في ظلال التشريع.. حين يصطدم الحلم بالواقع المُر: إشكالية الفجوة بين القانون والتطبيق في مصر والقانون 73 نموذجًا

في أروقة السلطة المعاصرة، وعلى مدار السنوات الماضية، تحولت بعض القوانين إلى عبء يثقل كاهل المجتمع جراء الفجوة التي يُخلفها بين سرعة إصداره وإنفاذه وبين الآثار المترتبة عليه.
ليست الفجوة مجرد خلل إجرائي أو تقصير إداري عابر، بل هي جرح عميق ينزف في جسد المجتمع، يُحوّل النصوص البراقة إلى أدوات قمع تُفتت الأسر، تُشرد الأبناء، وتُحيل الأمان الوظيفي إلى وهم يتبخر.
في مصر اليوم، وبعد مرور سنوات على صدور بعض التشريعات الطموحة ظاهريًا، يتجلى هذا التناقض بوضوح مؤلم في قانون رقم 73 لسنة 2021، الذي وُلد تحت شعار مكافحة تعاطي المخدرات وحماية سلامة المرافق العامة، لكنه سرعان ما تحول –في كثير من الحالات– إلى آلة فصل جماعي، ومذبحة اجتماعية تُدمر حيوات الآلاف دون تمييز كافٍ بين التعاطي العرضي والإدمان المزمن، أو بين الخطأ التحليلي والانتهاك الحقيقي.
حتى مطلع عام 2026، لا يزال هذا القانون يُثير الجدل الواسع، مع تقدم مشاريع تعديل برلمانية جديدة تطالب بتعديله، في وقت تتوالى فيه الأحكام القضائية التي تُلغي قرارات إنهاء الخدمة لعيوب إجرائية أو مخالفات للضمانات القانونية، بينما يُؤجل الطعن الدستوري المقدم على مواد جوهرية من القانون (مثل 2 و3 و4 و5) إلى جلسات لاحقة في المحكمة الدستورية العليا، مما يُبقي آلاف المفصولين في حالة ترقب مؤلمة بين الأمل واليأس.
هكذا تظل الفجوة بين التشريع والتطبيق مفتوحة كجرح لا يندمل.. نصوص تُعد لتحقيق الانضباط والسلامة، لكن تطبيقها المتعسف يُنتج كارثة إنسانية واقتصادية، في بلد يعاني أصلاً من بطالة مرتفعة وأعباء معيشية ثقيلة.
القانون 73 لم يعد مجرد تشريع فني، بل رمز للصراع الأعمق بين نية الحماية ونتائج الظلم، بين الشعار البراق والواقع المُر الذي يدفع الأسر إلى الشارع ويحول العامل إلى ضحية لآلية لا ترحم.
في ندوة حاشدة نظمتها دار الخدمات النقابية والعمالية، على هامش إفطارها السنوي، اجتمعت أصوات نقابية وقانونية وبرلمانية لتسليط الضوء على هذه الفجوة المؤلمة.

  • نموذج 73.. حين يتحول القانون إلى جريمة

“القانون 73 قد تحول إلى جريمة”، هكذا تحدث كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، مشيرًا إلى أن الدار طرحت ورقة موقف تتضمن تعديلات مقترحة، بناءً على توصيات لجنة الحريات، شارك في صياغتها ممثلو الأحزاب والمجتمع المدني.. عباس الذي طالب بعودة المفصولين، بعد أن “خُربت الكثير من البيوت”، ناشد البرلمان الجديد تبني المقترحات واتخاذ موقف حازم من هذا القانون.
هنا تكمن الفجوة بكل عمقها.. القانون يُشرّع تحت شعار حماية المجتمع، لكن التطبيق يُدمّر الأسر.
رحمة رفعت، بصوت يحمل حدة التحليل القانوني، أوضحت كيف مرّ القانون 73 لسنة 2021 دون اعتراضات كافية من النقابات أو الشخصيات العامة.
“حدث ابتزاز يستند إلى فكرة قوامها أن علينا أن نقاوم المخدرات ونحافظ على المجتمع”، قالت رفعت، “ولذلك لم يقف أي شخص ضد القانون بحجة أنه ليس من المنطقي الدفاع عن شخص يتناول المخدرات”.
لكن ما نتج عنه كان “مذابح اجتماعية”، هكذا أكدت الخبيرة القانونية، مضيفة أن هناك أعداد مهولة من المفصولين، وأسر في الشارع، واحتجاجات متكررة بسبب تطبيق القانون وهو ما دفع ذلك القانون إلى الصدارة مرة أخرى، إلى جانب أحكام قضائية ألغت قرارات الإنهاء لعيوب إجرائية باطلة.
وتشير رفعت إلى دعوى مرفوعة أمام المحكمة الدستورية العليا تطعن في المواد 2 و3 و5، جوهر القانون نفسه.
“هذا القانون به عوار شديد جدًا وغير دستوري”، تؤكد رفعت، منبهةً إلى أنه يحاسب العامل على “علاقات خارج العمل” لا تؤثر على أدائه.. “إنه اعتداء صارخ على الحرية الشخصية والحقوق اللصيقة بالشخصية الإنسانية، التي نص عليها الدستور”.
وتستكمل “يعتمد القانون على التحليل الفجائي دون النظر إلى ملف العامل، ثم تحليل تكميلي من نفس العينة، ثم فصل فوري.. لقد أثبتت الممارسات فسادًا وانعدام شفافية في التحاليل، مما دفع المحاكم إلى إلغاء قرارات الفصل”.
فجوة تشريعية أخرى تشير إليها رحمة رفعت حين تلفت النظر إلى ضبابية التوصيفات: القانون لم يحدد مواصفات العينة أو كميتها أو خصائصها أو تأثيرها على القدرة على الأداء الوظيفي.
تؤكد الخبيرة القانونية أن القانون “ملئ بالتعسف”، فإذا ثبت التأثر داخل مقر العمل، يجب أن يخضع العامل للتحقيق بما يكفل له الدفاع عن نفسه، ثم إذا ثبتت إدانته يخضع للتدرج في العقوبة.. مجازاة أولى، ثم فصل إن تكرر.
وتنوه إلى أنه يجب التفريق بين “التعاطي” و”الإدمان”، فالتعاطي لا يجب أن يتداخل مع علاقات العمل ما لم يؤثر على طبيعة العمل نفسه، أما الإدمان فيجب معه أن يُعامل المدمن كمريض يحصل مع إجازة علاجية وإذا تهرب من العلاج حينها يحق فصله عن العمل.

  • قوانين أنتجت كوارث مجتمعية و”خراب بيوت”

يأتي الدكتور أحمد حسن البرعي ليطرح سؤالين جوهريين يلخصان جوهر الفجوة: هل كان القانون ملائمًا قانونيًا عند صدوره؟ وهل هو لائق اجتماعيًا واقتصاديًا في ظل أوضاع صعبة وبطالة متفاقمة؟ “فهل المطلوب زيادة البطالة؟”
ويوضح البرعي أن القانون في نظره غير صحيح، إذ يتيح السيطرة على حياة العامل خارج أوقات العمل الرسمية.
يشير البرعي إلى أن محكمة النقض ومجلس الدولة والمحكمة الدستورية ألغوا قرارات كثيرة بفصل بعض العاملين بسبب قصور القانون.. ويتساءل وزير العمل السابق “الراجل اللي هترفده مش عنده أسرة وأولاد؟ فين الحماية الاجتماعية؟”، مشيرًا إلى أن الأمان الوظيفي أصبح همًا إضافيًا يثقل كاهل العمال.
وأخيرًا يطالب البرعي بالتضامن في رفض القانون الذي قال إن له أغراضًا خفية، حسب وصفه.
أما النائب محمد أنور السادات، فيرسم صورة أوسع لأزمة التشريع المصري برمته حين يقول إن “القوانين في مصر تصدر نتيجة حدث معين”.. يستشهد السادات في ذلك بتوجيهات رئيس الجمهورية حول مخاطر استخدامات الأطفال للهواتف الذكية وهو ما استتبعه تحركات مكثفة من لجنة الاتصالات لإصدار قانون يتوافق مع تلك التوجيهات.
يؤكد السادات “عندنا مشكلة كبيرة في التشريع ويستتبعها مشكلة أعمق في التطبيق، بالإضافة إلى انعدام حُسن الصياغة وإشكالية في تفاصيل التطبيق”.
بالنسبة لقانون 73، يقول السادات إنه يجب مراعاة الحرية الشخصية: “مالك ومال الموظف لما بيترك عمله ويروح البيت”.. منوهًا بأن القانون صدر إثر حوادث متكررة لكن دون دراسة كافية، فأنتج “كوارث مجتمعية وبيوت بتتخرب”.

  • سياسة “الإصدار ثم المناقشة”!

النائب باسم كامل يصف المنهج الحكومي في التعامل مع القرارات والقوانين بـ”الإصدار ثم المناقشة” فالحكومة تصدر القرار أن تعمل على إقرار القوانين ثم تفتح الباب أمام مناقشتها بعد ظهور المشكلات.. واصفًا ذلك بأنه مبدأ راسخ في البيروقراطية المصرية وليس له علاقة بالفكر الأمني.
يؤكد باسم كامل أن هناك غياب كامل للتمثيل الحقيقي للمتضررين من مختلف الفئات من بعض القوانين التي يتم إصدارها، مضيفا “العمال والفلاحين الذين كانوا يتواجدون تحت قبة البرلمان خلال الدورات السابقة لم يكن لهم علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالعمال والفلاحين أو بمشاكلهم فقد كانوا يتناغمون تمامًا مع توجهات السلطة أيًا كان ذلك التوجه”..ويتوسع كامل في حديثه حيث يتطرق إلى سيطرة الدولة على النقابات تحولها إلى أبواق للسلطة بدلا أن تكون صوتًا حقيقيًا للمتضررين.
يشير كامل إلى أن القانون 73 مبني على “مجرد شكوك”، يدخل بعدها العامل في دوامة التقاضي لشهور أو سنوات.. ويتساءل “لماذا يحدث ذلك؟ لأن هذا هو فكر الحكومة.. هناك رغبة مؤسفة في التخلص من العمال”.
ويدعو كامل إلى إطلاق حملات توعية خاصة بالقانون 73، مشددًا على أن مكافحة المخدرات تبدأ بمكافحة الإتجار، لا “إعدام المتعاطين”..
أما النائب عاطف مغاوري، فيشرح أبعاد الأزمة مؤكدًا بالقول “إحنا عندنا قوانين يتم تشريعها كرد فعل لأحداث معينة دون فحص آثارها”.. ولدينا مجالس تُدار “بالريموت كنترول”، ووزراء يقولون “بناء على تعليمات الرئيس” لا “خطة الوزارة”.
يشكو النائب عاطف مغاوري من قيود تقديم المشاريع.. 60 توقيعًا من النواب للتقدم بمشروع تعديل قانون، و 20 توقيعا لإجراء مناقشة عامة.. مضيفًا “مفيش مشروع قانون بيتم مناقشته إلا اللي بيجي من عند الحكومة”.
يعرب مغاوري عن رفضه الشديد لـ”تفريغ المؤسسات من مضمونها” لتصبح “ديكورًا”.. مُحذرا من أن أخطاء التشريع أدت إلى تُسرب العمال من العديد من القطاعات فهناك عمال معمار يتركون المهنة ويتحولون إلى قيادة “التوكتوك” بحثًا عن لقمة عيش، وبالتالي سيكون هناك مرحلة مقبلة لن نجد فيها عمال معمار.
يرى عضو مجلس النواب أن الحكومة التي تلجأ إلى النهج العقابي الانتقامي هي حكومة فاشلة، تشبه ولي الأمر الذي يلجأ إلى “عمدة القرية” لتربية ابنه.
يستشهد مغاوري بقوانين أخرى كزواج القاصرات أو ختان الإناث، حيث يُحوّل القانون الضحية إلى “بنت سجين” ليهدر بذلك مستقبلها بدلا من حمايتها بالإضافة إلى “الوصم” الذي سيلاحقها.
ويؤكد النائب أنه تقدم بمشروع لتعديل القانون 73 خلال الفصل التشريعي الماضي، وسيعيد تقديمه مرة أخرى، مع طلب مناقشة عامة (حصل لأجله على 20 توقيعا) وطلب تعديل للقانون (حصل له على 60 توقيعا).
«مارست شكلاً من أشكال التحريض»، يقول مغاوري، ويوضح “العمال يتواصلون معي بخصوص شكاوى تتعلق بالقانون 73.. فأطلب منهم الضغط على نواب دوائرهم لأن عليهم دورًا يجب أن يمارسوه خاصة وأن بعضهم شارك في إقرار هذا القانون دون علم ودراسة كافية لمختلف أبعاده”.

  • فجوة تتكشف.. بعض القوانين سيوف تهدد بقطع الأرزاق

هكذا تتكشف الفجوة ببعض جوانبها.. القانون 73، الذي صدر في 2021 ليضمن “شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها” عبر كشوف المخدرات المفاجئة، أصبح سيفًا يقطع أرزاق الآلاف دون تمييز بين التعاطي العرضي والإدمان، بين الخطأ التحليلي والجريمة الحقيقية.
في ظل اقتصاد يئن تحت وطأة التضخم والبطالة، يزيد الفصل من أعباء المجتمع.. أسر تتفكك، أطفال يتركون المدارس، شباب يفقدون الأمل بغياب عائلهم.
المحاكم تُعيد البعض إلى وظائفهم، لكن السنوات الضائعة لا تُعوّض.. الطعن الدستوري المرفوع يُعيد الأمل، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن عوار يتمثل في اعتداء صارخ على الحقوق الشخصية، ومخالفة لمبادئ العدالة والتدرج في العقاب.
في هذا السياق، تُبرز ضرورة إعادة النظر ليس في القانون 73 فحسب، ولكن في تلك الفجوة الكبرى بين القانون وتطبيقه، وبين الغرض والأثر.. في ظل مطالبات حثيثة ومستمرة بأن يكون مجلس النواب في تشكيله الجديد ليس مجرد “ديكورًا” بل سلطة تشريعية حقيقية تمارس دورها الرقابي.
إن الفجوة بين التشريع والتطبيق ليست قدرًا محتومًا، بل نتاج سياسات رد الفعل، غياب الدراسات التأثيرية، ضعف التمثيل الشعبي، وسيطرة البيروقراطية.
قوانين أخرى شهدت مصيرًا مشابهًا: قوانين الإيجارات، قوانين الطوارئ، قوانين مكافحة الإرهاب، حيث يُشرّع الاستثناء ثم يصبح قاعدة.. في مصر، حيث يفترض أن يكون القانون حماية للجميع، يظل السؤال معلقًا.. لمن يُطبّق القانون فعلاً؟ للقوي أم على الضعيف؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *