عبدالحميد ندا يكتب: غرام وهيام إبراهيم عيسي لإمريكا وإسرائيل

لسنوات طويلة، خُدعنا بأسلوب الأستاذ إبراهيم عيسى وتحت مسمى «الصدمة الثقافية»، ظننا أننا أمام محاولات جادة لخلخلة الركود الفكري. لكن حلقة «غرام وهيام» الأخيرة لم تكن مجرد سقطة إعلامية، بل كانت “إعلاناً للإفلاس” وتجسيداً لانتقال لافت من خانة “المثقف المشاكس” إلى خانة “المبشر الأيديولوجي” الذي لا يرى العالم إلا بعيون واشنطن، ولا ينطق إلا بما يرضي مراكز القوة الكبرى.
لم يعد ما يقدمه الإعلامي إبراهيم عيسى في الآونة الأخيرة مجرد اختلاف في وجهات النظر السياسية أو قراءة مغايرة للأحداث، بل بات تجلياً صارخاً لحالة فكرية مأزومة يمكن توصيفها بـ “عقدة ستوكهولم” السياسية في أبشع صورها؛ حيث يتماهى المثقف مع جلاده الأكبر، ويرى في غطرسة القوة الغاشمة نموذجاً للعظمة والكمال، مدافعاً عن سياطها التي تلهب ظهر أمته. ففي حلقته الأخيرة التي حملت عنوان «غرام وهيام»، لم يكتفِ عيسى بممارسة النقد، بل نصب نفسه مديراً لمحاكمة تفتيش أخلاقية، وزع فيها صكوك “الخسة والسفالة” على اليسار العربي وكل من رفض الانضواء تحت لواء السردية الأمريكية، رافعاً واشنطن إلى مقام “الأعظم” سياسياً وعسكرياً، ومختزلاً قوى المقاومة في استعارات بلاغية هشة من قبيل “بيت العنكبوت”.
إن هذا الخطاب الذي يتدثر بدثار التنوير، لا يمارس في جوهره إلا تكريساً لتبعية نفسية مريضة، تتجاهل عن عمد حقائق التاريخ القريب والبعيد. فواشنطن التي يسبح عيسى بحمد جيشها ونظامها، هي ذاتها القوة التي وأدت أول تجربة ديمقراطية مدنية حقيقية في منطقتنا عام 1953، حين دبرت استخباراتها الانقلاب على الزعيم الوطني الإيراني محمد مصدق لأنه تجرأ على تأميم نفط بلاده لصالح شعبه. إن المفارقة الصارخة هنا هي أن عيسى، الذي يهاجم “نظام الملالي” بدعوى الاستبداد، يتغافل عن أن محبوبته واشنطن هي من مهدت الطريق لهذا النظام عبر سحق البديل الديمقراطي الوطني ووضع “شاه إيران” كشرطي يحمي مصالحها النفطية. فأي عظمة سياسية تلك التي تقوم على جثث الديمقراطيات الناشئة وتجريف إرادة الشعوب؟
لقد استمرأ عيسى لغة “الزهايمر التاريخي” حين هاجم اليسار العربي في ملف العراق، متناسياً من الذي صنع “بعبع” الثمانينات وسلحه وموله. أليست واشنطن هي من أرسلت مبعوثها “دونالد رامسفيلد” ليصافح صدام حسين في بغداد عام 1983، مقدمة له الدعم الاستخباراتي والكيماوي في حربه ضد إيران؟ إن التناقض البنيوي في خطاب عيسى يظهر حين يلوم الضحية على خياراتها، بينما يمنح صك البراءة للبلطجي الدولي الذي يحرك خيوط اللعبة، ثم ينقلب على أدواته ليدمر أوطاناً بأكملها كما حدث في العراق وأفغانستان.
وبلغ السقوط الأخلاقي والفكري مداه حين استعار عيسى لغة الطب النفسي ليصف القائد الفلسطيني يحيى السنوار بـ “المختل”، ويسمي فعل المقاومة بـ “الجنون الانتحاري”. إن تحويل الصراع الوجودي من أجل الأرض والكرامة إلى مجرد “اضطراب نفسي” هو ذروة الانهزامية النفسية؛ فمن يرى في الدفاع عن العرض والأرض جنوناً، هو شخص فقد بوصلة العقلانية الحقيقية لصالح “ترويض العبيد”. إن المقاومة في غزة، بصدورها العارية، هي التي فضحت “بيت العنكبوت” الحقيقي الكامن في منظومات أمنية يراها عيسى “أعظم ما في الوجود”، لكنها تئن وتتآكل أمام إرادة شعب يرفض الذل.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل حاول عيسى توظيف نموذج نجاح الأشقاء في الخليج كـ “هراوة” يضرب بها خصومه، في قراءة تفتقر للأمانة التاريخية والسياسية. فاليسار العربي والضمير الوطني لا يعادي أهل الخليج، بل يعتبرهم عمقاً استراتيجياً وأخوياً معمداً بالدم منذ هبّ أبناء الجزيرة العربية لنجدة مصر ضد الحملة الفرنسية عام 1798. إن الخلاف ليس مع الشعوب، بل مع “سياسات التبعية” والارتهان للمكتب البيضاوي التي يريد عيسى شرعنتها تحت مسمى الواقعية. إن نجاح الخليج الحقيقي هو ما نطمح أن يكون سنداً لمشروع عربي مستقل، وليس مبرراً لجلد الذات الوطنية والارتماء في أحضان الهيمنة.
إن “بيت العنكبوت” الحقيقي ليس في عواصم المقاومة، بل في تلك العقول التي نُسجت فيها خيوط التبعية، فصُوِّرت لها “البلطجة” كفضيلة، وأعيد تعريف الانبهار بالاستعمار باعتباره “تنويرًا”. إن المشكلة ليست في اختلاف الرؤى حول طهران أو واشنطن، بل في هذا الإصرار المحموم على أن يكون للعالم عين واحدة، وزاوية رؤية واحدة تحتكرها القوة الأعظم. التنوير الحقيقي لا يسكن مكاتب التبعية، ولا يقف في صف القوة إعجاباً بسياطها، بل يقف في صف الحق والسيادة الوطنية.
إن قوة أي طرح إعلامي لا تُقاس بحدة الشتائم، بل بصلابة المنطق واحترام وجدان الشعوب. وحين تُختزل الجغرافيا السياسية في نشيد مديح للقوة التي تذبح أطفالنا في غزة بسلاح “ديمقراطي”، فإننا نكون أمام خطاب تعبوي يهرب من السؤال الأصعب: كيف نبني قوتنا الذاتية ونصنع ديمقراطيتنا الوطنية بعيداً عن غراميات واشنطن الزائفة؟ لقد سقطت الأقنعة، وتبين أن الصدمة التي يبشر بها عيسى ليست ثقافية، بل هي “صدمة أخلاقية” تعلن ارتهان العقل للجلاد، والتحرر يبدأ أولاً بكسر أغلال “عقدة ستوكهولم” السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *