مدحت الزاهد يكتب: الأستاذ والتلميذ
أجمل مرة سمعت فيها اسمي كانت على لسان القديس أحمد نبيل الهلالي، عندما زرته في مستشفى السلام الدولي التي لفظ فيها أنفاسه الأخيرة، وإن ظلت روحه تطوف بكل مصر ولا تغيب. عندما رآني تهلل وجهه وصاح: «مدحت».
كنت في الخارج، وفور عودتي ذهبت إلى المستشفى، وكأنه كان ينتظر هذه الزيارة، وكنت أنا أيضًا قد اشتقت إليه.
ومن حسن حظي أن الظروف قاربت بيننا؛ فقد كنت المحرر القضائي لـ«الأهالي»، ومندوب الجريدة في نقابتي الصحفيين والمحامين ونادي القضاة، وهو ثالوث ما كان يسمى بشارع الثورة في فترة مجدهم معًا. ومن هنا نشأت علاقتي بجيل العظام، وفي مقدمتهم القديس الهلالي وشيخ القضاة يحيى الرفاعي، ورموزه الكبار كالمستشارين أحمد ومحمود مكي وهشام جنينة والبسطويسي، وغيرهم من قمم رجال هذا الزمان.
وكنت قريبًا من الهلالي كمحرر نقابي في نشاطه الوافر بنقابة المحامين، وأيضًا أطوف معه المحاكم كمحرر قضائي أتابع مرافعاته في قضايا بالغة الأهمية، كإضراب سائقي قطارات السكة الحديد، وانتفاضة يناير، والتنظيم الناصري المسلح، وثورة مصر، وغيرها.
وكثيرًا ما كنا نعود سويًا، وأصحبه بسيارتي الفولكس المتواضعة إلى منزله في مدينة نصر؛ فلم يكن ابن الباشا وسليل الباشوات يملك سيارة، وكان يجوب الطرقات حاملًا حقيبة ثقيلة. وفي الطريق نتجاذب أطراف الحديث، وتنمو بيننا الصداقة وتزداد المحبة، وهو من أكثر من أحببت من البشر.
ولفت نظري جدًا أن القديس، وهو أستاذ كبير، كان أقرب إلى التلميذ عندما يتولى قضايا مهمة. فرغم كل ما كان بيننا من صداقة، كان يذهلني عندما أطلب منه موعدًا لإجراء حوار، فيعتذر ويؤجل لأسابيع لحين الانتهاء من المرافعة، لأنه يكون معتكفًا للبحث والدراسة.
كنت أستغرب: الأستاذ في حاجة إلى كل هذا الوقت للدراسة؟
ويأتيني الجواب وأنا أنصت إلى مرافعته في قاعة المحكمة، وهو يصول ويجول. ففي قضية إضراب السكة الحديد استمر يترافع لأكثر من ساعتين متصلتين، من غير حشو أو استطراد؛ ففي كل فقرة كان يقدم جديدًا.
وكان المستشار محمد أمين الرافعي، رئيس المحكمة، يستمع إليه بانتباه بالغ. وكان يمكنه رفع الجلسة واستكمال المرافعة في يوم آخر، لكنه بعد ماراثون الساعتين قرر رفع الجلسة حتى يشرب القديس كوبًا من الشاي ويتناول شيئًا من الطعام؛ فما كان يمكن تجزئة هذه المرافعة البليغة على يومين!
وكان أساس المرافعة تصديق الحكومة المصرية على العهدين الدوليين للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ونشره في الجريدة الرسمية. وقد اعتبر الهلالي وبرهن على أن هذا التصديق (الذي تم على طريقة: «إني لا أكذب ولكنني أتجمل») ينسخ كل التشريعات التي جرّمت الحق في الإضراب، وقدم بحثًا في أولوية المعاهدة الدولية، وأن ما تضمنته من دور للحكومات في تنظيم ممارسة الحق لا يعني إنكاره، وما دام لم يُقيد فهو مطلق.
وخلال هذه المرافعة اعتمد على الدراسات المقارنة في الفقه الدستوري بمصادره المختلفة. وبعد أربع ساعات من هذه المرافعة الفذة أنهى الهلالي مرافعته بطلب البراءة لسائقي القطارات، وهو ما صدر به بالفعل حكم المحكمة، بحيثيات هي نفسها التي تضمنتها مرافعة الهلالي.
بحثت عن سر هذا التناغم بين المرافعة والحكم الذي أصدرته المحكمة، وسألت المستشار محمد فهمي عبد العزيز، وكان جاريًا ورئيسًا لمحكمة جنايات الجيزة، وترافع أمامه الهلالي في قضية تمرد جنود الأمن المركزي. ورغم أنني نادرًا ما رأيت إنسانًا يكره الناصرية والشيوعية واليسار مثلما يكرهها هو، فإنه فاجأني بالرد، وأجاب بأن القاضي النزيه يشكل عقيدته تبعًا لمرافعات الدفاع والنيابة.
وأضاف أن المحامي ليس خصمًا للقاضي، بل خير معين له، وأنه من حظ القاضي أن يترافع أمامه محامٍ كالهلالي، وأن مرافعته في تمرد جنود الأمن المركزي أعانته كثيرًا في إصدار حكمه.
وفي الحقيقة، فإن أستاذية الهلالي، وكل إنسان عظيم رأيته، كانت تعود إلى تعامله مع نفسه ومع مهنته كتلميذ. وهكذا أيضًا صال القديس وجال وهو يترافع في قضية «ثورة مصر»، وتمثل مرافعته مع مرافعة الصديق سيد شعبان أهم مرافعات هذه القضية.
فعندما تتخلى عن ثوب الأستاذ وترتدي ثوب التلميذ تبدع وتتألق وتزداد بهاءً، خاصة لو كنت عفَّ اليد واللسان، موفور الكرامة، عظيم التواضع، مثلما كان القديس: أستاذًا وتلميذًا.
58m

