“بين الديمقراطية والمقاومة”| مدحت الزاهد في حوار مع #درب يرد على سؤال: كيف نواجه العدوان الخارجي دون التفريط في حقوق الشعوب؟
في لحظة عالمية شديدة الاضطراب، تتقاطع فيها الحروب، والانتفاضات الشعبية، ومحاولات الهيمنة الإمبريالية، مع أزمات الاستبداد الداخلي، يصبح من الضروري إعادة طرح الأسئلة الكبرى.. هل يمكن دعم دولة ضد العدوان الخارجي دون تبرير قمعها الداخلي؟ هل الصراع مع الإمبريالية يعلو على الصراع من أجل الحرية؟ وهل يُطلب من الشعوب أن تصمت عن جلاديها بحجة “المعركة الكبرى”؟
في هذا الحوار، يقدّم مدحت الزاهد، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، رؤية نقدية عميقة لمفهوم “الممانعة”، ويشرح فكرته عن “الموقف المزدوج”، ويعيد تفكيك المواقف من إيران وفنزويلا وسوريا، محذرًا من الخلط بين الدولة والنظام، وبين دعم الشعوب وتبرير الاستبداد، ومؤكدًا أن غياب الديمقراطية ليس تفصيلاً ثانويًا، بل هو ثغرة قاتلة في أي مشروع تحرري.
📌 بداية، كيف تنظرون إلى الحملة التي استهدفت فعاليات التضامن مع شعوب فنزويلا وإيران، وما هو تقييمك لدوافعها الحقيقية؟
من الضروري أن يبدأ أي حوار سياسي جاد بموقف واضح من الحملات التي تستهدف التضامن مع شعوب تعاني العدوان أو الحصار، مثل فنزويلا وإيران.. هذه الحملات ليست مجرد ضغوط عابرة أو انتقادات عادية، بل هي أدوات متعددة الأوجه فهي امتداد للعدوان الخارجي نفسه.. فالدعاية أو التشويش على أنشطة التضامن غالبًا ما يكون جزءًا من استراتيجية أوسع للحد من أي فعل مقاوم، من خلال تقليل الدعم الشعبي والدولي للمستهدفين.
وفي ظل ما وقع ضد فنزويلا، والاستهداف المرتقب ضد إيران تأتي هذه الحملات كتجسيد للنوايا المبيتة للإمبريالية الأمريكية والصهيونية.. حيث تسعى هذه القوى إلى إضعاف الجبهة الداخلية للمقاومة، وإثارة الشكوك حول فعالية المشاركة أو جدواها، لإحباط محاولات صمود الشعوب.
لكن علينا أن نشير إلى أن بعض الحملات ليست مدفوعة مباشرة بالعدو، لكنها قد تنشأ من إحباط داخلي، أو عدم إدراك للأثر التراكمي للمقاومة.. فهناك من ينظر إلى المقاومة على أنها مجرد “معركة لحظية”، ويقيس النتائج بمنطق الضربة القاضية، متجاهلاً أن تراكم الفعل الجماهيري والمشاركة الشعبية هو ما يصنع القوة الحقيقية على المدى الطويل.
📌 في تقديرك، كيف لعب الحصار الطويل على إيران دورًا قويًا بما أسهم في تعميق الأزمة الداخلية هناك؟
الحصار الطويل الذي تعرضت له إيران له آثار معقدة تتجاوز مجرد نقص الموارد أو الضغوط الاقتصادية.. هذه الآثار تنعكس بشكل مباشر على الأزمة الداخلية، وليس بالضرورة على وجود “عملاء” خارجيين كما يحاول البعض تصوير الأمر.. في الواقع، الحصار اصطنع مشاكل حقيقية وخلّف أزمات متعددة أبرزها تضافر الضغوط الخارجية مع السياسات الداخلية الخاطئة.. فالحصار لم يأتِ بمفرده؛ بل تضافرت ضغوطه مع سياسات حكومية انحرافية أدت إلى عسكرة المجال العام، وتعظيم سلطة ولاية الفقيه، وتعزيز النفوذ الميليشياوي للتكوينات العسكرية، مما خلق أزمة مجتمعية حقيقية.
تشابك مع ذلك تقييد الحريات وانسداد المجال العام.. وفي ظل هذه الضغوط، أصبح المجتمع الإيراني عاجزًا عن التعبير أو المشاركة الفاعلة، بينما تتزايد قدرة الأجهزة العسكرية والأمنية على السيطرة على أي نشاط شعبي.
تلك أزمة معقدة وليست مطبوعة بالعملاء فقط فالمشكلة ليست أن هناك عملاء خارجيين اخترعوا الأزمة، بل أن الحصار خلق ظروفًا صعبة واستغلّت السياسات الداخلية العيوب البنيوية للنظام، فظهر الأمر وكأن هناك “أزمة مركبة” تهدد الدولة والمجتمع في الوقت نفسه.
من هنا، يظهر أن الموقف السياسي يجب أن يكون مزدوجًا.. نحن مع إيران ضد أي غزو أو حصار أو تهديد استعماري، لكننا في الوقت نفسه ندرك أن استمرار هذه الأزمات الداخلية يجعل من الضروري موقف نقدي وبناء، يهدف إلى حماية الشعب، وتصحيح المسار، وإعادة بناء مؤسسات قوية ومجتمع قادر على الصمود.
هذا الموقف يربط بين مواجهة الضغوط الخارجية ومعالجة الأعطاب الداخلية، وهو جوهر ما نطلق عليه “الموقف المزدوج”.
📌 بالنظر إلى التجربة السورية، كيف يمكن أن نستفيد من نموذجها لفهم العلاقة بين مقاومة العدوان الخارجي والإخفاقات الداخلية، وما الدلالات الأساسية التي يقدمها هذا النموذج للحركات الثورية؟
سوريا تمثل نموذجًا مهمًا لأنها توضح بشكل صارخ ما يمكن أن يحدث عندما يُغلق المجال العام، ويُستثنى الشعب من أي دور حقيقي في القرار، مع استمرار الدعم الخارجي أو شعار “المقاومة”.
النموذج السوري يظهر أن الاستناد فقط إلى العدوان الخارجي كمبرر لتجاهل القمع الداخلي يؤدي إلى انهيار الدولة وتفكك المجتمع، ويخلق فراغًا يمكن استغلاله من قِبل عملاء أو قوى خارجية، حتى لو كان الهدف المعلن حماية الوطن.
النموذج يُظهر أيضًا أهمية الموازنة بين مقاومة الهيمنة الخارجية ومعالجة الأعطاب الداخلية فلا يمكن تحقيق صمود حقيقي أو مقاومة مستدامة بدون بناء مؤسسات قوية، مشاركة شعبية فاعلة، وضمان حد أدنى من الحريات، حتى في سياق مواجهة تهديدات وجودية.
📌 كيف ترى النقاشات السائدة حول طبيعة الأنظمة الحاكمة في بعض الدول مثل إيران وفنزويلا؟
الحقيقة أنني كنت تابعت عدة نقاشات دارت حول طبيعة الأنظمة باهتمام شديد، ووجدت في كثير منها مستوىً عاليًا من الجدية والتعمق، سواء في تناول الوضع الإيراني أو الفنزويلي أو في مناقشة فكرة “التناقضات”.
ولقد شعرت لاحقًا أن بعض الأفكار المطروحة تحتاج إلى توضيح، ليس لأنها خاطئة بالضرورة، بل لأنها قد تُفهم بطريقة تقود إلى استنتاجات سياسية خطيرة إذا لم تُضبط نظريًا.
أنا لا أتدخل بدافع الجدل، بل بدافع الحرص على وضوح الموقف الفكري والسياسي، لأن الغموض في هذه القضايا لا يبقى نظريًا، بل يتحول سريعًا إلى مواقف عملية تمس تحالفاتنا وخطابنا وعلاقتنا بالجماهير.
في القراءة الأولى للنقاشات، شعرت وكأن بعض الطروحات تقلل من خطورة العدوان الخارجي، أو على الأقل لا تمنحه الأولوية التي يستحقها في هذا الظرف التاريخي.
لكن عندما أعدت القراءة بهدوء، تبيّن لي أن الأمر ليس كذلك.. لم يكن هناك إنكار لخطر الإمبريالية أو الصهيونية، وإنما كان هناك اختلاف في كيفية توصيف طبيعة الأنظمة المعنية، وفي كيفية التعامل مع تناقضاتها.
وهنا تحديدًا تقع الإشكالية.. نحن لا نتعامل مع أنظمة بيضاء أو سوداء.. نحن أمام أنظمة لها طبيعة مزدوجة.. قد تكون في خندق الصراع مع الإمبريالية، لكنها في الوقت نفسه تمارس القمع، وتغلق المجال العام، وتقمع شعوبها.. وهذا التناقض لا يمكن القفز عليه أو تسويته بخطاب تبسيطي.
📌 استخدمتَ تعبير “الطبيعة المزدوجة”، فماذا تقصد به؟
عندما نتحدث عن أنظمة تدخل في صراع ممع الإمبريالية، فنحن لا نمنحها شهادة حسن سلوك، ولا نُسقط عليها صفات تقدمية تلقائيًا.. الصراع الموضوعي قد يكون نتاج موقع جغرافي حساس، أو امتلاك موارد استراتيجية كالنفظ والغاز، أو محاولة الحفاظ على قدر من الاستقلال في القرار الوطني، أو حتى نتيجة عداء تاريخي مع إسرائيل.. هذه العوامل قد تضع النظام، شاء أم أبى، في مسار تصادمي مع القوى الإمبريالية، بغضّ النظر عن طبيعته الداخلية.
لكن الخطأ الجسيم يبدأ حين يتم الخلط بين التموضع الخارجي والطبيعة الداخلية للنظام، فالنظام قد يكون في حالة صدام مع الإمبريالية، وفي الوقت نفسه نظامًا مغلقًا، يحتكر السياسة، ويصادر الحريات، ويُقصي الجماهير من المشاركة الفعلية في صنع القرار، بل إن بعض هذه الأنظمة لا ترى في شعبها شريكًا، وإنما عبئًا يجب ضبطه والسيطرة عليه.
وهنا يتجلى التناقض الجوهري.. كيف يمكن لنظام يطلب من شعبه الصمود في وجه عدوان خارجي، أن يحرمه في الوقت نفسه من أبسط حقوقه السياسية؟ كيف يُطلب من الجماهير أن تتحمل كلفة المواجهة، بينما تُمنع من مساءلة السلطة أو التأثير في مسارها؟
هذا التناقض ليس مسألة أخلاقية أو حقوقية فحسب، بل هو تناقض سياسي واستراتيجي من الدرجة الأولى، لأن الصراع مع الإمبريالية لا يُحسم فقط في ساحات القتال أو في ميزان القوة العسكرية، بل يُحسم في عمق المجتمع، في درجة التماسك الاجتماعي، وفي مقدار الثقة المتبادلة بين الشعب والسلطة.
الجبهة الداخلية ليست شعارًا يُرفع وقت الأزمات، بل هي علاقة سياسية واجتماعية تُبنى عبر الزمن.. لا يمكن بناء جبهة داخلية صلبة فوق أرضية من الخوف، أو الإقصاء، أو القمع.. قد يفرض الاستبداد صمتًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع إجماعًا، وقد ينتج انضباطًا قسريًا، لكنه لا ينتج التزامًا واعيًا.
الشعب الذي يشعر بأن الدولة دولته، وأن القرار الوطني يُصاغ بمشاركته أو على الأقل باحترام إرادته، يكون أكثر استعدادًا للدفاع عنها، وأكثر قدرة على تحمّل تبعات الصراع الطويل.. أما الشعب الذي يُعامل ككتلة صامتة أو كخصم محتمل، فإنه يتحول، في أحسن الأحوال، إلى متفرج، وفي أسوأ الأحوال، إلى أرض قابلة للاختراق.
ومن هنا فإن الاستبداد لا يكون مجرد “عيب داخلي” يمكن تأجيله إلى ما بعد الانتصار، بل يتحول إلى نقطة ضعف بنيوية تُغري الخصوم وتُسهّل مهمتهم، الإمبريالية لا تنتصر فقط بقوتها، بل أيضًا باستغلال شروخ الداخل، وبالرهان على سخط الجماهير، وباللعب على تناقضات لم تُحل.
لهذا نقول إن التناقض بين عداء الإمبريالية وقمع الجماهير ليس تفصيلًا يمكن تجاوزه، بل هو جوهر المسألة.. إما أن تُخاض معركة الاستقلال الوطني بالشعب ولأجله، أو تتحول إلى معركة نخبوية معزولة، مهما رفعت من شعارات، تظل مهددة بالانكسار.
أقول باختصار إنه لا يمكن فصل التحرر الوطني عن التحرر السياسي، ولا يمكن بناء مقاومة حقيقية على أرضية من القمع، ومن يتجاهل هذه الحقيقة، لا يضعف فقط قضية الديمقراطية، بل يضعف أيضًا معركة مواجهة الإمبريالية نفسها.
📌 من هنا طرحتَ فكرة “الموقف المزدوج”.. هل يمكن أن تشرحها أكثر؟
الموقف المزدوج يعني أننا لا نتبنى رؤية أحادية.. نحن لا نقول “بما أن هذا النظام يعادي الإمبريالية، إذن هو نظام تقدمي بالكامل” ولا نقول أيضًا “بما أنه يقمع شعبه، إذن لا شأن لنا به إذا تعرّض للعدوان”.
نحن نواجه تناقضين في آن واحد تناقض مع العدوان الإمبريالي والصهيوني، وتناقض مع الاستبداد الداخلي.
لا يجوز أن نمحو أحدهما لصالح الآخر.. الذي يتجاهل الاستبداد بحجة “المعركة الكبرى” يرتكب خطأً فادحًا، والذي يتجاهل العدوان الخارجي بحجة الديمقراطية يرتكب خطأً لا يقل فداحة.
السياسة الثورية ليست سياسة الكسالى، بل هي إدارة معقدة للتناقضات.
📌 لكن هناك من يقول إن التناقض مع الجماهير يمكن اعتباره ثانويًا في لحظات الخطر الوجودي.. لماذا ترفض هذا الطرح؟
هذا الطرح، الذي يقول إن علينا أن نؤجل مطالب الحرية والديمقراطية حتى ننتصر في المعركة الكبرى، ليس جديدًا.. هو طرح قديم، تكرّر في تجارب كثيرة، من حركات تحرر وطني، ومن أنظمة رفعت شعارات الاستقلال والمقاومة، لكنه في كل مرة تقريبًا انتهى إلى النتيجة نفسها.. هزيمة مركبة، خارجية وداخلية في آن واحد.
الهزيمة الخارجية تحدث لأن هذه الأنظمة، مع الوقت، تفقد قدرتها على التعبئة الحقيقية.. قد تمتلك أجهزة قمع قوية، وقد تفرض الانضباط بالقوة، لكنها لا تمتلك ما هو أهم ألا وهو الاستعداد الشعبي الطوعي للتضحية.. فهناك فارق شاسع بين شعب يقاتل لأنه مقتنع، وشعب يُدفع إلى القتال لأنه مُجبر.
أما الهزيمة الداخلية، فهي أكثر خطورة وأطول أثرًا.. لأن تأجيل الديمقراطية لا يكون مؤقتًا أبدًا.. كل نظام يقول “ليس الآن” يقصد في الحقيقة “ليس أبدًا”.. ومع الوقت، تتحول حالة الطوارئ إلى قاعدة، وتتحول الضرورة إلى ذريعة، وتتحول الدولة إلى جهاز أمني، ويتحول المواطن إلى مشتبه به.
وهنا نصل إلى لُب المشكلة.. التناقض مع الجماهير ليس تفصيلاً، ولا يمكن اعتباره تناقضًا ثانويًا، لأن الجماهير ليست مجرد عنصر من عناصر المعركة، بل هي المعركة ذاتها.
الجيوش قد تحارب، لكن الشعوب هي التي تصمد.. الدبلوماسية قد تناور، لكن الشعوب هي التي تتحمل الكلفة.. القيادات قد تخطئ أو تصيب، لكن الشعوب هي التي تدفع الثمن.
وحين يتم تهميش هذه الجماهير، أو إخضاعها بالقوة، أو منعها من التنظيم والتعبير، فإننا لا نضعفها فقط، بل نضعف الدولة نفسها.. لأن الدولة ليست مجرد مؤسسات، بل علاقة ثقة بين السلطة والمجتمع، وحين تنهار هذه الثقة، تتحول الدولة إلى قشرة، وإلى كيان هش، مهما بدا صلبًا من الخارج.
الوحدة القسرية ليست وحدة، والصمت المفروض ليس إجماعًا.. الوحدة الحقيقية تُبنى، لا تُفرض.. والإجماع الحقيقي يُقنع، لا يُملى.
الدولة التي تخشى شعبها أكثر مما تخشى العدو الخارجي، هي دولة مهزومة سلفًا، لأنها في هذه الحالة تحوّل مواردها من مواجهة الخطر الحقيقي إلى مراقبة مجتمعها، تحوّل أمنها من حماية الحدود إلى ملاحقة المواطنين، وتحوّل خطابها من تعبئة الناس إلى تخويفهم.. وهذا في حد ذاته شكل من أشكال الهزيمة، حتى لو لم تُعلن.
📌 في بيان حزب التحالف حول أزمة فنزويلا كنموذج.. ما الذي أردتُم التأكيد عليه من خلاله؟
بياننا كان واضحًا جدًا في إدانة العدوان الأمريكي، إلى حد المطالبة بمحاكمة ترامب كمجرم حرب.. هذا موقف جذري لا لبس فيه، لكننا في الوقت نفسه أصررنا على التأكيد أن الضمانة الحقيقية لصمود أي دولة ليست في تسليحها فقط، بل في نظامها السياسي.
قلنا بوضوح.. لا صمود بلا ديمقراطية، ولا مقاومة حقيقية دون مشاركة شعبية، هذه ليست جملة تجميلية، بل جوهر الفكرة.
📌 أخيرًا، كيف تنظر إلى تفاوت قدرات الدول في مواجهة التحديات الدولية؟
في تحليلات السياسة العالمية، غالبًا ما يُنظر إلى “الشمال” و”الجنوب” على أنهما محوران جغرافيان فقط، لكن الواقع الاستراتيجي يظهر أن الفارق بينهما يمتد إلى طبيعة المقاومة وقدرة الشعوب على الحفاظ على مكاسبها.
خلال العقود الأخيرة، تحولت معظم دول الجنوب إلى وكلاء كمبرادوريين تابعين ومستبدين، حيث أصبحت حكوماتها أكثر ارتباطًا بمصالح القوى الإمبريالية الخارجية من ارتباطها بمصالح شعوبها.. هذه الدول، رغم امتلاكها موارد كبيرة أو مواقع استراتيجية، فقدت استقلال القرار، وغالبًا ما استُخدمت كأدوات للحفاظ على الهيمنة الاقتصادية والسياسية من خلال تبعية مباشرة، مما قلّص فرص بناء مقاومة شعبية حقيقية.
وعلى الجانب الآخر، واصل نموذج الشمال، رغم كونه مركزًا للإمبريالية المتوحشة، مساره التطوري في بناء مؤسسات قوية وحركات شعبية ناشطة.. هذا النموذج، على الرغم من التعرض لضغوط اقتصادية وسياسية هائلة، تمكنت شعوبه من الحفاظ على مكاسبها في مجال الحريات، وتعزيز قدرة حركات التضامن مع الشعوب المضطهدة على تطوير شبكات دعم متينة وفعالة.
ومن هنا تظهر دلالة مهمة.. قدرة الشعوب على الصمود والمقاومة ليست مرتبطة فقط بقوة الدولة العسكرية أو الموارد الاقتصادية، بل بمدى قدرتها على الحفاظ على حرية التعبير، والتنظيم المدني، والمشاركة الشعبية الفاعلة.. وهذا ما يجعل مركز المقاومة الفعلي في الشمال أكثر قدرة على الصمود وإحداث تأثير عالمي ملموس، مقارنةً بدول الجنوب التي تحولت غالبًا إلى أدوات خارجية مستهلكة.
ومن نافلة القول، نؤكد أن “الشمال” و”الجنوب” ليسا مجرد مواقع جغرافية، بل يمثلان نماذج متباينة في القدرة على مواجهة الهيمنة الخارجية.. الشمال، رغم إمبرياليته، يظل مركزًا لمقاومة متماسكة، بينما الجنوب يواجه أزمة جوهرية في الاستقلال الاستراتيجي والمشاركة الشعبية.
وبالتالي، أي استراتيجية مواجهة عالمية يجب أن تضع في اعتبارها هذا الفرق، وأن تبني أدوات دعم على قدرة المجتمعات على الاحتفاظ بمكاسبها، لا على مجرد تبعيتها أو صمتها.

