د. زهدي الشامي يكتب: تصريحات كامل الوزير.. مفهوم مشوه للتنمية ودعوة للسقوط في عبودية الديون
لم يكن مستغربًا أن تثير التصريحات الأخيرة لوزير النقل كامل الوزير عاصفة من الاحتجاجات تجاوزت ما أثارته تصريحاته الكثيرة السابقة، حيث إنه هذه المرة وصل به الأمر إلى التنظير والتبرير للتوسع في الاستدانة الخارجية، في وقت تشتكي فيه البلاد وتعاني من عجزها عن سداد ديونها الخارجية الضخمة. فيما عبرت تلك التصريحات عمومًا عن فكرة مشوهة تمامًا لجوهر التنمية الاقتصادية، واستخفافًا كبيرًا بمخاطر الديون الخارجية والوقوع في فخ ومصيدة وعبودية الدين الخارجي، وهو الوضع الذي أصبحنا نعاني منه بالفعل.
وقد جاءت مبرراته ودعوته هنا مبسطة وفجة تمامًا، فقد صور الأمر ببساطة على أنه بين خيارين: استدانة خارجية بفائدة لا تتجاوز 0.1% (واحد من عشرة في المئة)، واستدانة داخلية بفائدة تصل إلى 30%. فإذا لم يقترض من الخارج يكون، لا مؤاخذة، (لم يذكر الوصف) هكذا. هكذا اختزل القضية، فكم في هذا الاختزال المشوه من المغالطات؟ دعونا نرصد:
أولًا – من صرح لك بالاستدانة أصلًا، داخليًا أم خارجيًا؟ الأصل أن تنفذ الدولة المشروعات من موارد حقيقية وليس بالاقتراض عمومًا، وإذا اقترضت فلا بد أن يكون ذلك بضوابط وبأولويات تحددها مهام التنمية، وليس نفوذ كل مسؤول، وهذا فيما يرى الجميع غير حاصل.
ثانيًا – معدلات الفائدة على القروض الخارجية والداخلية التي أوردها بعيدة عن الواقع. فليس صحيحًا أنه يقترض من الخارج بفائدة واحد من عشرة في المئة إلا في حالات محدودة، ومعدلات الفائدة تتجاوز 3 إلى 7 في المئة في حالات كثيرة، وهي فائدة مرتفعة للدولار. أما الفائدة المرتفعة على الاقتراض المحلي فنتيجة سياسة الحكومة التي هو عضو فيها، بل كان نائب رئيس وزرائها، واتفاقها مع صندوق النقد، ولكنه مع ذلك لم يحصل أبدًا على قروض داخلية بالفائدة التي ذكرها على أنها 30% في المئة.
ثالثًا – عبء القرض الخارجي لا ينحصر في سعر الفائدة، بل إن من ضمن تكلفته سعر الصرف، فكلما ارتفع سعر الدولار زاد العبء بما يتجاوز أثر الفائدة، وفوق ذلك كله وقبله أن الشركات الأجنبية تلجأ لمنح القروض لتسويق منتجاتها وخدماتها التي تواجه صعوبة في المنافسة، ولا بأس من منح القرض الذي يرحب به أمثال كامل الوزير إذا كانت ستعوض ذلك من زيادات غير مبررة في تكاليف المشروع. كما أن القرض يجب سداده بالعملة الأجنبية، بينما مشروعات الوزير لا تدر عملات أجنبية.
رابعًا – وقبل ذلك كله يكون القرض خسارة كاملة إذا كان موجهًا لمشروع ليس له أولوية وليس له عائد إنتاجي ملموس، وتكون الخسارة مضاعفة إذا عجزت الدولة عن سداد أعباء الدين الخارجي كما نواجه الآن، فتلجأ لمبادلة الديون بالأصول، فتبيع ما هو منتج ورابح وضروري مقابل ما هو خاسر وفاشل وغير مطلوب.
خامسًا – بدلًا من الخاتمة. في ظل مثل تلك السياسات التي يروج لها كامل الوزير تبدو الوزارات كجزر منعزلة، كل ما يهمها الحصول على التمويل الخارجي السهل للغاية في الحصول عليه، والصعب للغاية في سداده في النهاية، بدون النظر لأثر ذلك على الوضع العام للحكومة والدولة، حيث وصلت أعباء خدمة الدين الخارجي في العام المالي 2024 – 2025 إلى 38.7 مليار دولار، ارتفاعًا من 5.1 مليار دولار فقط في عام 2015 – 2016، أي أكثر من ستمائة في المئة. وعلينا أن نستمر إما في الحصول على قروض جديدة لمجرد سداد القروض القديمة، وأيضًا تغطية عجز الموازنة، أو بيع ما تبقى لنا من مشروعات وأصول. وهذه هي بركة القروض الخارجية لكامل الوزير التي يقول عنها إنها بفائدة منخفضة.

