محمد حليم يكتب: مسخ العجز
لديّ مشكلة قديمة مع النصوص التي أقرأ عنها ابتداءً؛ أفقد الرغبة في الاقتراب منها، وتضيع سطوة فضولي بها في غياهب قراءات الآخرين، لكن “المسخ” لم تُقرأ، بل سقطت عليّ.
لم أتوقف طويلًا عند فكرة الاغتراب، رغم أنها البوابة الأشهر للرواية، والمدخل الذي عبر منه معظم نقّادها. ما شدّني لم يكن التحول ذاته، بل ما تلاه: الانسحاب البطيء للحب، وتآكل التعاطف، والانتقال الصامت من القلق إلى الاشمئزاز، ومن الخوف إلى الرغبة في الخلاص.
مأساة البطل لم تكن في جسده الذي انقلب على صورته البشرية، بل في اللحظة التي صار فيها عبئًا، في تخلي أهله عنه، لا دفعة واحدة، بل على مراحل: نظرة نفور، تأفف مكتوم، باب يُغلق، صحن يُرمى، اشمئزازهم من شكله، من رائحته، من طريقته في الأكل، في الصمت الطويل في حضرته، في تلك الظلمة التي نهشته وحيدًا، بلا مقاومة، وبلا حتى كراهية واضحة، فقط إهمال وصمت.
أقسى ما في الرواية هو ذلك الشعور المتسلل: أن العجز لا يُغفر، وأن الحب مشروط بالقدرة على الأداء، وأن الإنسان حين يفقد نفعه، يفقد مكانه.
مشهد خروجه ليستمع إلى عزف أخته على الكمان بدا كأنه الومضة الأخيرة للروح. خرج إليها لا ليُرى، بل ليحب. خرج ليقول — دون كلمات — إن فنها ما زال يعني له الحياة، وإنها ما زالت أقرب البشر إلى قلبه. في تلك اللحظة كان ممتلئًا بحب صافٍ، بينما كانت هي ممتلئة بقرف صريح؛ لم ترَ فيه أخًا، بل عائقًا، لم تسمع فيه قلبًا، بل ضجيجًا يجب أن ينتهي.
كانت تتطلع للخلاص منه كما لو كان هو سبب بؤسها الوحيد. كأن ساعات العمل الطويلة، ولقمة العيش المغمسة في الإهانة، والعالم الذي يطحن الجميع بلا تمييز، قد اختُزل فجأة في جسد أخيها المريض. كأن الحياة ستصير محتملة، وربما جميلة، بمجرد اختفائه.
في تلك اللحظة تحديدًا، فهم أن وجوده صار المشكلة، وأن حبه لم يعد يُحتمل، وأن الحل الوحيد المتبقي هو غيابه. لم يمت لأنه تحوّل إلى حشرة، بل لأنه أدرك أن العالم من حوله قرر الاستغناء عنه. عند هذا الإدراك، توقّف الجسد عن المقاومة.
حتى موته لم يكن له شرف النهاية. خادمة غليظة أنهت المشهد ببساطة مهينة: كنس، ومجرد إلقاء في القمامة، وانتهاء الأمر. وكأن شيئًا لم يكن، وكأن الحياة يمكن أن تستقيم بإزالة الأضعف.
يصعب قراءة هذه النهاية دون أن نرى كافكا نفسه خلفها؛ كافكا الذي عاش وحيدًا، محاصرًا بالاحتقار، خائفًا من المرض والعزلة والموت الصامت. كافكا الذي أُصيب بالسل، وعاش موته ببطء: سعال، دم، حمى، ووهن لا يترك للجسد خيارًا، وربما — وهذا ما أرجّحه — قرر أن يرحل، لا أن ينتظر الرحيل.
قراره بإعدام كتاباته ليس مجرد زهد أو إحباط عابر. الكاتب يعرف أن الخلود هو تعويضه الوحيد عن الفناء. أن يطلب كافكا محو أعماله، فهذا انسحاب كامل من الوجود، إعلان هزيمة أخير أمام عالم لم يمنحه مكانًا.
في أربعين عامًا فقط، فشل تقريبًا في كل علاقاته: مع الأب، مع النساء، مع الأصدقاء. نجا واحد فقط: “ماكس برود”، الذي عصى وصيته، وأنقذ لنا كافكا من موتٍ مضاعف. بفضله نعرف اليوم هذا الفنان، ونفهم عصرًا كاملًا من خلال عينيه، ونرى لماذا كانت الثورات تندلع في كل مكان، رغم الضجيج المتواصل عن التقدم والحضارة.
ربما لو وجد بطل “المسخ” شخصًا واحدًا فقط يقرر ألا يتخلى عنه، لكان استطاع أن يكمل. ربما كان التعافي ممكنًا، أو على الأقل موت أقل إذلالًا. حتى أمه، رغم حبها، شلّها ضعفها، فصارت مجرد ظل في المأساة، ديكورًا عاجزًا عن الفعل. ربما لو واجهت، لو تحدّت، لما انتهى ابنها حشرةً تُكنس في الظلام.
قد يبدو هذا حكمًا قاسيًا على امرأة ضعيفة، لكن الحقيقة نادرًا ما تكون رحيمة في هكذا حالات.
ربما لا تُصنع المآسي الكبرى من الشر الصريح، بل من الضعف، من الصمت حين تكون الكلمة نجاة، ومن التراجع حين تكون المواجهة واجبًا. كثير من الظلم لا يحتاج جلادًا؛ يكفيه بشر طيبون، ولكن ضعفاء.
في “المسخ”، لم يمت البطل لأنه تغيّر، بل لأنه صار عبئًا. مات حين شعر أن العالم سيكون أفضل بدونه، ولهذا لا تبدو النهاية صادمة بقدر ما تبدو منطقية، باردة، مهينة.
الرواية لم تترك في داخلي حزنًا عابرًا، بل فتحت جروحًا طالما هربت منها، ومخاوف أعجز حتى عن التفكير بها: أخاف أن أصبح عبئًا، وأخاف أن يُختزل وجودي في قدرتي على العطاء، أخاف أن أُنسى كأني لم أكن.

