يحيى الجعفري يكتب: سند المواطن أم فخ السيولة؟ قراءة في فلسفة الاستدانة وتراجع الدور الإنتاجي للدولة

لجأت الحكومة المصرية مؤخراً إلى طرح ما يُعرف بـ “سند المواطن” في محاولة بائسة لابتداع قنوات رأت أنها غير تقليدية لتمويل العجز وتوسيع قاعدة الاستدانة المحلية، عبر مكاتب البريد، مستهدفةً جذب مدخرات الفئات البسيطة لمدد تصل إلى عام ونصف مقابل عوائد مرتفعة. ورغم أن ظاهر الخطوة يبدو كخدمة استثمارية، إلا أنها في العمق تمثل تحولاً نحو الاقتراض المباشر من جيوب الكادحين لسد فجوات الموازنة، ولربما يرى البعض من غير العالمين بطبائع الأمور أن هذا الأمر تقوم به كبريات الدول ولا أزمة فيه ضاربين المثل باذون الخزانة الأمريكية، ولكن الأمر يختلف هنا اختلاف كبيرا.
أصول الخزانة بين واشنطن والقاهرة: استثمار في السيادة أم استهلاك للحاضر؟
يكمن الفارق الجوهري بين أصول الخزانة الأمريكية والمحلية في “فلسفة الدين” والوظيفة التي يؤديها في الدورة الاقتصادية؛ فالولايات المتحدة حين تصدر سنداتها، فهي تطرح “الملاذ الآمن الأول” في العالم بأسعار فائدة زهيدة، مستندة إلى عملة دولية مهيمنة وإنتاجية جبارة، حيث تتحول هذه الديون إلى استثمارات استراتيجية في الابتكار التكنولوجي والقوة العسكرية التي تحمي مصالحها، مما يجعل دينها “وقوداً” لنمو يصب في مصلحتها السيادية.
أما في الحالة المصرية، فإن هذه الأدوات تتحول إلى “ثقب أسود” يستنزف الموارد بدلاً من بنائها؛ إذ تضطر الدولة لتقديم عوائد فلكية تلتهم وحدها أكثر من 60% من مصروفات الموازنة العامة لسداد الفوائد فقط. هذا التباين الصارخ يضع الدولة في مأزق “تدوير الديون” (Borrowing from Peter to pay Paul)، حيث يتم الاقتراض بكلفة باهظة لسداد التزامات قديمة، بدلاً من توجيه تلك المليارات لبناء مصانع قطاع عام أو أصول إنتاجية تدر عائداً حقيقياً. وبينما تظل السندات الأمريكية “أصولاً منتجة” تدعم الاستقرار العالمي، تتحول السندات المحلية إلى “خصوم ثقيلة” تلتهم فائض القيمة الذي ينتجه المجتمع، وتصادر حق الأجيال القادمة عبر رهن الموازنة لسنوات طويلة لصالح سداد ديون لا تنتهي.
كرة الثلج الرقمية: من التمويل التنموي إلى الانفجار الائتماني
هذا التضخم في الدين، الذي قفز من 1.7 تريليون جنيه في 2013 ليتخطى حاجز الـ 12 تريليون جنيه بحلول 2026، يعكس خللاً مبينا؛ فالدولة بدلاً من أن تكون “المنتج الأول”، أصبحت “المقترض الأول”. وبدلاً من توجيه مدخرات المواطنين نحو مشروعات القطاع العام الإنتاجية التي تخلق فرص عمل حقيقية وتوفر السلع بأسعار عادلة، باعت مشاريعها بخسا وسحبت قروضا فوق أثمان هذه السيولة التي حصلت عليها من البيع لتمويل عجز الموازنة، مما حول مدخرات الشعب إلى مجرد أرقام في دفاتر الديون بدلاً من أصول إنتاجية ملموسة.
بيروت مثال حي على اقتصاد ميت: دروس من سقوط الهندسات المالية الوهمية
وإذا أردنا فحص مآلات هذا الاعتماد المفرط على “الهندسات المالية”، فإن النموذج اللبناني يبرز كتحذير تاريخي؛ حيث استنزفت الدولة مدخرات مواطنيها لسداد ديونها دون بناء قاعدة إنتاجية تحمي الاقتصاد، لينتهي الأمر بانهيار القطاع المصرفي وتبخر ثروات المودعين.
استعادة السيادة الإنتاجية: المصنع لا السند هو طوق النجاة
إن الخروج من هذا النفق لا يمر عبر الاستمرار في الاقتراض الممنهج، بل عبر استعادة الدولة لدورها التاريخي في قيادة الاقتصاد. فالطريق الحقيقي للإصلاح يكمن في توظيف مدخرات الشعب لإطلاق مشروعات إنتاجية ضخمة تحت إدارة الدولة والقطاع العام، بحيث تكون قادرة على تحقيق نفع مباشر وسريع عبر زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج. إن الهدف يجب أن ينتقل من “كيف نقترض لسداد العجز؟” إلى “كيف نستثمر لنحقق الاكتفاء؟”، فالدول القوية لا تُبنى بجمع الفوائد، بل ببناء المصانع والمزارع التي تملكها الأمة وتعود أرباحها مباشرة إلى ميزانية التعليم والصحة وحماية المواطن، وبغير ذلك سيظل “سند المواطن” مجرد مسكن مؤقت يستنزف الموارد بدلاً من تنميتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *