محمد العريان يكتب: هَزائِمُ عادِيَّةٌ ( إبداعات )

استيقَظَت من النَّوم على صَوتِ الغَسَّالة المُزعِج، نظَرَت للمُنبِّه، ما زالت السَّاعة 2 صباحًا، سهير لا تَسمَعُ الكلام، تُريدُ أن تَقتُلَني، تَبدَأُ عملَ المنزل بعدَ الواحِدَة صباحًا، والحُجَّةُ: ضَعفُ المياه، لم ينفع معها إقناعٌ أو إجبارٌ، حتى التوسُّل لم تَرضَ به، كُلُّ مَرَّة نتخانق بسبَبِ شُغل البيت بعدما أنام، المياهُ طولَ النَّهار ضعيفة!، مع أنها في السادِسَة صباحًا تكون قويَّةً كشَلَّالٍ، تغسل المواعينَ والملابِسَ، وتَمسَحُ الشَّقَّة حتى الرابعة فجرًا، كل مَرَّة أستيقظ ولا أستطيع أن أنام مرَّةً أُخرى، أُصلِّي الفجرَ، وأَنتظِرُ الشُّروقَ للذَّهاب إلى العَمَل. أبحثُ عن الشِّبشِب، أدخلُ الحَمَّام، رأسي يَغلي من الغَضَب، أترُكُ الماءَ يَخفِضُ ضَغطَ الدَّم، تَقِفُ في مُنتَصَفِ الصَّالة، تنظر إليَّ بِتَحدٍّ وقَرَف، أحاول أن أتذكَّر ما أَغضَبَها قبل النَّوم، لا أَجِدُ، أستعيدُ شَجاعتي لمُواجَهَتِها: “حرام عليكي، ماباعرفش أشتغل كده”.

تَردُّ باستهزاءٍ: “يعني هيَّ دي فلوس اللي انتَ بِتِقبَضها، ماتِشتَغَلش أحسن”.

“طيِّب لمَّا أنا مااشتغلش هتاكلوا منين؟، وانتي مابتشتغليش”.

بِلا مُبالاةٍ تقول: “رَبِّنا مابينساش حد، حاخدِم في البيوت وأَكَّلكو”.

لا نهايةَ للحديث المستَفِزِّ معها، أُعطيها نَظرةَ قَرفٍ وأدخُلُ غُرفَتي، أحاول مع النَّوم، يَرفُسُني كحِمارٍ، أَضعُ الوسادة على رأسي، أُفكِّر في أمنية، 10 آلاف جنيه، أسرَحُ معها: ” جزمة جديد، ملابِسُ للأَولاد، خزين كتير، لحمة، فراخ، سمك، تموين، فستان لأميرة، شُنَط مدرسة للأولاد، آلة حاسبة لمُنير، آه.. الآلة الحاسبة، على أيَّامنا كانت بـ 40 جنيه، دلوقتي 300 جنيه، افتِرا، أيَّام مافيهاش برَكَة، 300 جنيه دول أكتر من فاتورة الكهرباء، مُرتَّبي مايِستَحمِلش آلة حاسبة، مايِنفَعْش اقطَع منه 300 جنيه، الميزانيَّة تِخرَب، ومفيش منها قِسط، لازم كاش، منين؟. كده مفيش نوم، منِّك لله يا سهير”.

المطبخ كَوَرشَة تَصليح أدوات كهربائية، مَقلَب زبالة، أتفادى التَّشابُكَ معها، أعدُّ كوبًا من الشاي، أفتح عُلبَةَ سَجائِر الغَدِ وأنا أدعو عليها، ألمح جاري يَشرَبُ سيجارةً في البلكونة، يتسرَّب إليَّ صوتُ أمِّ كلثوم: “رايِق، مش انا.. حانفِجِر من الغَمّ، هِيَّ بتعمل معايا كده ليه؟ أنا عملت إيه؟، دا انا باتِّقي رَبِّنا فيها، يا رب أنا عملت إيه في دِنيِتي، ضَغطي كده هيرفع. لا.. أفَكَّر في الـ 300 جنيه أحسن”.

أكياس رَملٍ تَجذِبُ جَفني إلى أسفل، أرى في المرآةِ شُعَيراتِ الدَّم الحَمراءَ كشخبطة طِفلٍ على بَياضِ عَينيَّ، أتحسَّس كِرشي، قبل الزَّواج كنتُ رياضيًّا، أتحسَّر من مشهد الشُّعَيراتِ البَيضاء في رأسي، الشَّعرُ الأَبيضُ أَفضَلُ من الصَّلَع، أُدقِّق في المرآة، أَشعُرُ أن شَخصًا آخرَ أمامي، ليس أنا، سيخرُجُ من المرآة، يَقتُلُني، ويُخفي جُثَّتي أسفلَ السَّرير، لكن داخل المرآة، يَعيشُ مَكاني ولا يَجِدُ أحدٌ جُثَّتي. تُرعِبُني الفِكرَة، أبتَعِدُ بسُرعَة، أرتدي ملابسي بعدَ دُشٍّ بارِدٍ، أتجنَّب النَّظرَ في المرآة، أُراجِعُ أوراقَ الملَفِّ: شهادةَ ميلاد وحيد، صورَتَيْ البطاقة الشَّخصيَّة لي ولسهير، تقريرًا طبيًّا عن حالة وحيد، أشِعَّة وتحاليل، خطابًا من دكتور المستشفى لِعلاجِه على نفقة الدولة، تقريرًا بالحالَة الاجتماعِيَّة… أُخرِجُ أَهمَّ وَرقةٍ: طلب العَمليَّة، زراعة القَوقَعَة. مُقدِّمُه لسيادَتِكم: والد الطِّفل وحيد نادر محمود عبد المعطي، أُراجِعُ الكلمات، أتحسَّسُ التَّوقيعات، الورَقَة مَسَكَتها أيادٍ كثيرةٌ، مع كُلِّ يَدٍ تَفقِدُ صَلابَتَها، كُلُّ يَدٍ تأخذ جُزءًا من عُمرِها الافتراضيِّ، أَمسَكَها برِفقٍ، “يَجِبُ أن أَسَلِّمها بُكرَة، بُكرَة إيه؟أَسلِّمها انَّهارده خلاص مفيش نوم، مِنِّك لله يا سهير”.

في مدخل العمارة يَستَقبِلُني الهواء، كما تَوقَّعتُ؛ نَسمات بارِدَة تُرعِشُ الجِلدَ العاري، فتَستَيقِظُ الخلايا النَّائِمَة، من أجل هذا خَرجتُ مُبكِّرًا، أتأكَّد من أن فتحةَ الملَفِّ لأعلى حتى لا تَسقُطَ الأوراقَ الَّتي أَحضَرَها منذ 3 أشهر: “ربِّنا يشفيك يا وحيد وتعمل العَمليَّة وتبقى كويِّس”، لم أُلاحِظه، كَلب بلدي يَقِف على ناصِيَة الشَّارع ينظر إليَّ، يخفض أُذُنيْه ويتحرَّك بلا اهتمام، “الحمد لله”، أكره كلابَ الصَّباح والسَّاعات المتأخِّرَة من الليل، أشرس الكائِنات، خاصَّةً لو كُنتَ وحيدًا، قبل نهاية الشَّارِع يَظهَرُ فجأةً مَرَّةً أخرى، يسدُّ المَخرَجَ الأيسَرَ للشارع المتقاطع الصَّغير، أذناه مُرتَفِعتان استعدادًا للهجوم، أُحاوِلُ التَّراجُع، على بُعدِ 4 أمتار خلفي يتحرَّكُ بِبُطءٍ كَلبٌ آخر، يبدو أنه كان مُختَبِئًا أسفلَ السَّيَّارة، بحَذَرٍ أخطو يمينًا للمَخرَجِ الوحيد من الشارع المتقاطِعِ وأَستعدُّ للرَّكضِ، يظهر قائِدُهم، كلبٌ أسودُ بِرَأسٍ كَبير، هجينٌ، بأقدامٍ بيضاءَ مُشعِرَةٍ، وجَسَدٍ أسودَ أَملَسَ وَوجهٍ مُرقَّطٍ بالأَصفر، أعرفه منذ سنواتٍ، يَقودُ قَطيعًا من الكلاب، في النَّهار يتحدَّى الغُرَباءَ والجُبَناءَ، وحين تَخِفُّ حَركةُ البَشَر لَيلًا يَسدُّ الشَّوارِعَ ويَحرِمُ المارَّة من الهدوء، وأحيانًا المرور.

وقَعتُ في المصيَدَة، أَعطَيتُ ظَهري لأَقرَبِ حائِطٍ، أَميلُ بِيَدي إلى الأرضِ، وعيني عليهم، أَنظُر إِلَيهم بحَذَرِ كَلبٍ يأكلُ حَولَ البَشَر، أَبحَثُ عن حَجرٍ، ينظرون بِقَلَق، ترتفِعُ نبضاتُ قلبي، تَصعَدُ رائِحَةُ الخَوفِ من أحشائي، أكتمُ نَفَسي، أهشُّهُم بحَجَرٍ وَهميٍّ: “إمشي.. هِشّ”، يَردُّ القائِدُ بِزَمجَرَةٍ، يَعقُبها نُباحُ 3 حناجر، أَدفَعُ ثاني أُكسيد الكربون ومعه رائِحَةُ خوفي، الآن يَشمُّون رائِحَتي، الآن يَعرِفون أنَّ صَلابَتي مُصطَنَعَة، أبحث عن حَجَرٍ حقيقيٍّ، ألتقطه ومعه حَبَّاتُ تُرابٍ رماديَّة، أضغط على الملَفِّ، أُفكِّر في وَضْعِه داخِلَ ملابسي، أرفض الفِكرَةَ، ستتكسَّر الأَوراقُ، ومُمكِنٌ أن تَبتَلَّ بالعرق، ولا وَقتَ لَديَّ، الكلاب ستهجم في أيِّ لحظة، أقف استعدادًا بِثَنيِ الرُّكبتَيْن والمعصَمَيْن كلاعِبِي الملاكَمَة، أُركِّز نظري على قائِدِهم، إذا هَزَمتُه سَيفرُّون، أنبَحُ مِثلَهم، أُظهِرُ أَسناني، ألمح مُتفرِّجين من شبَّاك عِمارَة، أَسمَعُ ضِحكَةَ سُخريةٍ ضَعيفة، مُراهِق؟، أتخيَّل منظري من أعلى، لو كنتُ مَكانَه لضَحِكتُ على رَجُلٍ تُحاصِرُه الكلابُ، أَتمنَّى أن يُساعِدَني، مُجرَّد وجودِه سَيُشَتِّتُ انتباهَهم. أَزعَقُ بزَمجَرةٍ في وجه القائد، أميلُ عليه كأنِّي سأضربه بما في يدي، لا أُريدُ أَن أَفقِدَ الحَجَر مع أوَّل ضربة، يتراجَعُ خُطوةً صغيرةً خائِفًا، يتبيَّنُ الخُدعَة، يَطمَئِنُّ، يُزَمجِرُ ويتقدَّم ببُطءٍ، مع كُلِّ نُباحٍ يتقدَّم سنتيمتراتٍ بقَفَزاتٍ صَغيرة، لو رَكَضتُ سَيغرِزون أسنانَهم في قَدميَّ، لن أَركُضَ، أقذِفُه بالحَجَر في مُنتَصفِ رأسه، يَتفاداه، لكنْ فات أوانُ أَن يُفلِتَ، يَصطدِمُ الحَجَرُ بمُنتَصفِ جَسَده ويَدخُلُ ترابٌ إلى عينيه، ينبح كالعَويلِ من الضَّربَة، يَفِرُّ مُسرِعًا، أهشُّ على الكَلبَيْن الآخرَيْن، يَفِرَّان، حبَّات عَرَق المعركة تُبلِّل القَميصَ، حَمَدتُ الله أنني لم أَضَع الملفَّ بين جسدي وبين القَميص، أرتَعِشُ من الأدرينالين، أبحث في خريطة عَقلي عن أقرَبِ مَقهى، أنظر خلفي خوفًا من عودَتِهم، أشربُ القهوة بِيَدٍ مُرتَعِشَة، ولا تَمنَحُني السيجارةُ سوى أفكارٍ عن قَتلِ كُلِّ الكلاب في العالَم.

على الرَّصيف أشرب الشَّايَ وأُدخِّن السجائر، أمام باب مديريَّةِ الصِّحَّة، أُتابِعُ الموظَّفين، مَن يأتي مُبكِّرًا يمشي على مَهَل، يلتَفِتُ كأنَّه يبحث عمَّا يُؤخِّره، يُلقي السَّلامَ بابتسامَةٍ وَدودَةٍ مُستعدَّة للبَدءِ في التَّواصُل والتَّلكُّع وسَردِ وسَماعِ الحكايات، بدَأَت خُطى الموظَّفين تَتَسارَعُ، والتَّوتُّر يطِلُّ من أعلى العيونِ؛ خوفًا من التَّأخير، عرَفتُ أنني اقتَرَبتُ من الدُّخول، أضَعُ الملفَّ على مُؤخِّرَةِ سيَّارَةٍ مَركونة، ظهري للشَّارع، أحمي الأوراقَ من مُتطَفِّلٍ أو اصطدامِ الأَجساد، أُراجِعُ الأوراقَ بِحرِصٍ، أُخرِجُ أهمَّها، تأشيرة الوزير على الطَّلَب، ورقة استغرَقَت شُهورًا، واسطة لِنائِبِ مَجلِسِ الشَّعب، مَلفٌّ كامِلٌ عن حالَةِ وحيد، عشرات السَّاعات انتظَرتُها لمدَّةِ أسابيعَ في مَقرِّه الانتخابي الذي هَجَرَه بعد فَوزِه، كل يَومٍ بعد العِشاء أجلس مُنتَظِرَه حتى الإغلاق، تعامَلتُ بِكُلِّ أَدبِ القُرود المُمكِن حتَّى أكسبَ تَعاطُف العامِلين في المقَرِّ، في البداية رَكَلوني بعيونهم، ثم تَجاهَلوني، وفي النهاية اعتادوا وجودي، وقتَها وَجَدَت حكايةُ مَرَضِ ابني آذانًا صاغِيةً، ولمَحتُ عُيونَهم تُحاوِلُ مَنعَ الدُّموع، وبعدَ أُسبوعٍ من التَّعاطُف حَصَلَ النَّائِبُ على تأشيرة الوزير، جُملَة وَحيدَة، بِقَلَمٍ أَزرقَ جافٍّ: “لا مانع في حدود القانون”، وأسفَلَها تَوقيعٌ غَريبٌ، والتَّاريخُ، وختم النّسر، أضع الورقَةَ بِحرصٍ أكبر في الملفِّ، أضغط عليه بأصابعي: “تَوكَّلتُ على الله”.

بعد الباب مُباشرَةً يَجلِسُ مُوظَّفٌ على مكتبٍ كبيرٍ حَولَه مواطنون، في البداية ظَنَنتُ أنه أَمنٌ لمُجمَّعِ المصالِح بالجيزة، أخرَجتُ بطاقتي الشخصيَّة، المواطنون يسألونه، مَنَحتُه ابتسامةً مُعتَدِلَة مع البطاقة: “صباح الفُلّ.. العلاج على نفقة الدولة؟”، نظر إلى البطاقةِ، ورَدَّ ببرودٍ: “الدُّور الخامس.. تالت مكتب.. الأستاذ توفيق، وخَلِّي البطاقة معاك”.

“الأسانسير عطلان”، استقبلني الخَطُّ السَّيِّئُ على ورقةٍ بيضاء، على السَّلالِم أنقل الملفَّ من يَدٍ إلى الأخرى، أتأكَّد من فتحة الملف لأعلى، “الأستاذ توفيق؟”، أشارت لي موظَّفةٌ إلى مكتبٍ كَبيرٍ في الغُرفَةِ الواسِعَة، كرة من اللحم على هيئَةِ وَجهٍ، رأس عِجلٍ بتاجٍ من الشُّعَيراتِ الفضِّيَّة، أسفلَها جَسَدٌ بمُنحَنياتٍ عَظيمَةٍ تَتدلَّى من الكُرسيِّ الخَشَب، الذي يَظهَرُ فقط مع تَحريكِ ذِراعِه، لم يلتَفِت رغمَ أنَّه سَمِعَ اسمَه ولا يوجد في الغُرفَةِ إلَّا الموظَّفة: “شَكلُه موظَّف رِخِم، ربِّنا يسترها”، أضع ابتسامَةَ الودِّ والضَّعف: “سلامو عليكو”، يرفع عينَيْه عن الأوراق كأنَّه يُؤنِّبُني على مُقاطَعَةِ عَمَلِه، أتنحنح: “معايا تأشيرة من الوزير علشان عملية زَرع قوقعة لابني؛ علشان مابيسمَعش على نفقة الدَّولة، وعايز تحويل لمستشفى القصر العيني”، أفتح الملفَّ كأنَّه طَلَبَ مِنِّي الأوراق، يُسقِطُ القلمَ بِعَصبيَّةٍ وينظر إليَّ مَرَّةً أخرى: “استنَّى يا أستاذ لمَّا اخلَّص واشوف مشكلتك”، يُشير إلى الكرسي بقَرفٍ: “اتفضِّل”، تزيد ابتسامتي، وأعتَذِر: “لا مؤاخذة”.

ملامِحُه مألوفة، رأيتُه من قَبلُ عِدَّةَ مرَّات، أحاول استدعاءَ الصُّوَر من الذَّاكرة، أفشَلُ، ألمحُ طفَّاية السجائر بجواره، فرصة جيِّدة، أُخرِجُ سيجارةً، وأَضَعُها على المكتب برِفقٍ: “اتفضَّل”، لا يعطي السيجارةَ أَهميَّةً، يُكمِلُ عَملَه، تَمرُّ دقائِقُ، أُخرِجُ الأوراقَ، أَشغَلُ نفسي، أُراجِعُ الكلماتِ، صورة سهير في البطاقة الشخصية باهِتةُ جدًّا، لكنَّها أجمَلُ من الآن، كان في عَينَيْها إصرارٌ تَحوَّل إلى غَضَبٍ دائِمٍ وعَدَمِ رضا. يَسحَبُ السيجارة، بسُرعَةٍ أَشعَلَها له، أَبتَسِمُ، أُشعِلُ أُخرى لي: “أنا شُفت حضرتك قبل كده، بس مش فاكر فين”، ينظر إلى الملفِّ، أُناوِلُه تأشيرةَ الوَزير، يَمنَحُها ثانيَةً، ويُشير إلى باقي الأوراق، يُقلِّب فيها بِسُرعَة، يَردُّهم إليَّ: “هتنزل تجيب نموذج 56، وتِملاه وتصوَّر كلّ الوَرَق 3 نسخ”.

أجلِسُ أمامَه مَرَّةً أخرى، ألتَقِطُ أنفاسي، المروَحَة بجوارِه تُلطِّفُ الأجواءَ، يُشَخبِطُ على الأوراق، يَضَعُ بَعضَهَم معًا بدبُّوسٍ واحد، يكتُبُ ويُحرِّك يدَيْه بِسُرعَةٍ لا تَتناسَبُ مع جسَدِه، وأنفاسه الثَّقيلة المتقطِّعَة، يقول دونَ أن يَنظُرَ إليَّ: “العَمليَّة بعد 3 شهور، وهَتتكلِّف 40 ألف.. الدَّولَة هتتحمِّل 50%، وهَتِتحوِّل إلى مستشفى أُمّ المصريِّين”.

مصعوقًا: “تأشيرة الوزير بتقول إن العمليَّة كُلَّها على حساب الدولة”.

يَردُّ: “إنتَ هَتعَرَّفني شُغلي؟، أنا عارف التأشيرة بتقول إيه، الدَّولة مش هَتتحمِّل إلَّا 50% من تمن العملية، اتصرَّف في الباقي”.

تختفي ألوانُ الغُرفَةِ الصَّفراء، أشعُرُ بدُوارٍ: “بس أنا مش معايا 20 ألف جنيه، والتأشيرة بتقول لا مانِع، أكيد فيه حلّ”.

“الحل إنَّك تِرجَع للوزير يِغيَّر لك التأشيرة ويِعمِلَّك استثنا.. أو تِغيَّر القانون، اتفضَّل يا أستاذ.. وَرانا شُغل”.

تسمَّرتُ مكاني، “تَعَب شُهور يضيع، التأشيرة عليها تاريخ، هل أقدر أتصرَّف في 20 ألف جنيه خلال 3 شهور؟، أَدخُل جمعيَّة؟، منين بس؟، المُرتَّب مش بيكفِّي مصاريف، والمبلغ كبير، طيِّب مين مُمكِن يِسلِّفني؟، مفيش حد معاه فلوس في الزَّمن الأَغبَر ده، أحاول تاني آخد قَرض من البنك؟، بس دول ولاد وِسخَة.. دَوَّخوني على قَرض بـ 30 ألف علشان العَمليَّة، وفي الآخر رَفَضوا، هَتِعمل إيه يا نادر؟، الواد كده هيعيش طول عمره مابِيسمَعش وبيتكلِّم بالإشارة، يا رَبِّي يَعني قَفَلِت كده؟، ليه بس؟، موظَّف ابن جزمة بيِعقَّد الدنيا، برميل رَخامَة ابن الكلب، طيِّب أحاول معاه تاني”.

“يا توفيق باشا أنا راجِل غلبان، ومع حضرتك ورق من التَّضامُن إنِّي مُرتَّبي على قَدِّي ومَعْر…”… ينظر إليَّ ببرودٍ: “إنتَ لسَّه هنا، مع السلامة يا أستاذ.. ده آخر كلامي”.

أنظُرُ إلى الموظَّفة، أستجديها تتدخَّل، تَسحَبُ عينيها وتتسمَّر كأنَّها قِطعَةُ أَثاثٍ: “يا سعادة الباشا.. أنا مااعرفش حَدّ يِسلِّفني الملبغ الكبير ده، ربِّنا يكرمك ويِرَقِّيك وتبقى وزير قدّ الدِّنيا، معلش لو فيه حَلّ ينوبك ثواب”.

يخرج من الغرفة، أمشي خلفَه، يتوقَّف: “أنا داخِل الحمَّام.. هتيجي ورايا! مفيش داعي من اللِّي بِتِعملُه ده.. اتفضَّل.. وَرَانا شُغل”.

أُشعِلُ سيجارةً في الممَرِّ، أنتَظِرُه مُستَعدًّا بخُطَّةِ تَوسُّلٍ جديدة، يتحرَّك كبطريق، يتجنَّب النَّظرَ إليَّ، هذه مِشيَةٌ أعرفها جيِّدًا، لَفَتَت انتباهي أكثرَ من مرَّة، “آه.. افتكرت، عادِل البقَّال”، وتَغيَّرَت الخُطَّة.

“ألووو.. أيوه يا سهير.. إدِّيني رقم عادل البقَّال”.

“وعايز رقمه ليه؟”.

أردُّ بِصبرٍ نافِدٍ: “هاقولِّك بعدين”.

تَرُدُّ بعِنادٍ: “لأ.. قُولِّي دلوقتي”…

أسبُّها في سِرِّي “يا بنت الكلب يا حمارة”: “أنا في مديرية الصِّحَّة باخلَّص ورق وحيد.. ودي حكاية طويلة.. لمَّا ارجع هاقولِّك”.

تَصمتُ فَترةً، وتَتنهَّد: “طيِّب اصبُر”.

“لا.. هاقفِل واكلِّمِك تاني علشان الرَّصيد”.

“كل حاجة فيها قَرَف، مفيش مشوار سالِك أبدًا، إحنا عايشين علشان نتعذِّب والله، مش عارف القيامة أخَّرِت ليه”.

“يا ربّ البَقَّال يكون صاحي”: “ألووو، سلامو عليكو يا عادل، أنا نادر أبو منير اللي ساكن في عمارة أبو نورا”.

“أهلًا يا أستاذ نادر، إزيَّك، أُؤمُر”.

“الأمر لله يا ذوق، بُصّ.. أنا دلوقتي في مجمَّع المصالح في الجيزة، فيه موظَّف اسمه توفيق، شُفتُه قاعِد معاك في المحل أكتَر من مَرَّة، إنتَ تعرفه؟”.

“آه.. توفيق.. أعرفه، ده راجل مُحتَرَم وذوق، ويِخدِمنا”.

أنظر إلى الموظَّفِ المُنهَمِك في الأوراق أمامَه، “ذوق ومحترم!، ده ابن وسخة”: “آه طبعًا هُوَّ ذوق، بس هوَّ مِتضايق انَّهارده، إنت عارف مُشكِلِة وحيد ابني، وعايز أعمل له العَمليَّة، والأستاذ توفيق مِعَقرَب خالِص”.

يصمت، أَسمَعُ صوتَ أنفاسِه: “تُؤمُر، إدِّهوني أَكلِّمه، وجَهِّز 200 جنيه وعِلبَة سوبر”.

أدخُلُ الغُرفَةَ، وأَمدُّ يدي له بالهاتف: “خُد كَلِّم يا باشا”.

يَنظُر إليَّ بقَرفٍ وبُرود: “بُص.. حتَّى لو الوزير على التِّليفون، مش هينفع أعمل لك اكتر من كده”.

أنظُرُ له بِتَحدٍّ: “ده واحد صاحبَك”.

يَتردَّد، ويُمسِكُ الهاتِفَ، تَتغيَّر مَلامِحُه، يكشِّر، يَنظُرُ إليَّ ببرودٍ: “يا عادل انتَ عارف إن ده شغل… آه… طيِّب… علشان خاطرَك والله”.

أُعطيه الأوراق: “رَبِّنا يِخلِّيك لينا يا أستاذ توفيق، والله رَبِّنا هيكتب لك ثواب كبير”.

أَجلِسُ أَمامَه مَرَّةً أُخرى، أنفاسي مُتقطِّعَة من السَّلالِم، أضَعُ المائتَيْ جُنيَهٍ خلف عُلبَةِ السَّجائر السُّوبر: “مُتشكِّرين يا أستاذ توفيق”.

يَضَعُ السَّجائِرَ والفلوس في الدُّرج، ويقول: “الورق هَيتعِرض على لجنة ثلاثية، هَنرفع تَحمُّل الدولة من 50% إلى 80%، وده أقصى حاجة في القانون علشان خاطِر عادِل والله”.

“80% بس، مش مُمكِن تزوِّدها شوية يا باشا الله يخلِّيك”.

ينظر إليَّ بدَهشَةٍ: “باقولَّك أقصى حاجة في القانون.. صَدَّقني”. يفتح دُرجَ المكتبِ الأخير، ويُخرِجُ كتابًا، يُقلِّب في أوراقِه، ويُقرِّبُه مِنِّي: “بُصّ.. اقرا كِدَه: «ولا يجوز العلاج بأكثر من 80% على نفقة الدَّولَة إلَّا باستثناءٍ من الوزير المختَصِّ»”.

يُكمِل: “زي ما قلت لك.. إرجَع هات استِثنا أو سِيبنا بقى نشوف شُغلِنا”.

أصمتُ خَوفًا من تَراجُعِه، “20% يعني 8 آلاف جنيه، كتير، بس أحسن من 20 ألف، ربِّنا يِدَبَّرها”.

أُظهِرُ عَدمَ الرِّضا؛ في محاوَلَةٍ أخيرة: “إيه اللي هَيتِمّ دلوقتي يا أستاذ توفيق؟”.

“بُصّ يا عم نادر…” (“دلوقتي بقيت عَم يا ابن الجَزمة!”)… “هتاخُد نُسخَة من الوَرَق وهَتسيب تليفونك وهاكلِّمَك أَقولَّك مِعاد العَمليَّة، وقبل ما وحيد يخرُج بالسَّلامة من المستشفى هَتِدفَع باقي الفلوس.. 8 آلاف جنيه”.

“طيِّب مَفيش أمَل يبقوا 5 بدل 8، معلش المبلغ كبير والله”.

يَصمتُ صَمتَ ما قبلَ الانفجارِ، أرى عَضلاتِ فَكَّيْه تَتحرَّكُ من الضَّغطِ على أسنانه، أَرتَبِكُ، أُخرِجُ سيجارَتَيْن لِتَلطيف الأَجواء.

يَردُّ: “إحنا مش بنبيع طماطم عشان تِفاصِل معايا، أنا وَرِّيتَك القانون، إنتَ مابتفهمش؟”.

على باب المصلحة لا أعرف ما حدث، انتصارٌ أم هزيمة؟، انتهاءُ الأَزمَةِ أم مُعاناةٌ مُستمرَّة؟، مَشاعري مُتضارِبَة، الفَرحَة النَّاقِصَة لَيسَت فَرحَةً، الانفراجَةُ البَسيطَةُ أَملٌ كاذِبٌ في النَّجاة، “خَدنا خَطوة للأمام، للعملية، بس خطوة في حُفرِة، 8 آلاف جنيه أجيبهم منين؟، لمَّا اروَّح أَكتِب قايمة أسماء اللِّي مُمكِن يِسَلِّفوني حتى لو مبالغ صُغيَّرة، أقابلهم، أشوف أحوالهم إيه، واستنَّى اللَّحظاتِ المناسبة لفَتح الموضوع، وادِّيهم مواعيد سَداد بعيدة عن بَعضُهُم، الطَّريقة دي جابت نتيجة في عمليِّة أُمِّي، لكن المرَّة دي مَحدِّش معاه فلوس بعد دخول المدارس”.

أَسيرُ إلى الشَّارِع الرَّئيسيِّ، الزِّحامُ انتهى، الطُّلَّابُ في المدارس والموظَّفون على مَكاتِبِهم، الشَّوارِعُ تَستَعدُّ للذُّروة الثَّانِيَة، ذُروَة عَرَق البَشَر في المُواصلاتِ العامَّة. “يعني هَتجَمَّع كام يعني؟، 4 آلاف جنيه؟، والباقي؟، أبيع تلفزيون غرفة النُّوم، ملوش لازمة، بس ده معركة كبيرة مع سهير، أقنعها ازَّاي، لازِم يبقى الحَلّ ده من عندها، هيَّ تِقتِرحُه، لو أنا قُلتُه هَتُرفُض، هتقولِّي بيع الكومبيوتر وتليفونك، إيه الزِّفت ده، ما هي لازم تساعدني.

لو كان عندي عَرَبيَّة؟ كان زماني بِعتَها، ناس كتير عندها عربيَّات.. إنتَ اللِّي كَحيان، كل دي عربيَّات مركونة بتاعِت ناس مُوظَّفين زَيَّك، كَوِّنوا نفسهم الأوَّل، وبعدين اتجوِّزوا، مش انت.. اتجوِّزت بدري، وشِلت هَمّ العيال. عربيَّات حِلوة، واللِّي راكبينها أحلى، شايِف الرَّاجِل ده لابس بَدلَة ونازل من عربيِّته، برِنس، الچاكيت متعلَّق على الكرسي علشان الكَرمَشَة، يروح الشُّغل نضيف، من غير عَرَق وبَهدَلَة في المواصلات، إيه ده؟ محفظته وِقعِت، تلاقيها مَليانَة فلوس؟، لا.. حرام.. آخُدها إيه! يتحرك ولم يلاحظ محفظته، أشاور له ياخُدها، ينظر إلى الأرض ولا يلاحظ حركات يديَّ، أنادي عليه، لم يسمع بسبب أصوات السَّيَّارات المسرعة في الشارع الرئيسي، أحاول العبور إلى الجِهَة الأخرى، يتحرَّك بخُطًى سريعة، يبتلعه مَبنى الكُلِّيَّة، هل هو طالب؟ مُعيد؟ دكتور؟، سأَجِدُ اسمَه في البطاقة، ثواب ربِّنا يِكرِمني بسببه، أنحني لألتقطها، بعيدة عن متناول يدي، ليست محفظة، تليفون أسود كبير أسفل السيارة، يبدو أنه سَقَطَ من الچاكيت وانزلق ولم يره، مُمكِن؟، لا.. رَبِّنا مايِعمِلش كده!، ده مش الفَرَج، لو ربِّنا عايز يبعت فلوس هيبعت بطريقة تانية، تليفون مش بتاعي.. آخدُه ليه؟”، وَقفتي بجوار السيارة طالت، الأفكارُ تَتصارَعُ، وتفاصيلُ الشَّارِعِ تَغيب، أنا والسيارة والتليفون فقط، غشاوة على عيني كضَبابٍ، أَضَعُ الملفَّ على مُقدِّمَة السيارة، عين على المدخل، وأخرى على التليفون، الأوراق في يدي، يتجلَّى لي ابني وحيد يسمع يديَّ تُصفِّق، يَضحَكُ، سهير راضية، أرتَعِشُ، عيوني تمتلئ بالدموع، “لا يُمكِن، مش هاخدُه.. حرام، حتى لو صاحبه مُمكِن يجيب غيره، أنا حاخده ولمَّا يِتِّصل هارَجَّعهوله، ربِّنا يغنينا بالحلال، بس ده شكله تليفون غالي، يِسِد حَقّ العملية ومصاريف الدَّوا، ويتبقَّى شوية كمان، أيوه بس مش بتاعي، هابيع تلفزيون غرفة النوم، ولو سهير اعترضت هاطَلَّقها، الطَّلاق أبغض الحلال، وده تليفون مَرمي في الأرض”. أُحاوِلُ الوصولَ إلى التليفون، يَجِبُ أن أَنزِلَ على رُكبَتي حتَّى أصِلَ إليه، أنظُرُ إلى الشارع، هل هُناكَ مَن يُتابِعُني؟، أتردَّد من الفكرة، “مُمكِن يِتقبِض عليَّ، إنتَ ماسَرَقتِش، كأنُّه تليفونك، أو بتجيب التليفون للرَّاجل اللِّي وقع منه، إنت خايف ليه؟”، أُسقِط الملف على الأرض، أزيحه أسفل السيارة بجوار التليفون حتى أدَّعي أنني أُحضِرُ الملفَّ، ركبتاي على الأرض، التليفون ما زال بعيدًا، أنزل أكثر على بطني، أُمسِكُه، ثَقيلٌ كأنَّه مصنوعٌ من حديد، يدي ترتَعِشُ، أَضَعُه أسفلَ الملَفِّ، عيني على المدخل، أتلفَّتُ، لا أحدَ يُشاهِدُني، السَّيَّاراتُ مُسرِعَة، “خطوة واحدة بعيدًا عن السَّيَّارة ويِبقَى بتاعَك”، قلبي يدقُّ، مُتردِّدًا أَسيرُ إلى الأمام والخَلف، نَسيتُ مكانَ مَوقف السَّيَّارات، “أركب تاكسي؟، لا”، أستعيدُ تَوازُني وأَسيرُ إلى الموقف القريب، كل 10 خطوات أنظرُ خلفي مُرتَبِكًا، الأدرينالين مرَّة أخرى يُشوِّش تفكيري، السيَّارة تَبتَعِدُ، قُضيَ الأَمرُ، أيَّة نَظرَة للخَلفِ معناها أنَّني مُرتَكِبُ الجريمة، أُسرِعُ الخُطى، أَضَعُ التِّليفون في جيبي، أَنفضُ التُّرابَ من على مَلابِسي، أُسرِعُ أكثرَ، أُحاوِلُ تَهدِئَةَ نَفسي، “كُلَّما أَسرَعتَ ظَهَرَت عَليكَ أَمارَة التِّليفون، خَلِّيك طبيعي”، أَمشي على مَهَلٍ، يَفضَحُني العرَقُ، أَمسَحُه بسُرعَة.

أخيرًا، في الميكروباص، في الطريق للمَنزِل. أستَغرِبُ من عدم رَنِّ التليفون، “معقول لم يكتشف أن تليفونه ليس معه، أكيد مش محتاجه، غني طبعًا، ومستغني عن التليفون، أنا لو تليفوني مش حاسِس بيه في جيبي بادَوَّر عليه، كتير كنت بادوَّر عليه وانا باتكلِّم فيه، وافْتِكِر إنه وِقِع أو اتسرَق”. أُخرِجُ التليفون بتلقائيَّةٍ كأنَّه مِلكي، أسودُ، لامِعٌ، بِحَجمِ كَفِّ اليَد، تُفاجِئُني التُّفَّاحةُ المقضومَةُ في ظَهرِه، كاد يَسقُطُ من فَرحَتي، “أغلى تليفون، طول عمري أسمع عنُّه، رأيته في المحلات، لم ألمسه من قبل، هذه هديَّة من الله، تليفون بتاع واحد غَني مش فارق معاه يقع قُدَّامي وآخده، تليفون هيحل كل مشاكلي”، أحاول فتح الشاشة، مُغلَق، “تقريبًا البطارية فضيت أو قَفَل بعد ما وِقِع، علشان كده مش بِيرِنّ؟، يساوي كام ده؟، أنا شُفت عليه 30 ألف جنيه في المحل، يا دين النبي، أَشكُرَك يا رب، أكيد مُستَعمَل يبقى أقل من كده، يا عم 20 ألف جنيه حلو قوي، طَيِّب نخصم فلوس عملية وحيد ومصاريف الدَّوَا.. قول 10 آلاف جنيه، يتبقَّى زَيُّهم… أوبَّا”، الرُّكَّاب ينظرون إليَّ، يبدو أن صوتي ارتفع في «أوبَّا»، أعتذر لهم بإشارة من يدي. أعود مرَّةً أخرى: “آلة حاسبة لمنير، دي أوِّل حاجة طبعًا، آخدهم بقى أَخرَّجهم، الفسطاط، فسطاط إيه بقى، لا نروح مركب على النيل الفرد بـ 250 جنيه، والأطفال مجَّانًا، يعني هادفع بتاع ألف، ألف ونص، وأجيب لهم لِبس ببتاع ألفين جنيه، وادِّي سهير ألفين زَيُّهم علشان تِرضَى عنِّي، واجيب أكل كتير في البيت.. خزين يِكفِّينا 3 شهور، آه وأجيب سجاير 10 خراطيش إل إم أحمر، بس كده الفلوس مش هتكفِّي.

البيت قرب، لازم اعرَف هاصرِف الفلوس في إيه علشان أحدِّد الأولويَّات”. “على جنب يا اسطى”، أتمشَّى إلى البيت، أسير بمَهَلٍ على الرصيف، الملفُّ تحتَ إبطي، ويداي في جُيوبي، والسَّبَّابةُ تُداعِبُ شِعارَ التفَّاحة النَّاقِصَة على التليفون، “مش لازم فُسحَة، كفاية ملابس، وألفين جنيه لسهير، وألفين زَيُّهم خزين للبيت، كده كويس، نتفسَّح ليه، العيال هيفرحوا بالهدوم أكتر من الفُسحَة، بس أَوِّل حاجة الآلة الحاسبة لمنير، واشيل فلوس عمليِّة وحيد بعيد عن إيد سهير، إيديها مَخرومَة، مُمكِن تِصرِف الفلوس بتاعِت عَمليِّة الواد، قادرة وتِعمِلها، مُمكِن تجيب بيهم أكل من بَرَّا، الأفضل مااقولَّهاش على حاجة، فلوس معايا وخلاص، مش مهم كام؟، ولا منين؟. أقفش بس الفلوس وربِّنا يِعَدِّلها، هاروح لمحل تليفونات بعيد عن المنطقة؟، لا يعرفني ولا اعرَفه، لا.. أروح لعامر فون، باصلَّح عنده التليفونات، ويِعرَفني.. مش حيشُكّ في كلامي، قريبنا نِزِل من الإمارات وادَّاني تليفونه هديَّة، اتكسَف علشان مجابليش هدايا، معقول الكلام كده”.

مَرَرتُ على كلاب الصَّباح، أمشي بهدوءٍ وثِقَة، زَمجَرَ قائِدُهم، لم أَقِف، أَعطَيتُه نَظرَةَ لا مُبالاة ومَرَرتُ، نَبَحَ، فاعتَبرتُه لغيري، اقتربَ مِنِّي، خطواتي ثابِتَة كأنَّه صَخرَة، ظلَّ يَنبَحُ حتَّى دَخَلتُ منزلي، أخرَجتُ شَريحةَ الهاتِف، غَيَّرتُ ملابسي، سهير نائِمَة، ومعها وحيد، الأولاد في المدرَسَة، حاوَلتُ النَّومَ، لم أستَطِع، غَيَّرتُ ملابسي ونَزَلتُ مَرَّةً أُخرى إلى “عامر فون”، المحل مُغلَقٌ، انتظَرتُ على المقهى القريب، عيوني ثقيلَةٌ، وعقلي يَعمَلُ بِسُرعَة، جَرَّبتُ كُلَّ الاحتمالات، جَهَّزتُ الرُّدودَ المُناسِبَة، التَّنسيقُ مُهمٌّ، لكن أكثر ما أُفكِّر فيه الاستمتاعُ بالفلوس، مَرَّ عليَّ ثلاثة شحَّاتين، أَعطيتُهم جميعًا، لَمَحتُ عامر في اتِّجاه المحلِّ، 10 جنيهات بقشيش للقَهوَجي، يستَقبِلُني عامر بابتسامَةٍ، يَنظُرُ إلى التليفون باستغرابٍ، وإليً بِشَكٍّ، أَنظُرُ إلى الإكسسوارات المرصوصَةِ في المحلِّ مُتفادِيًا نظراتِه، يُقلِّبُ التليفون، ويَنظُرُ إليَّ، يقول: “عَم نادِر.. التِّليفون ده يساوي 600 جنيه”… صَمَتُّ، “إزَّاي؟ والتفاحة؟”، “ده تليفون مضروب يا عم نادر، صيني مضروب وعليه العلامة”.

أَعدتُ الخَطَّ للتِّليفون، ووَضَعتُه على الشَّاحِن، “أكيد صاحبه هَيِتِّصِل، أَرجَّعهوله، ثواب.. يِمكِن رَبِّنا يِكرِمنا بفلوس عَمليِّة وحيد”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *