محمد حليم يكتب: الاقتصاد المصري بين مطرقة “الأموال الساخنة” وسندان التبعية
بمجرد أن دوت أصوات المدافع في الصراع الإيراني الأمريكي الأخير في فبراير 2026، حتى شهدنا مشهداً بات متكرراً في بنيتنا الاقتصادية: هروب جماعي لما يُعرف بـ “الأموال الساخنة”. قرابة 10 مليارات دولار تبخرت في أسابيع قليلة، حيث تراجعت استثمارات الأجانب في أدوات الدين من 38.1 مليار دولار في يناير إلى نحو 27 ملياراً بنهاية مارس، مخلفة وراءها ضغوطاً حادة دفعت الدولار لتجاوز حاجز الـ 52 جنيهاً لأول مرة تاريخياً.
هذا الارتجاف الاقتصادي ليس مجرد سوء حظ أو “أزمة عابرة”، بل هو العرض الأبرز لمرض “الانكشاف الخارجي”. نحن أمام اقتصاد تم ربطه عضوياً بمنظومة الرأسمالية العالمية، لا كشريك منتج، بل كساحة للمضاربات الدولية؛ حيث سجل تضخم السلع غير الغذائية (المستوردة في أغلبها) نحو 21.5%، ليقفز بمعدل التضخم السنوي العام إلى 15.2% بنهاية مارس 2026.
التبعية كأداة للإخضاع وتسييد الكيان
إن ما يشهده الواقع اليوم يتجاوز لغة الأرقام؛ إنه تجسيد لمخطط يهدف إلى إضعاف دول المنطقة وتفتيت قدراتها السيادية لتسييد الكيان الصهيوني كقوة مهيمنة وحيدة. فعندما ترتفع تكاليف النقل بنسبة 39.4% والمرافق بنسبة 35.3% نتيجة صدمات خارجية، يصبح قرارك السيادي مرهوناً بمدى قدرتك على استجداء السيولة الدولية لإطفاء حرائق الأسعار. هذه “الهشاشة” الدائمة هي القيد الذي يمنع الدول المركزية من اتخاذ مواقف صلبة تتصدى لمشاريع الهيمنة وتصفية القضية الفلسطينية.
فخ الديون: استنزاف السيادة باسم “الاستقرار”
تتجلى صورة التبعية في “فخ الديون” الذي أُحكمت حلقاته؛ فبينما يهلل البعض لعودة 3.1 مليار دولار من تلك الأموال في أبريل، نجد أنها ليست سوى “مسكنات” أمام جبل من الالتزامات. إن المقارنة بين حجم “الخروج المفاجئ” (10 مليارات دولار في شهر) وبين احتياطياتنا، تؤكد أننا نرهن مستقبل الأجيال لمنظومة رأسمالية تسحب بساط الاستقرار عند أول هزة سياسية تخدم مصالحها ومصالح حليفها الصهيوني. نحن نقترض بفائدة مرتفعة لإرضاء المؤسسات الدولية، ثم نستخدم هذه القروض لسداد ديون قديمة، في دائرة مفرغة تزيد من ارتهان الإرادة الوطنية.
المخرج: التنمية المستقلة والمعتمدة على الذات
إن الضرورة الوطنية والقومية تقتضي الانتقال فوراً نحو نموذج للتنمية المستقلة، يرتكز على:
1. تحطيم قيود التبعية الإنتاجية: بدلاً من “استيراد” تضخم عالمي بنسبة تجاوزت 21%، يجب توطين الخامات والسلع الوسيطة فعلياً لا صورياً.
2. فك الارتباط بالأموال الساخنة: التي أثبتت أنها “استثمارات رحالة” لا تبني وطناً، والتحول نحو اقتصاد قائم على الادخار المحلي والاستثمار الحقيقي في الحقول والمصانع.
3. الاعتماد على الذات كخيار استراتيجي: ليس كشعار رومانسي، بل كضرورة للبقاء في وجه محاولات التفتيت والإضعاف التي تستهدف تحويل دول المنطقة إلى “كانتونات” منهكة اقتصادياً لخدمة أمن الكيان.
إن معركة الاستقلال الوطني اليوم تُخاض في ميزان المدفوعات وبنية الإنتاج بقدر ما تُخاض في الميادين السياسية. وبدون اقتصاد يملك قراره ويحمي لقمة عيش مواطنيه بعيداً عن تقلبات “وول ستريت”، سنظل عرضة لابتزاز القوى التي تسعى لتمزيق المنطقة وإخضاعها.

