“لقمة عيش تمنها حياة” تفتح ملف حوادث نقل العمال.. ورقة موقف تكشف خلل منظومة الحماية وتطالب بوقف الحوادث ومحاسبة المسئولين عن تكرارها

كتب – أحمد سلامة

نظمت دار الخدمات النقابية والعمالية لقاءً، اليوم الثلاثاء، للإعلان عن ورقة موقف بعنوان “حوادث نقل العمال.. وفشل منظومة الحماية”، في إطار حملة “لقمة عيش تمنها حياة”، ومناقشة واقع حوادث نقل العمال، ومدى فاعلية منظومة الحماية والرقابة، وتحديد المسئوليات، خاصة في قطاعات الزراعة والعمالة اليومية وغير المنتظمة.
وشهد اللقاء مناقشة ورقة الموقف التي أعدتها الدار والتي طرحت عددًا من المقترحات للحد من الحوادث، من بينها إدراج نقل العمال ضمن منظومة السلامة والصحة المهنية، وتوفير وسائل نقل آمنة، وتوسيع نطاق التفتيش ليشمل العمالة الزراعية واليومية وغير المنتظمة، إلى جانب اتخاذ إجراءات وقائية وملزمة لمنع تكرار الحوادث ومحاسبة المسئولين عن الإخلال بسلامة العمال.
كما تناولت الورقة قضية تشغيل الأطفال، مؤكدة ضرورة وقف تشغيلهم في الأعمال الخطرة، إلى جانب فتح ملف وطني لحوادث نقل العمال، والكشف عن أصحاب العمل الفعليين وعدم قصر المسئولية على السائق أو مالك المركبة، مع تعزيز الرقابة البرلمانية والدور النقابي في الوقاية من الحوادث.
واستعرضت الورقة عددًا من الحوادث التي تكشف تكرار أنماط الخطر، من بينها حادث معدية أبو غالب عام 2024، وحادث الطريق الإقليمي بالمنوفية عام 2025، إلى جانب سلسلة حوادث العمالة الزراعية في وادي النطرون خلال عامي 2025 و2026، وحادث طريق الدواويس بالإسماعيلية في أغسطس 2026.

وفي بداية الفعالية رحب كمال عباس بالسادة الحضور، مؤكدًا أن حملة “لقمة عيش تمنها حياة” هي نتاج الحوادث التي تكررت، مشددًا على أن المعنى الحقيقي للحملة هو تحديد المسئولية والإجراءات التي بها قصور لإنقاذ أرواح أطفال وأرواح عمال وإنقاذ مصابين من الألم، وألا يتحول الضحايا إلى مجرد أرقام تنشر في الصحف، وبالتالي يتحول العامل إلى إنسان مطلوب منه توفير لقمة عيشه وتوفير ثمن علاجه..
التصريحات الوقتية التي تصاحب كل حادث لا تليق بحكومة تمارس دورها، في ظل غياب تام للإجراءات التي تحول دون وقوع الحوادث في الأصل.
ما نريده هو أداء قوي وتضامن واسع مع الحملة من أجل توصيل صوتنا إلى جميع المسئولين، مرحبًا بأي مقترحات قد تصدر عن جميع المهتمين لتحديد من المسئول وكيف نضع إجراءات حاسمة تمنع تكرار هذه الحوادث.

واستعرضت الدكتورة أمل عبدالحميد، منسق البرامج بدار الخدمات النقابية والعمالية، ورقة الموقف، مؤكدة أن إطلاق الحملة جاء بعد تكرار بيانات الإدانة والتضامن مع ضحايا حوادث نقل العمال والأطفال، دون أن يتوقف نزيف الحوادث، ما دفع الدار إلى التحرك خطوة إلى الأمام والعمل على منع وقوعها، لافتة إلى أن شهري يوليو وأغسطس الماضيين شهدا رصد عدد كبير من الحوادث، كان معظم ضحاياها من الأطفال.
وأوضحت عبدالحميد أن ورقة الموقف تناولت الحوادث من عدة زوايا، أبرزها تحديد المسئوليات بين الأطراف المختلفة، وما يتعين على كل طرف القيام به، فضلًا عن بحث الثغرات القانونية التي قد تستدعي تعديلات تشريعية، والأسباب التي تدفع الأطفال والعمال إلى المخاطرة بحياتهم رغم إدراكهم لاحتمالات التعرض للإصابة أو عدم العودة سالمين.
وطرحت عبدالحميد عددًا من التساؤلات حول المسئول عن تشغيل العمال وحمايتهم، ودور أجهزة التفتيش والرقابة في منع الحوادث، والمسئولين عن تشغيل الأطفال واكتشاف المخالفات، وكذلك صلاحية الطرق التي تتكرر عليها الحوادث، قائلة “من يتحمل مسئولية الفشل؟”.
وأشارت إلى أن المشكلة نتاج تراكمات عدة، في مقدمتها الفقر الذي يدفع الأسر إلى تشغيل أطفالها في سن مبكرة، والبطالة التي تدفع الشباب إلى قبول أي فرصة عمل مهما كانت مخاطرها، إلى جانب استخدام وسائل نقل غير مخصصة لنقل العمال، وسوء حالة بعض الطرق، وغياب التفتيش والرقابة الكافية من جانب وزارة العمل، فضلًا عن تحميل السائق وحده مسئولية الحوادث باعتباره “كبش فداء”، دون الكشف عن صاحب العمل أو مساءلته.
وتناولت ورقة الموقف أطراف المسئولية، ومن بينهم صاحب العمل، ومقاول الأنفار، ووزارة العمل، وجهات المرور التي تسمح بسير المركبات المخالفة، مع تخصيص جانب من الورقة لقضية عمالة الأطفال في ظل ضعف التفتيش والرقابة، بما سمح بتسرب أطفال إلى سوق العمل بالمخالفة للقانون.
وأكدت عبدالحميد رفض دار الخدمات لتشغيل الأطفال والتنصل من المسئولية، مطالبة بالكشف عن أصحاب الأعمال، وتحويل الرقابة من إجراءات لاحقة للحوادث إلى آلية استباقية تمنع وقوعها وتكرارها، مع إجراء تحقيقات جادة ومحاسبة جميع المقصرين.
كما دعت إلى دور أقوى لمجلس النواب والنقابات، وتحويل حوادث نقل العمال إلى قضية عامة، باعتبار الحق في الحياة حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان، مشددة على أن “العامل والطفل ليسا مجرد أرقام في كشوف الضحايا، والحوادث المتكررة ليست قدرًا علينا الاستسلام له”.

من جانبه، توجه الدكتور فريد البياضي، عضو مجلس النواب، بالشكر إلى دار الخدمات النقابية والعمالية على استضافة هذه الفعالية المهمة، وعلى إعداد ورقة الموقف، معربًا عن حزنه إزاء الواقع المؤلم الذي يعيشه العاملون.
وقال البياضي إن “الكارثة أن العامل المصري ليس لديه بدائل، فإما لقمة العيش أو حياة آمنة وسليمة”، مشيرًا إلى أنه لا ينبغي أن يقتصر التحرك على ما بعد وقوع كل حادث، وإنما يجب أن تسبق ذلك أدوار رقابية فاعلة تمنع وقوع الحوادث من الأساس، مع عدم اختزال المسئولية في أطراف محدودة مثل “سائق السيارة” أو “سائق القطار”، مؤكدًا أن السؤال الذي ينبغي طرحه يجب أن يتناول سلسلة المسئولية كاملة، منذ بدايتها وحتى نهايتها.
وأردف “هناك ضرورة إلى تعديل تشريعي يُجبر صاحب العمل على توفير وسائل نقل آدمية”، مع التأكيد على أن كل من يستقل “وسيلة نقل للعمالة” يُعد عاملًا بشكل طبيعي، بما يتيح له إثبات ارتباطه بالعمل لدى صاحب العمل، وبالتالي ضمان حقه في صرف التعويضات حال وقوع الحوادث.
واستكمل البياضي “الكارثة الحقيقية أنه لا تتم محاسبة من بيدهم سلطة الرقابة اللازمة لمنع الحوادث، فكل من كان بيده منع الكارثة ولم يفعل، يفتح بذلك الباب واسعًا أمام تكرارها مرات ومرات”.
وأشار إلى أن مستويات الفقر في مصر غير معلنة وغير مسبوقة، وأن “الفقر المدقع” يتزايد، وبالتالي فمن غير المنطقي المطالبة بمنع عمالة الأطفال بشكل كامل، خاصة في ظل احتياج كثير من الأسر إلى عمالة أبنائها، موضحًا أن السؤال الذي يجب طرحه هو “كيف نحمي أطفالنا؟ وكيف يمكن توفير بيئة مناسبة مع إشراف ورقابة صارمة على عمالتهم؟”.
ولفت البياضي إلى أن القانون لم يضع تعريفًا واضحًا لطريقة نقل العمال، كما لم يحدد العقوبات المقررة على المخالفين، مشددًا على ضرورة أن تتناسب العقوبة مع حجم المخالفة.
وشدد على أن الفساد في المنظومة الإدارية يمثل عائقًا أكبر من أي تعديلات تشريعية، ويشكل عقبة كبيرة أمام أي محاولة جادة للإصلاح، مؤكدًا ضرورة اتخاذ إجراءات جادة للقضاء على هذا الفساد من جذوره.. مختتما كلمته قائلًا بالقول “لقمة العيش حق.. والحياة كذلك حق”.

من جهته، أشاد محمد أنور السادات، نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، بدار الخدمات النقابية والعمالية، باعتبارها إحدى المؤسسات التي تدير قضاياها بمصداقية وتتفاعل معها بجدية، كما أشاد بورقة الموقف التي قدمتها الدار تحت عنوان حملة “لقمة عيش تمنها حياة”، مؤكدًا أنه لا يجوز التفرقة بين الحق في الحصول على “لقمة عيش” و”الحق في الحياة”.
وقال السادات إن الحملة حظيت باهتمام واسع، وإن كثيرين ينتظرون ما ستسفر عنه من نتائج، مطالبًا بالخروج بتوصيات عملية قابلة للقياس والتنفيذ، بحيث يمكن تحقيق أجزاء منها حتى إذا تعذر تنفيذها بالكامل.
وتابع أنه من المهم الاستماع إلى شهادات شهود العيان الموجودين خلال الفعالية، مشيرًا إلى أن تكرار الحوادث أصبح “وجعًا متكررًا في ضمير الأمة المصرية”.
وقال إن المجلس القومي لحقوق الإنسان أجرى عددًا من الزيارات الميدانية، ويجري حاليًا إعداد تقرير يتضمن مجموعة من التوصيات، ربما تتشابه مع التوصيات التي ستخرج بها حملة “لقمة عيش تمنها حياة”، موضحًا أنه سيتم تقديم التقرير إلى مجلس النواب خلال دور الانعقاد المقبل، ومشددًا على أن جميع هذه التحركات تصب في صالح العمل الجماعي من أجل وقف تكرار تلك الحوادث.
وشدد السادات على أن “الإدارة والمسئولية والمحاسبة” تمثل العناصر الأهم في هذا الملف، مؤكدًا أنه مهما أُجريت من تعديلات تشريعية، فإنها ستظل حبرًا على ورق ما لم يتم تطبيقها بصورة صحيحة، دون تلاعب، وعلى الجميع دون استثناء.
ونبه السادات إلى أن مصر وقعت بالفعل على عدد من الاتفاقيات الدولية التي تحظر عمالة الأطفال، إلى جانب ما نصت عليه القوانين المصرية في هذا الشأن، مؤكدًا أن الأهم يظل التطبيق الجاد والفعال لهذه القوانين والاتفاقيات.

وخلال الفعالية، استمع الحضور إلى شهادات مؤثرة من عدد من ضحايا حوادث الطرق وأسر الضحايا، كشفت عن جانب من المعاناة اليومية التي يواجهها العمال، خاصة العاملين في المزارع، وما يتعرضون له من مخاطر أثناء الانتقال إلى أماكن العمل أو خلال أداء مهامهم، إلى جانب غياب سبل الحماية والتعويض في كثير من الحالات.
وقالت إحدى المشاركات إنها تعمل برفقة أربعة من أشقائها، وتبدأ يوم عملها في الثالثة صباحًا وحتى الثالثة عصرًا، مقابل يومية قدرها 140 جنيهًا، يُخصم منها 20 جنيهًا لصالح المقاول.
وأوضحت أنها تعرضت لإصابات متعددة إثر انقلاب السيارة التي كانت تستقلها أثناء انتقالها إلى العمل، مؤكدة أن الأطباء قدروا تكلفة علاج “أسنانها” بنحو 60 ألف جنيه، في الوقت الذي رفض فيه صاحب العمل صرف أي تعويض لها عن الإصابات التي لحقت بها.
وأضافت أن ظروف العمل تدفعها إلى الاستمرار رغم ما تعرضت له من إصابات، في ظل عدم وجود بديل يوفر لها ولأسرتها مصدرًا للدخل، مؤكدة أن الحصول على لقمة العيش أصبح مرتبطًا بتحمل مخاطر تهدد حياتها وسلامتها بشكل مستمر.
وقالت شاهدة أخرى إنها تعرضت لإصابة أثناء انتقالها إلى مكان العمل، وعندما طالبت صاحب العمل بالحصول على تعويض عن إصابتها، كان رده “أنا مسئول عنك داخل المزرعة فقط”، في إشارة إلى عدم اعترافه بمسئوليته عن سلامتها أثناء رحلة الانتقال من وإلى العمل.
وأكدت الشاهدة أنها مضطرة إلى مواصلة العمل رغم الإصابة، موضحة أن التوقف عن العمل يعني بالنسبة لها وأسرتها “الجوع”، في ظل غياب أي مصدر آخر للدخل أو نظام يوفر لها الحماية خلال فترة الإصابة.
وفي شهادة أخرى، قال أحد المشاركين إنه أصيب أثناء العمل داخل إحدى المزارع، ما أدى إلى فقدان إحدى عينيه وعجزه عن مواصلة العمل بصورة طبيعية، مشيرًا إلى أن صاحب العمل رفض صرف أي تعويض له رغم الإصابة وما ترتب عليها من عجز عن العمل وفقدان مصدر رزقه.
كما تحدثت شاهدة أخرى عن الظروف غير الآدمية التي يعمل فيها العمال داخل المزارع، مشيرة إلى غياب مياه الشرب الصالحة وعدم توفير دورات مياه للعاملين، فضلًا عن افتقاد بيئة العمل لأبسط مقومات السلامة والحماية.
وأكدت الشاهدة أنها عاصرت وشاهدت العديد من حوادث الطرق التي تعرض لها العمال أثناء الانتقال إلى أماكن عملهم، كما تعرضت هي شخصيًا لحادث، مشددة على أن ما يواجهه العمال لا يقتصر على مخاطر العمل نفسها، وإنما يمتد إلى رحلة الذهاب والعودة التي أصبحت جزءًا من معاناة يومية تهدد حياتهم وسلامتهم.
وكشفت الشهادات، التي استمع إليها المشاركون في الفعالية، عن أبعاد إنسانية واجتماعية لظاهرة حوادث نقل العمال، بما في ذلك تدني الأجور، والاعتماد على المقاولين، وغياب وسائل النقل الآمنة، وضعف إجراءات السلامة، فضلًا عن عدم حصول المصابين على حقوقهم في العلاج والتعويض، وهو ما يعزز المطالب بضرورة وضع منظومة متكاملة تضمن حماية العمال منذ لحظة خروجهم من منازلهم وحتى عودتهم إليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *