من فاتورة الغذاء إلى فاتورة العلاج: كيف قاد ضغط المعيشة وغياب العدالة في الضرائب والدعم والخدمات إلى لحظة 25 يناير
درب
قبل ثورة 25 يناير لم يكن سؤال العدالة الاجتماعية مطروحاً فقط بوصفه مطلبا أخلاقيا أو سياسياً وإنما كان حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية للملايين ممن وجدوا أنفسهم محاصرين بارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الدخول وخلل منظومة الدعم وتراجع جودة الخدمات العامة وفي هذا السياق يصبح النقاش حول الضرائب والدعم والتعليم والصحة جزءا أساسيا من فهم الخلفية الاجتماعية والاقتصادية التي سبقت الثورة وأسهمت في انفجارها.
و هنا تطرح أسئلة مترابطة كيف كان النظام الضريبي غير عادل وكيف كانت الأسر تواجه ارتفاع أسعار السلع الأساسية وماعلاقة الدعم بالعدالة الاقتصادية كيف أثرت السياسات الاقتصادية على قدرة الشباب على تأسيس حياة مستقرة وكيف انعكس وضع التعليم والصحة على الفئات الأكثر هشاشة وذلك كله في ضوء بيانات رسمية تعكس واقع ما قبل الثورة.
تكاليف المعيشة وضغط الإنفاق اليومي على الأسر قبل الثورة
توضح بيانات بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك 2010- 2011 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن بنية إنفاق الأسرة المصرية قبل الثورة كانت تكشف عن واقع معيشي شديد الضغط يقوم على توجيه أغلب الدخل لتأمين الاحتياجات الأساسية
هيكل إنفاق الأسرة المصرية قبل ثورة 25 يناير
بند الإنفاق النسبة من إجمالي الإنفاق بالمئة
الغذاء والمشروبات 40.0
السكن ومستلزماته 18.0
الخدمات الصحية 8.1
التعليم 3.9
النقل والمواصلات 6.2
الملابس والأحذية 5.0
بنود أخرى 18.8
(المصدر بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك 2010 – 2011 الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء)
يبين هذا الجدول أن ما يقرب من نصف إنفاق الأسرة كان يذهب للغذاء وحده وأن السكن يستحوذ على ما يقرب من خُمس الدخل بينما جاءت الصحة والتعليم في مراتب متأخرة وهو ما يعكس أن الجزء الأكبر من دخل الأسر كان يستهلك في تأمين البقاء وليس في تحسين جودة الحياة أو الاستثمار في المستقبل ويزداد هذا المعنى وضوحا عند النظر إلى العلاقة بين متوسط الدخل ومتوسط الإنفاق السنوي
متوسط الدخل مقابل متوسط الإنفاق السنوي للأسرة قبل الثورة
البيان القيمة بالجنيه سنويا
متوسط الدخل السنوي للأسرة 25000
متوسط الإنفاق السنوي للأسرة 22000
الفارق المتاح للادخار تقريبا 3000
تشير هذه الأرقام إلى أن هامش الأمان الاقتصادي كان ضعيفاً وأن أغلب الأسر كانت تعيش قريبة من حدود الكفاف بما يجعل أي ارتفاع في الأسعار أو أزمة صحية أو فقدان عمل كفيلاً بدفعها إلى أوضاع أكثر هشاشة ويتعزز البعد الاجتماعي لسؤال العدالة عند مقارنة أوضاع الفئات المختلفة
مقارنة متوسط الإنفاق السنوي بين الشرائح الاجتماعية قبل الثورة
الشريحة الاجتماعية متوسط الإنفاق السنوي بالجنيه
أفقر 20 في المئة من الأسر 14000
أغنى 20 في المئة من الأسر 31500
توضح هذه المقارنة فجوة واضحة في مستوى المعيشة حيث يزيد إنفاق الشريحة الأغنى بأكثر من الضعف مقارنة بالشريحة الأفقر وهو ما يعكس اختلافا جذريا في فرص الحياة نفسها وفي القدرة على الوصول إلى الغذاء الجيد والسكن اللائق والتعليم والعلاج
في هذا الواقع كان أي خلل في سياسات الدعم أو ارتفاع في أسعار السلع الأساسية يتحول مباشرة إلى عبء اجتماعي واسع النطاق وهو ما يضع سؤال الدعم في قلب معادلة العدالة الاجتماعية
الدعم والسلع الأساسية بين الحماية والخلل الهيكلي
قبل الثورة كان هيكل الدعم في الموازنة العامة يميل إلى التركيز على دعم الطاقة والمواد البترولية أكثر من تركيزه على دعم الغذاء والخدمات الاجتماعية وهو ما جعل استفادة الطبقات الأعلى دخلا من الدعم أكبر من استفادة الفئات الفقيرة التي يفترض أن يكون الدعم موجها لها
وفقا لبيانات وزارة المالية قبل 2011 كان دعم المنتجات البترولية يمثل النسبة الأكبر من إجمالي الدعم بينما كان دعم الغذاء محدودا نسبيا قياسا بحجم الاعتماد الفعلي للأسر الفقيرة عليه وهو ما خلق مفارقة تتمثل في أن جزءا كبيرا من الموارد العامة كان يذهب إلى أنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة أكثر من ذهابه إلى حماية الأمن الغذائي والمعيشي للفئات الأضعف
في ظل هذا الهيكل لم تكن سياسات الدعم قادرة على امتصاص صدمات الأسعار ولا على تخفيف العبء عن ميزانيات الأسر وهو ما جعل العدالة الاجتماعية في توزيع الموارد العامة موضع تساؤل دائم.
الضرائب والعدالة الاجتماعية قبل الثورة
ارتبط سؤال العدالة الضريبية قبل الثورة بضعف التصاعدية في النظام الضريبي وبالاعتماد الكبير على الضرائب غير المباشرة التي يتحمل عبئها المستهلك النهائي بغض النظر عن مستوى دخله وهو ما يعني أن الفقير والغني كانا يدفعان نفس النسبة عند شراء السلع والخدمات الأساسية هذا النمط الضريبي أدى إلى تحميل الفئات محدودة الدخل عبئا أكبر نسبيا مقارنة بقدرتها الاقتصادية في حين لم يكن النظام الضريبي أداة فعالة لإعادة توزيع الدخل أو تمويل توسع حقيقي في الخدمات العامة وهو ما أضعف قدرة الدولة على لعب دور اجتماعي عادل ومتوازن
الشباب والاستقرار الاقتصادي المفقود
في ظل هذا السياق الاقتصادي والاجتماعي واجه الشباب صعوبة متزايدة في تأسيس حياة مستقرة بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة مقارنة بالأجور وضعف فرص العمل اللائق وارتفاع تكاليف السكن والخدمات وهو ما جعل الانتقال إلى الاستقلال الاقتصادي مساراً طويلاًً ومليئا بعدم اليقين لم يكن هذا الوضع مرتبطا فقط بالبطالة وإنما أيضا بانتشار العمل متدني الأجر وضعف الحماية الاجتماعية وهو ما جعل قطاع واسع من الشباب يعيش في حالة هشاشة اقتصادية ممتدة انعكست في تأخر تكوين الأسر وتراجع القدرة على التخطيط للمستقبل
التعليم والصحة بين الحق الاجتماعي والقدرة الاقتصادية
تعكس نسب الإنفاق على التعليم والصحة قبل الثورة والتي لم تتجاوز مجتمعة نحو 12% من إنفاق الأسرة مدى الضغط الذي كانت تعيشه الأسر في تغطية هذه الخدمات من دخولها الخاصة وهو ما يعكس أيضا محدودية الدور الفعلي للخدمات العامة في ضمان حد أدنى متكافئ من الحق في التعليم والعلاج فضعف الإنفاق العام وازدواجية الخدمات وانتشار اللجوء إلى الدروس الخصوصية والعلاج الخاص جعل الحصول على تعليم جيد أو خدمة صحية لائقة مرتبط بالقدرة المادية للأسرة أكثر من كونه حق اجتماعي مكفول وهو ما عمق الشعور بعدم المساواة وأضعف الثقة في فكرة العدالة الاجتماعية
خلاصة تكشف مؤشرات تكاليف المعيشة وهيكل الإنفاق والدعم والضرائب والخدمات العامة قبل ثورة 25 يناير عن واقع اجتماعي واقتصادي كان يتسم بضغط معيشي مرتفع وضعف في شبكات الحماية وخلل في توزيع الموارد العامة وهو ما جعل العدالة الاجتماعية مطلب قبل أن تكون شعار سياسي وفي هذا السياق تصبح أسئلة الضرائب والدعم والتعليم والصحة ليست قضايا فئوية وإنما مفاتيح أساسية لفهم لماذا تحولت العدالة الاجتماعية إلى أحد الشعارات المركزية لثورة يناير ولماذا بقيت حتى اليوم أحد أكثر الملفات إلحاحا في أي نقاش جاد حول المستقبل.

