“الديون تقتحم البيوت”.. ندوة تكشف مخاطر توسع التمويل الاستهلاكي وتحذر من تحويل القروض إلى بديل عن الأجور والخدمات

كتب – أحمد سلامة

حذّرت ندوة اقتصادية بعنوان “الديون والحياة اليومية.. التمويل الاستهلاكي في مصر نموذجًا” من التحول المتسارع في أنماط الاقتراض داخل المجتمع المصري، مؤكدة أن توسع التمويل الاستهلاكي خلال الفترة الأخيرة لم يعد مرتبطًا فقط بشراء السلع المعمرة أو تلبية الاحتياجات الاستثنائية، بل أصبح وسيلة تلجأ إليها قطاعات واسعة من المواطنين لتغطية نفقات الحياة اليومية في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للدخول.

وشهدت الندوة، التي نظمها حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، مشاركة كل من النائب والخبير الاقتصادي محمد فؤاد، والخبيرة في الشمول المالي شيماء بديوي، والباحث العمالي والاقتصادي حسن البربري، حيث ناقش المشاركون الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية لانتشار القروض الاستهلاكية، وتأثيرها على الأسر والعاملين وأصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة.

وأكد المشاركون أن الزيادة الكبيرة في الاعتماد على التمويل الاستهلاكي لا تعكس بالضرورة تحسنًا في الأوضاع المعيشية للمواطنين، بل قد تكون مؤشرًا على اتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة، وتحول الاقتراض من أداة لتحسين مستوى الاستهلاك إلى وسيلة لتعويض نقص الدخل.

وأوضح التقرير الصادر عن الندوة أن جزءًا متزايدًا من القروض لم يعد موجهًا فقط لشراء المنتجات أو الخدمات الكمالية، وإنما أصبح يُستخدم في تغطية احتياجات أساسية مثل التعليم والعلاج والسكن والمصروفات اليومية، وهو ما يكشف عن ضغوط متزايدة على الأسر نتيجة تراجع قدرة الأجور على الوفاء بالاحتياجات الأساسية.

وأشار التقرير إلى أن توسع سوق التمويل الاستهلاكي أدى إلى ارتفاع مستويات المديونية بين الأسر، خاصة بين العاملين بأجر والفئات محدودة ومتوسطة الدخل، الأمر الذي يزيد من مخاطر التعثر في السداد واستنزاف أجزاء كبيرة من الدخول الشهرية لصالح أقساط وديون متراكمة.

كما ناقشت الندوة مشكلة ضعف الثقافة المالية لدى بعض المواطنين، والتي قد تدفع البعض إلى اتخاذ قرارات اقتراضية غير محسوبة، أو الدخول في دائرة من الديون المتتابعة دون إدراك كامل للتكلفة الحقيقية للتمويل.

وتطرق المشاركون إلى وجود تحديات تنظيمية ورقابية في سوق التمويل الاستهلاكي، خاصة فيما يتعلق بوضوح الإفصاح عن التكلفة الفعلية للقروض، وآليات التحصيل، وضرورة تعزيز حماية العملاء من أي ممارسات ضاغطة أو غير عادلة.

وأكد التقرير أن أزمة التمويل الاستهلاكي لا يمكن فصلها عن سياق اقتصادي واجتماعي أوسع، يرتبط بمستويات الأجور، وتراجع القوة الشرائية، والضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية، مشيرًا إلى أن الاقتراض قد يتحول إلى بديل عن الخدمات التي يفترض أن توفرها السياسات العامة.

وشدد المشاركون على أن التمويل الاستهلاكي ليس مشكلة في حد ذاته، فهو أداة مالية يمكن أن تكون مفيدة عند استخدامها بشكل منظم، لكنه يصبح مصدرًا للخطر عندما يتوسع في بيئة تتراجع فيها الدخول الحقيقية وتغيب الضوابط الكافية.

وخرجت الندوة بعدد من التوصيات، أبرزها إطلاق حملة مجتمعية للتوعية بمخاطر المديونية الاستهلاكية، تستهدف العمال والموظفين والشباب والأسر محدودة الدخل، بهدف نشر ثقافة التعامل المسؤول مع القروض.

كما أوصت بإعداد ورقة تشريعية لتعديل قانون التمويل الاستهلاكي بما يضمن حماية المقترضين، وتنظيم عمليات التحصيل، وحماية البيانات الشخصية، ووضع ضوابط تحد من الإقراض المفرط.

ودعت التوصيات إلى التعامل مع مديونية الأسر باعتبارها قضية اجتماعية واقتصادية عامة، وليس مجرد مشكلة فردية، وربطها بملفات الأجور والخدمات العامة والسياسات الاقتصادية.

وأكد المشاركون أهمية الدفاع عن الحق في خدمات أساسية ذات جودة، تشمل التعليم والرعاية الصحية والسكن والحماية الاجتماعية، باعتبار أن تحسين هذه الخدمات يقلل من حاجة المواطنين إلى الاقتراض لتغطية احتياجاتهم.

كما شدد التقرير على ضرورة ربط قضية الديون بسياسات الأجور من خلال رفع الحد الأدنى للأجور، وربطها بمعدلات التضخم، وتعزيز المفاوضة الجماعية، باعتبار أن تآكل الدخول الحقيقية أحد أسباب التوسع في الاقتراض.

وطالب المشاركون بتطوير بدائل اقتصادية أكثر عدالة مثل التعاونيات الاستهلاكية، وصناديق التكافل، وجمعيات الادخار والإقراض التعاونية، باعتبارها أدوات يمكن أن تقلل الاعتماد على الإقراض التجاري مرتفع التكلفة.

وفي ختام الندوة، دعا التقرير إلى فتح نقاش أوسع حول النموذج الاقتصادي نفسه، وطرح تساؤلات حول ما إذا كان الاقتراض أصبح وسيلة لتعويض تراجع دور الدولة وتآكل الأجور، ومدى إمكانية تحقيق العدالة الاجتماعية في ظل توسع الاستهلاك الممول بالديون مقابل الحاجة إلى تعزيز الاستثمار المنتج.

واعتبر التقرير أن القضية الأهم التي يجب طرحها هي أن مديونية الأسر ليست مجرد أزمة مالية فردية، بل مؤشر على اختلالات اقتصادية واجتماعية أوسع، تستوجب وضع ملفات الديون والأجور والخدمات العامة ضمن أولويات السياسات الاقتصادية والاجتماعية خلال المرحلة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *