مصطفى كامل السيد: الحركة العمالية بحاجة إلى ذراع فكري عابر للحدود في مواجهة الشركات متعددة الجنسيات
كتب – أحمد سلامة
أكد الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ومؤسس ومدير مركز دراسات وبحوث الدول النامية، أن الحركة العمالية عبر تاريخها لم تكن مجرد حركة احتجاجية مطلبية، بل كانت دائمًا تمتلك ذراعًا ثقافيًا وفكريًا موازيًا لنضالها الميداني، وهو ما تؤكده العديد من النماذج التاريخية.
وأوضح السيد، خلال مشاركته في جلسة مناقشة تقرير حالة الحريات النقابية تحت عنوان “نضال من أجل البقاء”، ضمن فعاليات المنتدى العمالي الأول الذي نظمته دار الخدمات النقابية، السبت، بمقر نقابة الصحفيين، وبمشاركة واسعة من القيادات العمالية والنقابية، أن الدور الثقافي والفكري للحركات العمالية كان دائمًا عنصرًا أساسيًا في تطورها وقدرتها على الصمود والتأثير.
وأشار إلى أن نقابة الصحفيين لعبت تاريخيًا دورًا مهمًا في احتضان حرية التعبير في مصر، وفتح المجال أمام قوى وجماعات لا تجد منصات أخرى للتعبير عن آرائها ومواقفها، معتبرًا أن استضافة المنتدى العمالي داخل مقر النقابة يحمل دلالة سياسية ومجتمعية مهمة.
ووصف السيد القضايا التي يطرحها تقرير دار الخدمات النقابية بأنها “قضايا شديدة الأهمية”، مؤكدًا أن اختيار عنوان “نضال من أجل البقاء” يعبر بدقة عن طبيعة المرحلة التي تمر بها كل الأشكال التنظيمية العمالية والنقابية.
وفي سياق متصل، كشف السيد عن تجربته خلال مشاركته في أحد المؤتمرات بجنيف، حيث استمع إلى نقاشات حول ضرورة تطوير شكل العمل النقابي ليتجاوز الحدود الجغرافية، خاصة في ظل تنامي نفوذ الشركات العابرة للحدود. وقال: “في مواجهة هذا النشاط الاقتصادي العابر للحدود، لا بد أن تكون الحركة العمالية نفسها عابرة للحدود، وقادرة على التنسيق الدولي”.
من جانبها، استعرضت الأستاذة رحمة رفعت، ممثلة دار الخدمات النقابية، تقرير “نضال من أجل البقاء”، موضحة أن التقرير السنوي ينقسم إلى ثلاثة أجزاء رئيسية ترصد أوضاع العمال والانتهاكات المتعلقة بالحريات النقابية في مصر.
وأشارت إلى أن الجزء الأول يتناول الأوضاع العامة في البلاد، والجزء الثاني يركز على قانون العمل الجديد باعتباره الحدث الأبرز على الساحة العمالية، فيما يرصد الجزء الثالث الانتهاكات وردود الفعل العمالية خلال عام 2025.
وأوضحت أن الدار تصدر هذا التقرير سنويًا بهدف توثيق الانتهاكات وتسليط الضوء على التحديات التي تواجه العمال، في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية بالغة الصعوبة.
وقالت رحمة رفعت إن معدلات التضخم بلغت مستويات قياسية خلال السنوات الماضية، خاصة عقب تخفيض قيمة الجنيه، مشيرة إلى أن حزمة الإنقاذ المالي في 2024، التي جاءت بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، ساهمت في خفض المعدلات السنوية للتضخم، إلا أن التضخم التراكمي خلال الفترة من 2022 إلى 2024 وصل إلى نحو 118%.
وأضافت أن معظم الخبراء يرون تراجعًا نسبيًا في معدلات التضخم مقارنة بعام 2023، إلا أن حالة الركود لا تزال مسيطرة على قطاعات عديدة، مثل السلع المعمرة والأدوات الكهربائية، فضلًا عن الحديث المتزايد عن “الركود التضخمي” وتأثيره المباشر على الأسر المصرية.
وأشارت إلى أن أكثر من ثلث المصريين يعيشون تحت خط الفقر، وهو ما اعترف به رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، معتبرة أن هذا الاعتراف يمثل أول إقرار حكومي رسمي بحجم الأزمة. لكنها لفتت إلى أن نسبة 30% المعلنة لا تعكس الواقع بدقة، حيث أشار البنك الدولي في 2022 إلى أن النسبة تتجاوز 32%، قبل موجة التضخم الكبرى في 2023، مؤكدة أن التقديرات الحالية تشير إلى أن نسبة الفقراء لا تقل عن 35%.
وأوضح التقرير أن الديون تلتهم ناتج عمل المواطنين وأموال دافعي الضرائب، حيث ارتفع الدين الخارجي لمصر إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، ما أدخل البلاد في “دائرة جهنمية” من الاستدانة، يدفع ثمنها المواطنون، وعلى رأسهم العمال.
وأضافت أن نصيب الطبقات الشعبية من الناتج القومي يتآكل بصورة متزايدة، في ظل رفع دعم الوقود والكهرباء وتقليص دعم السلع الغذائية، إلى جانب تراجع الإنفاق على الصحة والتعليم عن النسب الدستورية، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة حياة المواطنين.
كما أشارت إلى أن نظام التأمين الصحي الشامل أثار تذمرًا واسعًا بين العمال بسبب ارتفاع الاشتراكات مقارنة بمستوى الخدمات المقدمة، لدرجة أن بعضهم طالب بالخروج من المنظومة.
ولفت التقرير إلى أن الضرائب تمثل عبئًا متزايدًا على العمال، رغم رفع حد الإعفاء الضريبي إلى 5 آلاف جنيه شهريًا، حيث لا تزال الاستقطاعات مرتفعة، سواء في القطاع الخاص أو الحكومي، إضافة إلى الضرائب غير المباشرة مثل ضريبة القيمة المضافة البالغة 14%.
وتطرق التقرير إلى تطورات تشريعية مؤثرة خلال 2025، أبرزها قانون الإيجارات القديمة وقانون الإجراءات الجنائية، معتبرًا أنهما يحملان آثارًا اجتماعية خطيرة، خاصة على أصحاب المعاشات والعمال محدودي الدخل. وأشار إلى أن الاعتراضات الواسعة على قانون الإجراءات الجنائية لم تلق استجابة حقيقية، رغم تدخل رئيس الجمهورية.
وفي جزئه الثاني، تناول التقرير قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، منتقدًا ما وصفه بـ”إهدار حق العمال في الأمان الوظيفي”، وغياب تدرج الأجور، وتخفيض العلاوة الدورية إلى 3% من الأجر التأميني، وعدم معالجة ظاهرة التشغيل من الباطن، إلى جانب ضعف حماية العمالة غير المنتظمة وفرض قيود على حق الإضراب.أما الجزء الثالث، فاختص برصد الانتهاكات، وعلى رأسها المساس بالأمان الوظيفي، وساعات العمل، والعطلات الرسمية، وحقوق الإجازات.

