العلمين الجديدة سواء على مستوى تعيين معلمين أو تطوير المناهج


الإنفاق على العملية التعليمية يتم من ثروة الناس ويُنفق في مصلحة الناس.. وليس هناك مصلحة أهم ولا أجدى من العملية التعليمية

كتب – أحمد سلامة

“لما طال أمد هذا البلاء المبين، وحل فيه بالخلق أنواع العذاب المهين، ظن كثيرٌ من الناس أن هذه المحن لم يكن فيما مضى مثلها، ولا مرّ في زمن شبهها، وتجاوزوا الحد فقالوا لا يمكن زوالها، ولا يكون أبدًا عن الخلق انفصالها، وذلك أنهم قومٌ لا يفقهون، وبأسباب الحوادث جاهلون، ومع العوائد واقفون، ومن روح الله آيسون”.
من كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” لـ تقي الدين أبي العباس أحمد بن علي المقريزي

*************
إن المدقق للأوضاع المصرية الآن، يرى دون عناء، ما تركته إجراءات “الإصلاح الاقتصادي” من آثار شديدة السلبية على المواطنين والبسطاء، بل وحتى ميسوري الحال من الشعب.. الجميع طالته يد العبث الاقتصادي فأخلّت بأوضاعه وأحواله وتركته يتشبث باستمراره على قيد الحياة، والغريب أن المواطن الذي تحمّل الكثير خلال السنوات الماضية -ومازال يتحمل- فعل ذلك في مقابل نمو الدولة وحداثتها، غير أن ما حدث أن ديون الدولة الخارجية والداخلية تفاقمت ووصلت إلى حدود غير مقبولة دون أن يكون لذلك مردود أو عوائد.ومرجع تلك الديون ومردها، كان السبب فيه المشروعات العقارية التي استنزفت كثيرًا من الموارد، حسبما قال عددٌ من الخبراء الذين تحدثوا لـ”درب” خلال خمس حلقات سابقة أكدوا فيها أن “القطاع العقاري” لا يمكن أن يقود اقتصاد دولة، وأن تلك المشروعات العقارية أتت على الموازنة العامة وأن ما تردد عن تدشين تلك المشروعات من مصادر خارجة عن ميزانية الدولة هي مجرد “أسطورة”.وبينما تتراكم الديون -بطريق مباشر أو غير مباشر- والتي جاءت في أعقاب “مساعدات” قدمتها دول الخليج لمصر قدّرها عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية بـ”عشرات المليارات من الدولارات”، لازالت المشروعات العقارية وأبرزها العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة تبتلعان موارد ضخمة، رغم ما يثيره الخبراء من شكوك حول جدواها ومردودها الاقتصادي.الاستثمارات في المرحلة الأولى لمشروع العاصمة الإدارية الجديدة تراوحت ما بين 700 إلى 800 مليار جنيه مصري حسب تصريحات كان قد أدلى بها اللواء أحمد زكي عابدين الرئيس السابق لشركة العاصمة في حين قالت بعض التقديرات إنها قد تصل في جميع مراحلها إلى 60 مليار دولار أي ما يصل حسب الأسعار الحالية للدولار إلى 1200 مليار جنيه.كل ذلك بعيدًا عن المشروعات الخدمية المحيطة بالعاصمة الإدارية مثل القطار الكهربائي السريع والمحاور المؤدية لها، وأكبر مسجد وأكبر كنيسة وأكبر برج أيقوني، وبعيدًا أيضًا عن تكاليف مدينة العلمين الجديدة التي وصلت إلى نحو 250 مليار جنيه بلغت تكلفة إنشاء 5 أبراج فقط بها نحو 30 مليار جنيه حسب وزير الإسكان عاصم الجزار.
🛑 لكن.. هل يُمكن للقطاع العقاري أن يقود الاقتصاد؟
طرحت “درب” هذا السؤال على الباحث الاقتصادي المعروف، رائد سلامة، الذي قال “يتوقف ذلك على نظرتنا للاقتصاد، قطاع العقارات بالأساس هو قطاع خدمي وليس إنتاجي بالمفهوم الشامل، وبالتالي إذا نظرنا إلى هذا القطاع باعتباره المصدر الرئيسي للدخل القومي مع وضع كل التركيز عليه فربما لا يحقق هذا الهدف المطلوب”.يضيف رائد سلامة “ما يردده البعض عن تحقيق دول الخليج لطفرة اقتصادية بسبب قطاع العقارات ليس دقيقا، لأن دول الخليج لم تُحدث تلك الطفرة اعتمادا فقط على العقار، العقار كان جزءًا من مجموعات مكونات من ضمنها نقل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، أخذًا في الاعتبار أن مكونات المجتمع المصري تختلف تمامًا عن أي مجتمع خليجي، والموارد (بمفهومها الشامل) كذلك مختلفة، وبالتالي لا يجب النظر للمسألة باعتبار أن ما نجح هناك يمكن أن ينجح هنا، الوضع المصري مغاير عن الوضع الخليجي حتى التركيبة الديموغرافية مختلفة تماما، والمقارنة لا تصح ولا تجوز”.ونبه الباحث الاقتصادي رائد سلامة إلى أن “حالة الركود التضخمي التي يعاني منها العالم حاليا قد تعني أنه لن يكون هناك ضخ لأموال أجنبية في قطاع العقارات كما يتصور البعض، وبالتالي حتى إذا نظرنا إلى أسعار قطاع العقارات التي تعتبر مرتفعة نسبيًا فهذا يجعله ليس مصدرًا موضوعيًا وعمليًا للدخل”.تواصلت “درب” مع أحد خبراء الهندسة لعلها تصل إلى إجابة حول سؤالها عن قيادة العقار للاقتصاد وهل هو بهذه الأهمية التي يحاول البعض تأكيدها لتبرير المشروعات التي التهمت الموارد.الخبير الهندسي الذي فضل عدم ذكر اسمه قال “مفيش مدينة بتتعمل ويكون هدفها في المقام الأول تحقيق عوائد اقتصادية، المدينة بتتعمل علشان تقوم بذاتها وتنفق على نفسها وتوفر خدماتها بنفسها، ويكون فيها قاعدة اقتصادية، ففكرة إنك بتعمل مدينة علشان تجيب فلوس هو دا الخطأ، وربما كان ذلك هو الهدف غير المُعلن لكنه مع ذلك يبقى خطأ”.ويضيف “المُدن حاليًا في مصر يتم التعامل معها بمنطق تجاري، تقسيم أراضي ثم بيع لشركات ومستثمرين ثم بناء وحدات سكنية ثم طرحها على المستهلكين، ودا مردوده على المدى القصير -حتى في حال نجاحه- فلن يحقق العوائد المرجوة، وفي نفس الوقت (مش دورك كدولة إنك تعمل كدا، إنت دورك إنك تبدأ بقاعدة اقتصادية تُدر دخلا للدولة على المدى البعيد، وحول هذه القاعدة الصناعية أو إلى جوارها تقوم المُدن)”.ويوضح “المشكلة الحالية في بعض المُدن الجديدة مثل العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة أنها ليست لها قواعد اقتصادية، وبالتالي يصعب مع ذلك -حتى الآن- التحدث عن تحقيق عوائد بعيدة المدى، مفيش أبدًا مدينة بتقوم على الخدمات فقط، وهي في هذه الحالة -يقصد العاصمة الجديدة- خدمات المدينة فقط، هي ليست حتى خدمات إقليمية لها دور في المنطقة العربية”..
🛑 أسطورة التمويل من خارج الميزانية
يرفض الخبراء، المزاعم الحكومية حول تمويل العاصمة والعلمين من خارج الميزانية، حيث يقول د. زهدي الشامي إن “الحكومة وممثلوها زعموا مرارا أن هذه المشروعات لاتكلف الميزانية ولا الدولة أي أعباء، وأنهما تمولان نفسها ذاتيًا من حصيلة بيع الأراضي، وفي ذلك استخفاف واضح بالعقول لاعتبارات عديدة”.ويوضح الشامي “لا يجوز الزعم أن حصيلة بيع أراضي الدولة هو مما يقع خارج موازنة الدولة، هذا لا يحدث إلا في مصر.. وهذا انتهاك صريح لمبدأ وحدة الموازنة العامة، ورغم ذلك، فليس صحيحا أن هذه المدن لا تتلقى أموالا بشكل مباشر من الموازنة العامة بشكلها المشوه المنقوص الحالي.. فكل من العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة تتلقيان مليارات الجنيهات من الموازنة العامة مباشرة وفقا لما هو وارد في البيان المالي للعام المالي ٢٠٢١- ٢٠٢٢ حيث تلقت المدن الجديدة بما فيها شركة العاصمة الإدارية مبلغ ١٠٣.٩ مليار جنيه مخصصات عن هذا العام، ناهيك عن كل السنوات السابقة.. ووفقا لتصريحات لعصام الجزار وزير الاسكان فقد خصصت الوزارة ٢٥ مليار جنيه لمشروعات العلمين الجديدة في العام الماضى ٢٠٢١ – ٢٠٢٢ “.ويسترسل الخبير الاقتصادي “من ضمن ما يرتبط بتلك المدينتين وسائل المواصلات وخلافه، ومن ذلك القطار السريع والقطار الكهربائي الخفيف والمونوريل والطريق الدولي الساحلي السريع وخلافه، وهي كلها مشروعات ممولة بمبالغ مالية كبيرة وبقروض بالعملة الصعبة متورطة فيها الدولة بشكل مباشر”.ويقول الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، إنه تم تأسيس شركة مساهمة لإدارة مشروع العاصمة الإدارية الجديدة برأسمال يقدر بـ6 مليارات جنيه، هي من أموال المصريين، أما على جانب القروض كوسيلة للتمويل، فقد كانت شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية قد بدأت محادثات مع عدد واسع من البنوك المحلية بغرض الحصول على تمويل بقيمة تصل إلى 20 مليار جنيه، لمقابلة أعمال المرافق والبنية التحتية واستثماراتها المختلفة التي تباشر تنفيذها بالعاصمة الجديدة شرق القاهرة. كذلك اتفقت وزارة الاسكان مع شركة CSCEC الصينية على تنفيذ منطقة تضم 20 برجا بالعاصمة الادارية باستثمارات 3 مليارات دولار تمول بقرض صيني، تسدد هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة 15% منه، دفعة مقدمة، والـ85% الباقية يتم تمويلها من القرض بفترة سماح مدة الإنشاء، ثم السداد بعد ذلك على 10 سنوات”.ويتابع “وقعت وزارة الاسكان والمجتمعات في أبريل 2019 في العاصمة الصينية بكين، اتفاقية مع البنوك الصينية الممولة لمشروع منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية لصرف 834 مليون دولار الدفعة الأولى من القرض الصيني، وفي أغسطس 2019 وقعت الوزارة مع 8 بنوك صينية اتفاق الحصول على الشريحة الثانية من القرض الخاص بتمويل إنشاء 20 برجا، متعددة الأنشطة والاستخدامات بالعاصمة الإدارية الجديدة.. كيف تمول من خارج الموازنة ووزير الإسكان في الحكومة المصرية هو الذي وقع عقد القرض في الصين؟! وكيف تمول من خارج الموازنة وهيئة المجتمعات العمرانية التابعة للحكومة المصرية تسدد 15% كدفعة مقدمة للقرض وهي هيئة حكومية يخضع بعض نشاطها لرقابة مجلس النواب والجهاز المركزي للمحاسبات ولا نعرف كيف تم تبرير هذه الإجراءات؟!”.
🛑 عن المصانع المتوقفة.. والزراعة المتراجعة  
في حديث مع “درب” يؤكد القيادي العمالي كمال عباس أن عدد المصانع التي توقفت عن العمل طوال الفترة الماضية بلغ 11 ألف مصنع وهو ما يمثل 40% من قوة القطاع الخاص.ويقول عباس “المصانع توقفت لعدد من الأسباب تتعلق في معظمها إما بالقروض من البنوك أو الحاجة إلى تيسيرات في الاعتمادات المالية، أو لأسباب تتعلق بارتفاع تكاليف التشغيل مثل التكلفة المرتفعة للكهرباء والغاز الطبيعي، لو نظرنا للدخل القومي فنحن نتحدث عن 11% فقط منه تتحقق من عوائد النشاط الصناعي وهو رقم قليل للغاية، المتعارف عليه عالميًا هو نسبة 33%، مش ممكن دولة زي مصر بحجم السكان وفي ظل الاحتياج الشديد لفرص العمل يقف حد النشاط الصناعي عند 11% فقط، دي نسبة ضعيفة جدا”.ويتابع “وبالتالي هناك حاجة لحل مشكلات القطاع الخاص حاليا، وعن طريقها نقف على أسباب التوقف سواء إدارية أو مالية أو مبالغة في الأسعار والجمارك ومستلزمات الإنتاج ويتم حل ذلك، على الجانب الآخر يجب التيسير على القطاع الخاص دخول المجال الصناعي”.ويقول عباس “في الفترة الأخيرة أكبر القطاعات نشاطًا هو القطاع العقاري، لماذا القطاع العقاري لأنه مُربح ومشكلاته محدودة وبعيد عن البيروقراطية، شركة تطوير عقاري بتروح تاخد أرض وبضمان الأرض بتحصل على قرض من البنك، وبتحول 75% من القرض إلى الخارج والـ 25% بيوجهها للدعاية الإعلانية، ويبدأ يجمع فلوس من المشترين وعن طريق الفلوس دي يبدأ يبني مشروعه العقاري، والربحية فيه 300% .. إيه اللي هيخليه يدخل في الصناعة اللي بتحتاج تصاريح من أكثر من 18 جهة علشان يعمل مصنع بالإضافة إلى مشاكل الاستيراد والتصدير ومستلزمات الإنتاج”.ويستكمل عباس “الآن وضعت الأموال في القطاع العقاري الذي لن يُعيد إنتاج الأموال مرة أخرى، لو كانت هذه الأموال وضعت في دعم القطاع الصناعي أو الزراعي أو حتى دعم صناعة السياحة كان سيكون لها مردود كبير خاصة وأن عوائد السياحة يعتبر ضعيف مقارنة بالمنشآت السياحية التي تملكها البلاد، الحل الوحيد الآن هو إيقاف ضخ الأموال في النشاط العقاري وتوجيهها إلى الصناعة والزراعة وكل ما هو منتج”.أما عن الزراعة وحول إعادة تدوير الاستثمارت يطرح السؤال الأهم حول قيمة استصلاح الفدان الزراعي؟ الدكتور فؤاد سراج الدين، خبير الاقتصاد الزراعي، أن المبلغ الذي تحدث عنه وزير الزراعة كتكلفة لاستصلاح الفدان الزراعي هو رقم مبالغ فيه، إذ يرى أن تكلفة استصلاح الفدان لا تتجاوز نصف هذا الرقم، حيث تتراوح ما بين 150 إلى 200 ألف جنيه بكل ما يشتمل عليه ذلك من مرافق وتوصيل مياه أو حفر آبار وما إلى ذلك.ولفت فؤاد سراج الدين إلى أن ما يشكل عائقًا عن عملية الاستصلاح في التوقيت الحالي هو قضية المياه، لكنه نبه إلى أنه لدى مصر خزانات للمياه الجوفية يُمكن الاعتماد عليها لفترات لكنها لا تصلح أن تكون موردًا دائمًا، مُشددا في الوقت ذاته أيضًا على أن استصلاح بعض الأراضي الزراعية يستلزم إنشاء محطات تحلية مياه، وهي ليست منخفضة التكلفة، لكنها تظل حلا للتنمية ومواجهة الأزمات خاصة فيما يتعلق بالمحاصيل الاستراتيجية.ويُشير فؤاد سراج الدين إلى أن المساحة المزروعة في مصر تتجاوز الـ 9 ملايين فدان، وهو ما كان يُمكن أن يزيد بـ 8 ملايين فدان أخرى هي مساحة الأراضي الصالحة للزراعة، إذا ما تم توفير الإمكانيات اللازمة وإعادة توجيه الاستثمارات بشكل مخطط وبناء على استراتيجيات للمستقبل.ويطرح زهدي الشامي، سؤالا بديهيًا حين يقول “في ظل تلك الظروف المعلومة للكافة، هل كان من الرشد أن تتبنى السلطة الحاكمة كهدف قومي تلك المشروعات الترفيهية العقارية التبديدية كالعاصمة الجديدة، أم بالعكس تجعل من المياه والزراعة مشروع مصر القومي الأول، لمواجهة للمخاطر المحدقة بالنيل وتطويرا لأنظمة حديثة للترشيد المائى والتوسع الزراعي؟”.يستكمل الشامي “من المؤسف أن الاختيار كان بالفعل للعاصمة الإدارية وأشباهها وبالدعاية الجوفاء للزراعة والري.. أنفقت الدولة على مشروعات العاصمة وأخواتها ما يقرب من ١.٥ تريليون جنيه، في حين كانت مخصصات الزراعة سنويا ما بين ٤٠ إلى ٨٠ مليار جنيه فقط، وتم الإعلان عن خطط وهمية لاستصلاح ٤ ملايين فدان، فشلوا في تحقيقها، فخفضوا الرقم إلى  ١.٥ مليون فقط، وفشلوا أيضا في تحقيقه.. فوفق بيانات وزارة الزراعة فإن المساحة المزروعة في عام ٢٠٢٠ وصلت إلى ٩.٤ مليون فدان في مقابل ٨.٩ مليون عام ٢٠١٤، أي كل ما تم استصلاح في تلك السنوات ٥٠٠ ألف فدان فقط، وبمعدل يقل عن ١٠٠ ألف فدان في العام”.ويضيف “ويسألني البعض ماذا لو وجهت نصف الأموال التي أنفقت على العاصمة وأخواتها على للزراعة، كم فدانا كان يمكن استصلاحها؟ والإجابة واضحة.. نصف تلك المبالغ تعني حوالي ٧٥٠ مليار وبافتراض أن تكلفة استصلاح الفدان تصل حتى إلى ٢٠٠ ألف جنيه، كان بالإمكان استصلاح ٣.٧٥ مليون فدان بتلك المبالغ”.

🛑التعليم.. من “سلعة استهلاكية” إلى ركيزة اقتصادية
يقول العالم الكبير ورائد جراحات الكُلى، الدكتور محمد غنيم، إن التعليم أولوية بصرف النظر عن التكلفة التي قد يتكلفها.. مُشددًا في الوقت ذاته على أن تكلفة التعليم لم يكن لها بأي حال من الأحوال أن تتجاوز تكلفة العاصمة الإدارية أو العلمين الجديدة من أجل دعم الفصول الدراسية بمعلمين وتطوير المناهج بشكل جاد وحقيقي.ويضيف الدكتور محمد غنيم، أن “التعليم يضيف للناتج القومي، والتعليم له أربعة مراحل، أساسي وجامعي وتعليم فني إضافة إلى البحث العلمي، وكل ذلك -بخلاف الثقافة واتساع الأفق وتغيير مفاهيم متوارثة وغيره- يؤسس لاقتصاد التنمية والمعرفة”.ويستكمل “والتعليم داعم لجميع القطاعات الاقتصادية، فإذا ضربنا مثلا بالتعليم الفني، فيمكننا أن نقول إنه الداعم الأساسي للصناعة والزراعة، وكذلك كل مرحلة من مراحل التعليم، لأن كل مرحلة يتم البناء عليها”.ويسترسل “طبعا لقد فاتنا أمر التعليم، والحكومة ونظام الحكم تركوا ملف التعليم بجميع مراحله للقطاع الخاص، لذلك نجد تباينًا في أنواع التعليم.. فالتعليم الأساسي يشمل تعليم حكومي ولغات وتعليم أزهري، وكل ذلك يسفر عن منتجات تعليمية متباينة، والأمر نفسه يتكرر في التعليم الجامعي”.. لافتا إلى “كل مشكلات التعليم والصحة والاقتصاد هي نتاج قرارات سياسية، يعني بدل ما أعمل كوبري أعمل مدرسة، بدل ما أعمل نفق أعمل جامعة حقيقية ترتقي بمستوى التعليم”.ويشير الدكتور غنيم إلى أن “هذه القرارات السياسية يجب أن يحكمها منظومة متكاملة من مؤسسات وبرلمان وإعلام، لكن نحن للأسف لدينا برلمان لا يستطيع طرح المشكلات الحقيقية لأنه قادم بالقائمة المغلقة المرتبطة بالدول الشمولية، لذلك لن يسأل أين استحقاقات التعليم الأساسي وفقًا للدستور”.. موضحًا أن “الدستور منح مقررات خاصة للتعليم، لكن لم يتم العمل بها مطلقًا.. رغم ما نراه من بذخ في الإنفاق على العاصمة الإدارية أو العلمين الجديدة، أو البرج الأيقوني وأكبر مسجد وأكبر كنيسة.. كان الأولى أن يتم إنفاق هذه الأموال على العملية التعليمية”.ونبه غنيم إلى أنه “لأول مرة الدستور يحدد سياسيات التعليم، سواء على مستوى التوجهات أو الإنفاق المطلوب له من أجل تحقيق طفرة، هذه المواد الدستورية التي يجب أن تُفعّل”، مشيرًا إلى أن ما طُرح خلال تولي طارق شوقي وزير التربية والتعليم من مشروعات لتطوير التعليم كان إنفاقًا في غير محله، مضيفًا في الوقت ذاته “مشروع التابلت على سبيل المثال راح في الهوا.. وإحنا حذرنا سابقًا من الإنفاق في هذا المسار في هذا التوقيت”.وفي رد على سؤال حول التوجه إلى القطاع العقاري باعتباره قد يكون الأسرع في تحقيق النمو الاقتصادي.. قال الدكتور محمد غنيم “هذا السؤال يدفعنا نحن إلى التساؤل.. منذ عام 2014 ما هو المشروع العقاري الذي حقق لـ مصر طفرة في الاقتصاد؟!”.واستكمل غنيم “العاصمة الإدارية فقط، في مرحلتها الأولى فحسب، تكلفت 800 مليار جنيه.. بينما مشروع مثل (الفصل النموذجي) يتكلف نحو مليون جنيه للفصل الواحد بكل مشتملاته من الأرض والمدرسين وتكاليف العملية التعليمة كلها بما يضمن الحد من التسرب التعليمي وسد فجوة العجز في المعلمين.. التعليم بحاجة إلى الإنفاق لكن مردوده وعوائده أكثر ثباتًا من الإنفاق في أي قطاعات أخرى”.“اللي أنا عارفه إنه ما يتم تخصيصه للتعليم الجامعي متدني ولا يقترب ولو قليلا من النسبة المحددة في الدستور، وفقا للناتج المحلي والذي يصل إلى 6 تريليون.. فأنا دلوقتي عايز أعرف المخصص فعليا كام؟” هكذا قال غنيم مُشددًا على أن تخصيص النسبة الدستورية تحقق بالفعل يحقق نقلة نوعية كبيرة في مسار التعليم الجامعي، لافتًا إلى أنه يمكن الإنفاق على أعضاء هيئة التدريس وإنشاء معامل وتدعيم البحث العلمي.الدكتور كمال مغيث، الخبير التعليمي، يقول “أولا من الواضح أن النظام الحالي له أهدافه الأيدلوجية المنفصلة بشكل كامل عن الشعب وقضاياه ومشكلاته وهمومه اليومية، اللي بيبنوا أعلى بُرج وأضخم كنيسة وأكبر مسجد، هذه المشروعات -إن جاز لنا تسميتها مشروعات- تستهدف أثرياء المصريين، ممن عملوا بالخارج في دول الخليج أو غيرها”.وأضاف مغيث “كتير من الفئات بدأت تشحت، إيه المبرر لكل هذه العقارات في أماكن لن يشغلها رُبع مرتاديها إلا بعد عشرات السنوات، يعني على سبيل المثال أكبر جامع في العاصمة الإدارية مين اللي هيصلي فيه دلوقتي؟ الجمهور الطبيعي اللي هيصلي في مسجد بالحجم دا مش هيكون موجود غير بعد 15 سنة.. مين يقول إنك تعمل دا في وقت تسمح فيه بإن 350 ألف فصل دراسي مش بيدخل لهم مُدرسين؟!”.وأوضح “إحنا عندنا عجز في المدرسين يبلغ 350 ألف مُعلم، وهذا يعني أن هناك 350 ألف فصل دراسي محرومين من دخول المعلمين ومن استمرار العملية التعليمية بشكل يضمن قدر من الكفاءة”.ويتابع الخبير التعليمي “الفكرة هنا ليست في التكلفة المادية، الإنفاق على العملية التعليمية يتم من ثروة الناس، ويُنفق في مصلحة الناس، وليس هناك مصلحة أهم ولا أجدى من العملية التعليمية.. مفيش دولة في الدنيا لحد النهاردة بتفكر بأي حال من الأحوال إنها تستغني عن المدرسين”.ويشدد “لدينا مظاهر تؤكد أن النظام الحالي أدار ظهره للناس، أبرزها الإنفاق الترفي الذي نراه في كل ما يحيط بنا، وهو الإنفاق الذي كان يُمكن أن يستبدل بتعيين مُعلمين وبناء فصول وتطوير مناهج”.وأشار إلى أن “الدستور الحالي ألزم بإنفاق 4% من الدخل القومي على التعليم والبحث العلمي، أي ما يُعادل 350 مليار جنيه.. التعليم حاليًا لا يتحصل على 190 مليار جنيه وهذا معناه أنه ضاع من مخصصات التعليم 160 مليار جنيه، هذا المبلغ كان يسمح بسد جزء من فجوة التعليم ثم تطوير للمناهج وبالتالي تبدأ عملية التطوير في السير إلى الأمام بدلا من حالة العجز التي نمر بها”.وتابع “أما مسألة أن التعليم لن يُقدم إضافة لتطوير الدولة، وأنه (يعمل إيه تعليم في وطن ضايع) فهذا قول مردود عليه بالتجارب التي خاضتها الدول بمختلف أنحاء العالم، وكان التعليم فيها هو السند في الخروج من العثرات والكبوات”.واستكمل “أنا لن أضرب مثلا بأي دولة أخرى، أنا سأضرب مثلا بمصر، ففي عهد محمد علي تسلم الرجل مصر (شِبه دولة) حرفيًا، لا مؤسسات ولا أجهزة وبلد منهك من حملة فرنسية أتت على الأخضر واليابس وسيطرة كاملة من المماليك على مقدرات البلد الحقيقية، لكنه رأى أن المخرج من كل الأزمات يشمل رؤية واضحة لحلول استراتيجية ومن بين هذه الحلول وضع سياسة تعليمية واضحة ومحددة وينفق عليها ومعروف أهدافها، وكانت النتيجة أنه بعد 25 سنة فقط كان يُهدد الأستانة مقر الخلافة العثمانية.. هو دا اللي بيعمله التعليم في وطن ضايع”.

“واعلم حاط الله نعمتك وتولى عصمتك، أن الغلاء والرخاء مازالا يتعاقبان في عالم الكون والفســــاد، منذ برأ الله الخليقة في سائر الأقطار وجميع البلدان والأمصار”.. المقريزي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *