خالد علي يكتب عن ريم ماجد ودينا عبدالرحمن وليليان داود: مذيعات على حافة الضوء والنار 

لم يكن الميكروفون يومًا قطعةً بلا روح، ولا الكاميرا عينًا محايدة؛ ففي لحظات الثورة تصبح الكلمة موقفًا، والصوت خندقًا، والصمت خيانة. 

لم يكن صوتهن يخرج من الحنجرة فقط، كان يأتي من مكانٍ أعمق… من خوفٍ تم ترويضه، ومن يقينٍ قرر ألا يختبئ. 

ريم ماجد، دينا عبد الرحمن، ليليان داود… لم يكنّ مجرد مذيعات يعبرن الشاشة، كنّ ضميرًا يتكلم حين اختنق الكلام، وشجاعةً تُبث على الهواء في زمنٍ كان فيه الهواء نفسه مُراقَبًا. 

اخترن أن ينحزن للحقيقة، لا للسلطة، للناس، لا للبيانات الرسمية، فتحْن نوافذ البرامج ليدخل منها الهتاف، والدمع، والأسئلة الممنوعة، لم يقدمن الثورة كخبرٍ عابر، بل كحياة تُنتزع، وكحق لا يُؤجَّل. 

ريم ماجد، حين تتكلم، كانت الجملة تخرج صريحةً، واضحةً، محددةً، لا لبس فيها ولا غموض، تمشي على حافة السكين. كانت تعرف أن الحقائق ليست بالضرورة أن تُقال بصوتٍ عالٍ، بل الأهم أن تُقال بثبات، وأن النبرة الصادقة أخطر من الصراخ. 

كانت ريم تعرف أن النهاية قد تكون خارج الشاشة، لكنها قالت كلمتها، فالصمت بالنسبة لها لم يكن خيارًا أخلاقيًا، كانت تدرك أن الحياد كذبة أنيقة، وأن الوقوف في المنتصف يعني غالبًا الوقوف مع الأقوى، فانحازت للحقيقة، وللضمير الإنساني… ودفعت الثمن. 

دينا عبد الرحمن، لم تكن صوتًا يُسمَع فقط، كانت مسافة صمتٍ تسبق الكلام. كأنها تعيد تهذيب اللغة قبل أن تخرج إلى الضوء، فتخرج الجملة منها مُشبَعة بالمعنى، لا تبحث عن تصفيق، ولا تخشى العواقب. كانت تعي أن الحقائق لا تُقال إلا كاملة، فاختارت ذلك الطريق الصعب، كأنها تضع قلبها على الطاولة، وتتركه هناك، شاهدًا على زمنٍ كان يُطلب من الأصوات أن تنجو… لا أن تكون أمينة. 

كلمات دينا عبد الرحمن كانت تعرف طريقها إلى القلوب، فلم تكن تقرأ الأخبار فقط، بل كانت تُنصت لها أولًا، وتترك الجملة تمرّ بالقلب قبل أن تمرّ على الهواء. وفي البرامج الحوارية كان يأتي صوتها دافئًا كاعتراف، وحادًا كسؤال لا ينام. لم تساوم على نبرة، ولم تُخفف الحقيقة كي تُرضي شاشةً أو إدارة. 

أما ليليان داود، فكانت اللبنانية العربية التي صارت أقرب، والتي قالت ما يخشاه أصحاب «البيت»، فدُفعت خارجه بلا تردد، كأن الوطن ضاق فجأة بصوت امرأة صادقة. 

كانت ليليان تسير عكس التيار بلا ضجيج، امرأة تقول «لا» بلغة هادئة تُخيف أكثر من الصراخ. قالوا لها إن الشاشة لا تحتمل هذا الصدق، فأغلقوا الضوء، وظنوا أن الصوت ينطفئ إذا خرج من الاستوديو، ولم يعلموا أن الأصوات الحرة تتعلم الطيران في العتمة. 

الثلاثة أحببن الثورة، وكانوا في ميادينها شأن الملايين، والحب الذي أقصده هنا ليس عاطفة، بل إصرارٌ هادئ على ألا نخون أصواتنا. إصرارٌ على أن نختار الصدق حتى حين يكون مُكلفًا، وأن نكتب—ونقول— كأننا سنُحاسَب أمام ضمائرنا فقط. 

دفعن الثمن غاليًا: إقصاء، تشويه، هجوم، وتحويل المهنة إلى ساحة عقاب….دفعن الثمن وهنّ واقفات، لأن السقوط الحقيقي لم يكن في فقدان المناصب، بل في فقدان الذات والضمير. فاخترن الخسارة التي تُنقذ الروح، وربحن ما لا يُوزن ولا يُقاس: أن تخرج الكلمة من القلب والعقل، وتكون عنوانًا للحقيقة، وأن يُقال يومًا إن نساءً واجهن الخوف دون أن يطلبن إذنًا من أحد. 

هؤلاء لم يخنَّ المهنة، بل أعَدْن تعريفها. أثبتن أن الإعلام ليس مرآةً للسلطة، بل سؤالًا في وجهها. وأن الثورة لا تحتاج فقط من يهتف في الشارع، بل من يحمي صوت الشارع حين يصل إلى الاستوديو. 

لم يكنّ بطلاتٍ أسطوريات، بل نساءً عاديات اخترن أن يكنّ صادقات في زمنٍ يُكافئ الزيف. وحين يُكتب تاريخ الثورة من الهامش، سيظهر صوتهن بين السطور، واضحًا، عنيدًا، كأنه يقول: هنا مرّت الحقيقة… ولم تعتذر. 

سلامٌ عليهن… على أصواتٍ اختارت أن تكون واضحةً وحقيقية، حتى لو قُمِعت، وعلى نساءٍ عرفن أن التاريخ يتذكّر من قالوا «لا» أكثرَ ممّن قرؤوا النشرات الكاذبة بسلامِ ضمير. 

شكرًا لكنّ….لأنكنّ لم تجعلْنَ الصوت مهنة، بل مسؤولية، وحين ضاق الهواء وسُدَّت النوافذ، فتحْتن للكلمة صدرًا، وللحقيقة مكانًا. 

شكرًا لأنكنّ اخترتن الوقوف حين كان الجلوس أكثر أمانًا، والوضوح أكثر كلفة، والصدق طريقًا بلا ضمانات. علّمتننا أن الإعلام ليس ما يُقال فقط، بل ما يُدفَع ثمنه. 

شكرًا لأصواتٍ لم تُهادن الخوف، ولقلوبٍ لم تطلب إذنًا كي تنحاز للناس، سيظل اسمكنّ علامةً على زمنٍ مُرتبك، ودليلًا على أن بعض الخسارات كانت في حقيقتها أجمل أشكال الانتصار. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *