يحيى الجعفري يكتب: هكذا عرفتُ الثائرة الإنسانة وحكاية “الكديسة”
تحل علينا ذكرى شيماء الصباغ، وربما أجد نفسي ملزما بكتابة هذا المقال كل عام ليس فقط لكي أنعي الشهيدة و أذكر الناس بعظمة رحيلها ولكن أيضا لأحفظ لنفسي جزءا من الاحترام فقد رحلت الصديقة التي زاملتها في كيانات متعددة ثم دخلنا حزبا واحدا وخرجنا في مسيرة واحدة وللأسف رحلت هي وبقينا نحن في محنة بعدها.
فمن هي تلك الأيقونة التي لم تكن مجرد عابرة في تاريخ النضال المصري، بل كانت تجسيداً حياً لمعادلة صعبة: كيف تكون ثائراً صلباً وإنساناً شديد الرقة في آن واحد؟ من هي “الكديسة” كما وصفها الأديب الكبير حجاج أدول، التي رحلت وتركت خلفها إرثاً من الوعي يرفض النسيان.
– شيماء الصباغ الإنسانة: فلسفة البساطة و”خفة الروح”
بعيداً عن الحزن الذي لا يصفه كلام رغم مرور سنوات على رحيلها، تبرز شخصية شيماء الإنسانة كنموذج للزهد المبتكر. كانت شيماء من أكثر الشخصيات التي تعيش حياتها بـ “خفة” حقيقية؛ الخفة التي تعني ألا تثقل على أحد، وأن تبادر دائماً بتخفيف الهموم عن المحيطين بها.
ابتكار البساطة في تفاصيل الحياة
لم يكن الزهد عند شيماء مجرد شعار، بل كان أسلوب حياة:
* الاقتصاد الذكي: كانت تبتكر طرقاً للتوفير لا تخلو من تمرد، مثل قص شعرها “جرسون” عند حلاق رجالي هرباً من تكاليف الكوافير المبالغ فيها.
* الجمال الفطري: كانت المساحيق والتكلف خارج حساباتها تماماً، مؤمنة بأن الصدق هو أرقى أنواع التجميل.
* بئر الأسرار: كانت الملاذ الآمن لأصدقائها، تستمع للجميع بقلب مفتوح وضحكة لا تغيب حتى في أحلك اللحظات.
عندما قررت شيماء التعمق في الفنون، لم تذهب للأبراج العاجية، بل درست الفنون الشعبية لتقترب أكثر من وجدان الشعب. تعلمت فن “العدودة والنياحة” لتفهم فلسفة الحزن المصري القديم، ولخصت رؤيتها في ديوانها الشهير، وفي مقولتها التي رددها الكثيرون: “دوب حزنك جوه الشاي”.
شيماء الثائرة: وعي عمالي ونضال يتجاوز الشعارات
انتقالاً إلى شيماء الصباغ الثائرة، نجد شخصية تتمتع بوضوح فكري نادر. لم تكن مجرد مشاركة في المسيرات، بل كانت “مثقفة مشتبكة” ترى في الثقافة المحرك الأساسي لأي نشاط سياسي أو جماهيري.
– الثقافة كبوابة للعمل العمالي
تميزت شيماء بأنها لم تكن يوماً ذلك “المتظاهر المندفع” بلا وعي، ولا “المثقف المنعزل” على المقاهي. كان نشاطها في مجال العمل العمالي والجماهيري مبنياً على رؤية ثاقبة:
* المبدأ فوق الموقف: كانت شرسة في الدفاع عن ثوابتها، لكنها تملك مرونة مذهلة في قبول الاختلاف السياسي ما دام المبدأ سليماً.
* بناء الوعي اليومي: كانت تؤمن أن الثورة الحقيقية ليست في تظاهرة تستمر لدقائق، بل في “التعليم اليومي” للبسطاء والعمال، وهو ما يضمن استدامة الحراك الشعبي.
النسوية بمنظور شيماء الصباغ
قدمت شيماء نموذجاً متفرداً في العمل النسوي التقدمي. كانت ترى أن المساواة الجندرية يجب أن تنبع من قلب المجتمع، بالتركيز على رفع وعي النساء في المناطق الشعبية والبسيطة، بدلاً من حصر النشاط في صالونات المثقفين المغلقة.
الوردة التي واجهت الخرطوش
أخيرا ، تبقى شيماء الصباغ التي قابلوا وردها بالرصاص الحي، رمزاً للنقاء الثوري. إن ذكراها اليوم هي تذكير بأن العمل من أجل البسطاء هو الطريق الوحيد المتبقي للاستمرار.
*إلى شيماء لم تكوني أبدًا مجرد رقم في سلسال شهداء طاهر فحسب، بل كنت حكاية وطن لخصته في وردة وقصيدة في مواجهة القمع والرصاص عظم شهيدك فهو يستحق*

