مدحت الزاهد يكتب: عند الخط الفاصل

في 24 يناير 2015 وفى الذكرى الرابعة لتفجر الثورة تقدمت شيماء، تحمل الورود، مسيرة سلمية لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، الى أبرز ميادين الثورة، ميدان التحرير، تكريما لأرواح الشهداء.

وصلت المسيرة الى ميدان طلعت حرب بالهتاف الاثير “عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة انسانية” ومعه شعار “يسقط الارهاب”..  ولكن الوجه الاخر للإرهاب أطلق غازه وخرطوشه دون سابق انذار، والتحقت شيماء بركب الشهداء الذين ذهبت تكرمهم وفاضت روحها في الارض والسماء.

ويلخص استشهاد شيماء قصة الثورة، بكل فصولها، من 25 يناير وحتى اليوم، وهي بكلمات قصة الصراع على مساحة الحرية بين قوى خاضت صراعا ضاريا، شبرا بشبر، للدفاع عن اسلحة انتزعتها، لحرية الفكر والتعبير والتنظيم وقوى الثورة المضادة التي استخدمت كل أدوات البطش لتجريدها من السلاح وإعادتها الى حظيرة الصمت، وسكون القبور.

كما يلخص ارتفاع شهيدة الورد الى عنان السماء قصة الصراع بين:

 قوى راودها الحلم بمصر الجديدة يتأخى فيها في ميادين الثورة قداس المسيحيين وصلوات المسلمين، وتتجاور فيه خيام ومنصات كل الاطياف، دون اقصاء، وتكتب فيها الشابات الاشعار ويكنس الشباب الميدان، وتتلقى هيمنة الثقافة الطائفية والذكورية الصفعات، وتتفجر الجدران بإبداع الشباب، ويقبل الناس على ميادين التحرير كأنهم متجهون الى كرنفالات الاعياد..

 وقوى ربها الاعلى الحاكم الفرعون، ومثلها الاعلى الدولة السلطوية الامنية التي تحمى تجريف ثورة الشعب لصالح رأسمالية المحاسيب. في عملية ترتكز على البطش والفساد.

والمشهد الخاطف الذي جرى في ميدان طلعت حرب، والذي سجلته الكاميرات، وجرت وقائعه على الهواء، يشي بهذه القصة كلها، فلا كان هناك تهديدا امنيا، ولا مناوشات او اشتباكات أو شعارات، ولا كان هناك انذار بالميكروفونات، ولا خراطيم مياه، ولا طلقات تحذيرية، ففي دقائق تجابه الورد والرصاص، راسما الخط الاحمر لرقم 1 في قائمة المحظورات: ممنوع الاقتراب والتصوير من الميادين، حتى لو كان الهدف تكريم شهداء “كارثة” يناير، وحتى لو كانت المسيرة سلمية تحمل الورود، وحتى لو كان العدد بضع عشرات. وهناك في ميدان طلعت حرب استشهدت شيماء عند الخط الفاصل بين الحرية والاستبداد، عند نقطة التماس بين الثورة والثورة المضادة.

وشيماء ككل الشهداء، لكن استشهادها ليس ككل استشهاد، فلم تستهدفها الرصاصات أثناء اشتباك او التحام أو مظاهرة احتجاج، أو في قلب عنفوان الاحداث، أو في معارك المؤخرة لشباب يحاولون الحفاظ على جذوة ثورة تتراجع.

شيماء لم تصبها الرصاصات من الخلف، ولم يطلقها طرف ثالث، بل تم استهدافها من الامام، بأوامر من قائد قوة الميدان لكتيبة الاعدام، بخرطوش قاتل، في فترة حصار وانحسار، وشباب الثورة في السجون وشعاراتها تتعرض للمطاردة، و18 يوما مجيدة يهال عليها التراب..

من هنا جاء وقع استشهاد شيماء كطائرة اخترقت حاجز الصوت، رجت المكان، وأعادت الى السمع والبصر نفس الشعارات والوجوه التي غيبت غيلة وراء القضبان أو طواها الرصاص. وأستيقظ الضمير المصري على حقيقة الصراع، فالصراع على الحرية لا يدور، بين المولوتوف والرصاص، بل بين الورد والخرطوش، والدولة الامنية لا تزال على حالها تخلط بين الرأي والمولوتوف، والورد والرصاص، وحملة الاقلام وميلشيات الارهاب. ومن يرفع البيان، ومن يرفع السلاح.

والطريق الى مصر الجديدة والى الامن والاستقرار واضح جدا وبسيط عنوانه العدل والحرية.. عنوانه وضع الجلادين في القفص، وتمييز السياسة الامنية بين الولاء للحاكم او الولاء للوطن وللدستور والقانون، عنوانه الافراج عن كل سجناء الرأي، عنوانه اسقاط كل القوانين المقيدة للحريات، عنوانه العدل الذي حلمت به شيماء وتوجه كل سياسة لإشباع الحاجات الاساسية للشعب، بمبدأ “الانسان قبل الارباح” و”حقوق العمل قبل حوافز الاستثمار” عنوانه استرداد الثروة المنهوبة واعادة توزيع الثروة ومكافحة الفساد، وعنوانه إطلاق سراح حرية الفكر والتعبير والافراج عن الحق في الابداع.

وصوت شيماء الذى جلجل في الميادين لا يزال يجلجل في طلعت حرب بشعار العدالة والكرامة والحرية، ولا يزال يجلجل فيما كتبته من بوستات مرددا نفس المعنى : كل يوم نعمل فيه وسط الناس ، كل  يوم نترجم فيه شعارات الثورة الى افعال، كل يوم ننتصر فيه للحرية، كل يوم نساعد فيه الناس على التنظيم، كل يوم نتضامن فيه مع العمال والفلاحين، ونقدم المساندة لسكان الاحياء الفقيرة والعشوائيات، كل يوم ندافع فيه عن الحق ونقاوم الظلم ، كل يوم نرفع فيه الصوت بأن تكون موارد الوطن للمنتجين، ومظلة الامان الاجتماعي  للمحرومين، كل يوم نزيل فيه عن وجه مصر غبار الظلم والقهر  والكتمان، كل يوم نمضى فيه في هذا الطريق هو يوم لتكريم الثورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *