إلهامي الميرغني يكتب: الديون وبيع الأصول ومقترحات حسن هيكل

منذ 2014 توسعت مصر في الاستدانة وفي عام 2016 وقعت الاتفاق الأول مع صندوق النقد الدولي وما تبعه من اتفاقيات لاحقة وشروط مجحفة ومراجعة تتم كل ثلاث شهور. وبلغت ديون مصر الداخلية 11.05 تريليون جنيه، والديون الخارجية 161 مليار دولار (7615.3 مليار جنيه) ليرتفع إجمالي الديون الي 18.6 تريليون جنيه وتمثل 91% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025/2026.

ويلاحظ خلال الشهور الأخيرة توسع في الاقتراض من خلال أذون الخزانة وهي الديون القصيرة الأجل التي تتراوح مدة استحقاقها ما بين 3 -12 شهر وهي الأخطر على الاقتصاد. وكما أوضحت الأستاذة سلمي حسين فإن خفض 1% من فوائد الديون يوفر 100 مليار جنيه. كما بلغت الأقساط وفوائد الديون 4382.6 مليار جنيه في موازنة 2025/2026 وهي تمثل 65% من إجمالي استخدامات الموازنة العامة.

يركز صندوق النقد في طلباته على الانسحاب الكامل للدولة من الإنتاج والخدمات والمرافق العامة وتحرير أسواق السلع والخدمات وسعر صرف الجنيه إضافة الي تخفيض مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية وكذلك بيع المشروعات والأصول المملوكة للدولة. ولذلك أنشئت مصر الصندوق السيادي بالقانون رقم 177 لسنة 2018، والمعدل بالقانون رقم 197 لسنة 2020، ثم بالقانون رقم 158 لسنة 2024. كما صدرت لائحته التنفيذية بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 555 لسنة 2019، والمعدل بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1938 لسنة 2022. وجود الصندوق حول أصول الدولة له وانشئ الصندوق عدد من الشركات المساهمة الكبرى.

وقد تم نقل ملكية عشرات المباني والأراضي في وسط القاهرة بعد الانتقال للعاصمة الإدارية للصندوق السيادي. كما أطلقت يده في بيع أراضي الدولة. المشكلة الكبرى هي وجود أصول عامة مملوكة للدولة وهذه الأصول مخصصة للمنفعة العامة ومليكتها مصونة بالدستور والقانون ولكن التحايل يتم من خلال اعتبار بعض الأصول الحكومية هي أصول مملوكة للدولة ملكية خاصة وليست ملكية عامة وبذلك يمكن نقل ملكيتها دون اعتبار ذلك مخالفة للقانون وهذا هو جوهر المشكلة.

تفاقم المديونية لتجاوز 18.6 تريليون جنيه يسبب أزمة للحكومة تسعي لتخفيضها ولكن ليس بعلاج جذري وموارد حقيقية ولكن من خلال التحايل وتغيير شكل الملكية. لذلك باعت الحكومة قبل وبعد 2014 العشرات من الشركات الكبرى المملوكة للدولة وأغلقت وصفت العديد من الشركات مثل الحديد والصلب والكوك وغيرها. وتحولت مواقع المصانع المنتجة الي ارض عقارية ومباني سكنية وابراج ورغم ذلك لم تحل مشاكل السكن.

لذلك عندما تبيع الحكومة ارض في العلمين او رأس الحكمة أو علم الروم أو رأس شقير فهي تسمي ذلك استثمار وهذه اكذوبة كبري كما أوضح المهندس منير فخري عبد النور بأنها نقل ملكية وليست استثمار، ثم تصريحات الدكتور زياد بهاء الدين في لقاء مع قناة BBC News عربي: “لا يجب أن يكون الهدف الوحيد هو تحقيق العائد المالي من بيع الأصول”، مشيرًا إلى أنه يمكن أن يكون التمويل جزءًا من الهدف، لكنه ليس الهدف الرئيسي. وبيّن أن الهدف الأهم هو أن تكون هذه العمليات محكومة بسياسات اقتصادية معينة تضمن استفادة البلاد على المدى الطويل”.

مصر باعت شركات عالية الربحية مثل أبوقير للأسمدة وموبكو للأسمدة والإسكندرية لتداول الحاويات والشرقية للدخان وفقدت المليارات من عائدات كانت تدخل للخزانة المصرية والان تذهب للمالك الخليجي الجديد وتحرم مصر من عائد مشاريعها المنتجة والناجحة.

واتجهت الحكومة الي عرض تأجير الموانئ والمطارات ثم بيع الأراضي بملايين الأمتار وبأسعار منخفضة في رأس الحكمة وغيرها. بل وحصر المباني والأراضي على كورنيش النيل لتطرح للبيع على مستثمرين عرب وأجانب ومصريين.

ثم نأتي لاقتراح حسن هيكل بنقل ملكية هيئة قناة السويس من الدولة الي البنك المركزي تمهيدا لطرحها للبيع لسداد جزء من الديون؟!!! المشكلة لها جانبين:
الجانب الأول: هل ساهم بيع راس الحكمة وعلم الروم ورأس شقير والمصانع والأراضي في تخفيض الديون ام ذهبت لسداد جزء من الفوائد والاقساط وظلت المديونية في ارتفاع؟!!!

الجانب الثاني: هو أن بعض الأصول المملوكة للدولة هي رموز لمعارك الكفاح ضد الاستعمار ومعارك التنمية مثل الحديد والصلب والكوك وغيرها من الرموز الوطنية التي تم بيعها او بيع أجزاء من ملكيتها. أما قناة السويس التي لا يعرف حسن هيكل وامثاله من رجال الأعمال قيمتها ولا تاريخها ولا وضعها في تاريخ مصر.

قناة السويس التي أممها الرئيس جمال عبد الناصر وكانت سبباً للعدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، ومنذ سنوات هناك محاولات لتدميرها سواء من خلال تحويلها لشركات تطرح في البورصة او من خلال استثمار ارض ما سمي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
قناة السويس ليست مجرد شركة او قطعة ارض نبيعها لسداد الديون ولكن الأجدر بالبحث والدراسة هو كيف نوقف نزيف الديون وكيف نسدد الديون الحالية بفوائدها وأقساطها من مصادر دخل حقيقي واضافة استثمارية تحقق قيمة مضافة وتوظيف عملة وتصدر للخارج. كيف نطور النظام الضريبي ليكون أكثر عدالة بضرائب تصاعدية وضريبة على الثروة.

لكن حسن هيكل ورجال الأعمال لا يهمهم وضع الملكية الوطنية العامة، ولا قيمتها الفعلية. وكل ما يهمهم هو إيجاد موارد مؤقته لسداد جزء من الفوائد والاقساط مع الاستمرار في الديون لتمويل المونوريل والقطار السريع وشراء أكبر نجفة وبناء اعلي برج في إفريقيا.

أراضي مصر وموانئها ومطاراتها وشركاتها العامة ليست مجرد أصول يمكن بيعها بل هي موارد اقتصادية ملك الشعب المصري سواء الجيل الحالي او الأجيال القادمة ولا يجوز التفريط فيها. ابحثوا عن علاج جذري لأزمة الديون ولا تبيعوا ما تبقي من مصر واصولها ومصادر قوتها ونفوذها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *