د. كمال نجيب يكتب: حين تتحول أخلاقيات الجامعة إلى دفتر ضبط
قراءة هادئة في تعليمات المجلس الأعلى للجامعات بشأن وسائل التواصل الاجتماعي.
ملاحظة تمهيدية ضرورية
تنويه واجب..
يؤكد كاتب هذا المقال، ابتداءً، أن ما يطرحه لا يستهدف الإساءة إلى أي مؤسسة جامعية، أو أي شخصية أكاديمية أو رسمية، ولا ينطوي على تشكيك في النوايا، وإنما ينطلق حصريًا من الحرص على مصلحة الوطن، ونهضة الجامعة المصرية، وصون مكانتها العلمية والمعرفية.
كما يؤكد أن هذا المقال يندرج في إطار النقاش العام المشروع حول السياسات الجامعية، ويمثل قراءة نقدية موضوعية لبعض الضوابط المعلنة، بقصد بيان أوجه القصور أو التناقض المحتملة بينها وبين القوانين المنظمة، والدستور، والمواثيق الدولية ذات الصلة، إيمانًا بأن النقد المسؤول شرط أساسي للإصلاح، لا نقيضًا له.
ذاكرة التاريخ حين تعود بلا ضجيج..
في خمسينيات القرن الماضي، لم تبدأ حركة تقييد الحريات الأكاديمية في الولايات المتحدة الأمريكية بإغلاق الجامعات، ولا باعتقال الأساتذة، ولا بمنع الكتب.
بدأت – على العكس تمامًا – بوثائق ناعمة، حملت عناوين جذابة: الأخلاق، الولاء، المسؤولية، النزاهة.
ثم تحولت تلك الوثائق، تدريجيًا، إلى أدوات ضبط، وإلى مناخ عام من الشك، انتهى بما عُرف تاريخيًا بـ المكارثية الأكاديمية.
ليس استدعاء هذه التجربة من باب المقارنة التعسفية، ولا من باب الإثارة الخطابية، بل من باب التذكير بحقيقة بسيطة: تقييد الحرية الأكاديمية لا يبدأ بالقمع الصريح، بل يبدأ غالبًا بلغة أخلاقية فضفاضة، وبنصوص مطاطة، وبسلطات غير محددة بدقة.
ومن هذا المنظور تحديدًا، تكتسب التعليمات المنسوبة إلى المجلس الأعلى للجامعات بشأن أخلاقيات استخدام أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة لوسائل التواصل الاجتماعي أهميتها وخطورتها في آن واحد.
فالقراءة المتأنية لهذه البنود تكشف أننا لا نواجه مجرد “مدونة سلوك” أخلاقية بالمعنى المهني الضيق، بل نصًا واسع النطاق، يتجاوز حدود التنظيم الوظيفي داخل الجامعة، ويمتد – صراحة أو ضمنًا – إلى الحياة العامة والخاصة للأستاذ الجامعي، وإلى حقه كمواطن في التعبير، والنقاش، والمشاركة في المجال العام.
الأكثر إشكالية أن هذه التعليمات تُطرح في سياق غير واضح من حيث:
**الجهة التي صاغتها فعليًا،
**الأساس القانوني الذي استندت إليه،
**وحدود الإلزام والعقاب المرتبطة بها،
وهو ما يفتح الباب لسؤال جوهري لا يمكن تجاهله:
هل نحن أمام تنظيم إداري مشروع، أم أمام توسع غير مبرر في سلطة الضبط على حساب استقلال الجامعة والحريات الأكاديمية؟
هذا المقال لا يقدّم إجابة جاهزة، ولا يرفع شعارات، بل يسعى إلى تفكيك هذه التعليمات بهدوء، ووضعها في سياقها القانوني والدستوري والتاريخي، والتمييز بين ما هو أخلاقي مشروع، وما هو إداري متجاوز، وما قد ينقلب – بحسن نية أو بغيرها – إلى قيد على جوهر الفكرة الجامعية نفسها.
من الأخلاق المهنية إلى الضبط التوسعي: قراءة في بنية التعليمات..
إذا جُرّدنا النص الصادر عن المجلس الأعلى للجامعات من لغته التطمينية، ومن مفرداته الأخلاقية العامة، وقرأناه قراءة تحليلية هادئة، فسيتضح سريعًا أننا لسنا أمام وثيقة متجانسة، بل أمام ثلاثة أنماط مختلفة من البنود جُمعت في نص واحد، دون تمييز واضح بين طبيعتها أو مشروعيتها أو حدودها.
وهذا الخلط – في حد ذاته – هو أول أوجه القصور.
أولًا: بنود أخلاقية عامة لا خلاف عليها..
تتضمن الوثيقة عددًا من البنود التي يمكن وصفها بأنها مبادئ أخلاقية عامة، مثل:
**رفض خطاب الكراهية،
**نبذ التنمر والتمييز،
**احترام الملكية الفكرية،
**تجنب نشر الأخبار الكاذبة أو الشائعات.
وهذه البنود، في حقيقتها، ليست جديدة، ولا تمثل إشكالًا قانونيًا أو أكاديميًا، لأنها: محكومة أصلًا بالقانون العام،
وتندرج ضمن قواعد المسؤولية الجنائية والمدنية،
ولا تختص بها الجامعة دون غيرها من مؤسسات المجتمع.
بمعنى أدق:
الأستاذ الجامعي لا يحتاج إلى تعليمات خاصة ليُمنع من السبّ أو التحريض أو الكراهية؛ لأنه مواطن يخضع للقانون مثل غيره.
حتى هذه النقطة، لا يوجد خلاف حقيقي.
ثانيًا: بنود إدارية فضفاضة تتحول إلى سلطة تأويل..
الإشكال الحقيقي يبدأ حين ننتقل إلى مجموعة أخرى من البنود، تستخدم مفردات مثل:
**الإساءة إلى سمعة الجامعة..
**ما يتعارض مع سياسات الجامعة وقيمها..
**المحتوى غير اللائق..
**تداخل الحياة الجامعية والشخصية.
هذه المفردات، رغم جاذبيتها الظاهرية، هي مصطلحات مطاطية، لا تعريف قانونيًا دقيقًا لها، ولا معايير موضوعية لقياسها.
وهنا يطرح السؤال الخطير: من الذي يحدد متى يكون النقد إساءة؟
ومن الذي يقرر أن رأيًا أكاديميًا ما “يسيء لسمعة الجامعة”؟
وهل السمعة تُحمى بالصمت أم بالنقاش المفتوح؟
في هذا المستوى، تتحول الوثيقة من إطار أخلاقي إلى أداة ضبط محتملة، لا بفعل نصوص العقاب الصريح، بل بفعل سلطة التأويل غير المحدودة.
وهنا تحديدًا تبدأ الملامح الأولى لما يشبه المناخ المكارثي:
ليس لأن النص يمنع، بل لأنه يجعل الأستاذ يتوقع المنع.
ثالثًا: بنود تمس الحياة الخاصة وتكسر الفاصل بين المواطن والوظيفة..
الأخطر في الوثيقة هو انتقالها الصريح إلى تنظيم:
**ما ينشره الأستاذ خارج نطاق عمله،
**طبيعة تواصله،
**حساباته الشخصية،
**إنتاجه المعرفي حتى لو كان مجانيًا،
وحتى الفصل القسري بين حياته الجامعية وحياته الشخصية على الفضاء الرقمي.
هنا نخرج تمامًا من نطاق التنظيم الوظيفي، وندخل إلى إدارة الحياة الخاصة.
والسؤال هنا ليس أخلاقيًا بل قانوني:
بأي سند تُنظَّم الحياة الخاصة للأستاذ الجامعي؟
وبأي منطق يُعامل كموظف دائم، حتى خارج وقت العمل؟
هذا النمط من الضبط لا ينسجم مع فكرة الجامعة الحديثة، بل مع تصور أقدم: الجامعة كجهاز إداري، لا كمجتمع علمي حر.
حين تتجاوز التعليمات حدودها: الاشتباك القانوني والدستوري..
لا تكتمل أي قراءة جادة للتعليمات الصادرة عن المجلس الأعلى للجامعات دون وضعها في إطارها القانوني الصحيح. فالمسألة هنا لا تتعلق بذوق أو موقف أو اختلاف رؤى، بل بسؤال واضح ومباشر:
هل يملك المجلس الأعلى للجامعات، قانونًا، سلطة إصدار مثل هذه الضوابط؟ وبأي حدود؟
أولًا: المجلس الأعلى للجامعات – هيئة تنسيقية لا سلطة ضبط..
وفق قانون تنظيم الجامعات، فإن المجلس الأعلى للجامعات:
هيئة تنسيقية واستشارية،
تختص بوضع السياسات العامة للتعليم العالي، وتنسيق الخطط بين الجامعات.
لكن القانون لا يمنحه صراحة: سلطة ضبط سلوك أعضاء هيئة التدريس خارج العمل، ولا سلطة تقييد حرية التعبير،
ولا سلطة تنظيم الحياة الخاصة أو النشاط العام للأساتذة.
وهنا تظهر فجوة جوهرية:
التعليمات محل النقاش تتصرف كما لو أن المجلس سلطة ضبط وتأديب شاملة، بينما موقعه القانوني لا يؤهله لذلك.
وبلغة قانونية دقيقة:
ما لا يملكه القانون صراحة، لا يجوز التوسع فيه بالتفسير.
ثانيًا: التعارض مع مبدأ استقلال الجامعة..
ينص قانون تنظيم الجامعات، صراحة وضمنًا، على:
استقلال الجامعات أكاديميًا، واستقلال أعضاء هيئة التدريس في البحث والتدريس والتعبير العلمي.
لكن التعليمات المطروحة:
تُخضع النشاط الفكري العام للأستاذ لموافقة مسبقة،
وتربط التعبير عن الرأي بمعايير “السمعة” و“الصورة” و“الملاءمة”،
وتسمح بالتدخل الإداري في محتوى لا يُنشر باسم الجامعة أصلًا.
وهنا نكون أمام مفارقة صارخة:
كيف تستقيم فكرة استقلال الجامعة، إذا كان أستاذها خاضعًا للرقابة في المجال العام؟
الجامعة لا تكون مستقلة حين تُدار بالتصاريح،
ولا تكون حرة حين يخشى أساتذتها التعبير.
ثالثًا: التعارض مع الدستور المصري..
من زاوية دستورية، تثير هذه التعليمات إشكاليات واضحة تتصل بـ:
**حرية الرأي والتعبير،
**حرية الفكر والإبداع،
**مبدأ المشروعية (لا قيد بلا سند قانوني).
فالدستور المصري يكفل للمواطن:
**حق التعبير بالقول والكتابة والنشر،
ما لم يشكل ذلك جريمة يعاقب عليها القانون.
والأستاذ الجامعي لا يفقد صفته كمواطن عند تعيينه،
ولا تتحول صفته الوظيفية إلى مبرر لتقييد حقوقه الدستورية.
وبالتالي، فإن: إخضاع التعبير العام لتقدير إداري فضفاض، هو قيد غير دستوري مهما حسنت النوايا.
رابعًا: التعارض مع المواثيق الدولية للحريات الأكاديمية..
تؤكد المواثيق الدولية الصادرة عن:
اليونسكو،
ومنظمات التعليم العالي العالمية،
أن:
**الحرية الأكاديمية تشمل حق الأستاذ في التعبير خارج المؤسسة،
**وأن الجامعة لا تتدخل في الآراء السياسية أو الاجتماعية لأعضائها،
**وأن أي قيد يجب أن يكون محددًا، ومبررًا، وضروريًا، ومتناسبًا.
لكن التعليمات محل النقاش:
**غير محددة،
**غير متناسبة،
**وتفتح الباب لعقوبات غير منصوص عليها.
وهنا نصل إلى خلاصة لا يمكن القفز عليها:
هذه التعليمات، بصيغتها الحالية، لا تنسجم مع الإطار الدولي المتعارف عليه لاستقلال الجامعات.
من النص إلى المناخ: كيف تُنتج التعليمات مكارثية أكاديمية جديدة؟
المكارثية، في صورتها التاريخية، لم تكن مجرد قوانين قمعية، ولا قرارات تأديب جماعية، بل كانت – قبل كل شيء – مناخًا عامًا.
مناخًا لا يحتاج إلى المنع الصريح، لأن الخوف يتكفل بالباقي.
مناخًا لا يطارد الأستاذ بعد أن يتكلم، بل يجعله يفكر ألف مرة قبل أن يتكلم.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة التعليمات الصادرة عن المجلس الأعلى للجامعات.
فهي – في أغلب بنودها – لا تقول: ممنوع.
ولا تنص صراحة على: عقوبة.
لكنها تفعل ما هو أخطر:
تزرع الشك، وتفتح باب التأويل، وتترك الأستاذ وحيدًا أمام سلطة غير محددة.
أولًا: حين تصبح الرقابة ذاتية..
في ظل هذه التعليمات، لا يحتاج الأستاذ الجامعي إلى قرار تأديب كي يتراجع،
يكفيه سؤال واحد يتردد في ذهنه:
هل يمكن أن يُفهم ما أكتبه على أنه إساءة لسمعة الجامعة؟
هذا السؤال وحده كفيل بأن:
**يخفف نبرة النقد،
**يؤجل النشر،
**أو يمنع الكلام من الأساس.
وهنا لا تمارس السلطة رقابة مباشرة،
بل تنتج رقابة ذاتية،
وهي – تاريخيًا – أكثر أشكال القمع فعالية وأقلها كلفة.
ثانيًا: من الأستاذ الحر إلى الأستاذ الحذر
في النموذج الجامعي الحديث، يُفترض أن يكون الأستاذ:
**ناقدًا،
**مشاركًا في النقاش العام،
**ومساهمًا في مساءلة السياسات التعليمية.
لكن في ظل هذه التعليمات، يُعاد تشكيل الدور على نحو مقلق:
**الأستاذ المثالي هو الصامت،
**أو المتحدث بحذر،
**أو من يلتزم بالعموميات الآمنة.
وهكذا يتحول الأستاذ من:
*؟فاعل معرفي..
إلى
*؟كائن حذر..
وهذا التحول هو جوهر المكارثية، لا شكلها الخارجي.
ثالثًا: اللغة الأخلاقية كأداة ضبط..
من أخطر ما في هذه التعليمات أنها لا تستخدم لغة قانونية صارمة،
بل لغة أخلاقية عامة: القيم، السمعة، الصورة، الملاءمة.
وهذه اللغة – كما يُعلّمنا التاريخ – هي المدخل المثالي للتسييس.
لأن: القانون يُراجع ويُطعن عليه،
أما الأخلاق الفضفاضة فلا تُناقش بسهولة.
ومن هنا يصبح الاختلاف: إساءة، والنقد: تشويهًا، والمساءلة:
خروجًا عن القيم.
وهذا بالضبط ما حدث في التجربة الأمريكية في الخمسينيات،
حين تحولت الوطنية إلى معيار، ثم إلى سلاح.
رابعًا: المكارثية بلا محاكم… لكنها حاضرة..
قد يقول قائل:
لا توجد محاكم تفتيش، ولا لجان اتهام، ولا قوائم سوداء.
وهذا صحيح شكليًا.
لكن الخطأ هو الاعتقاد أن المكارثية تحتاج دائمًا إلى هذه الأدوات.
ففي صورتها الحديثة، تكفي:
**وثيقة غامضة،
*،*سلطة تفسير مفتوحة،
**وبيئة جامعية مثقلة بالضغوط.
النتيجة واحدة:
تجفيف المجال العام الأكاديمي، باسم حماية الجامعة.
خامسًا: المفارقة الكبرى..
المفارقة أن هذه التعليمات، التي يُفترض أنها تحمي صورة الجامعة، تفعل العكس تمامًا.
فالجامعة القوية: لا تخشى النقد، ولا ترتبك من اختلاف الأساتذة، ولا تحتاج إلى ضبط حساباتهم الشخصية.
أما الجامعة القلقة: فتبحث عن الصمت، وتخلط بين السمعة والسكوت، وبين الاحترام والانضباط القسري.
وهنا نصل إلى نتيجة مهمة :
الجامعة التي تُدار بالخوف، لا تنتج معرفة، بل تنتج طاعة.
الأستاذ الجامعي ليس موظف دعاية: عن الخلط بين الوظيفة والمواطنة..
من أكثر الإشكاليات خطورة في التعليمات الصادرة عن المجلس الأعلى للجامعات أنها تقوم – صراحة أو ضمنًا – على خلط جوهري بين صفتين مختلفتين:
صفة الأستاذ الجامعي بوصفه موظفًا عامًا،
وصفته بوصفه مواطنًا كامل الحقوق.
هذا الخلط ليس بريئًا، ولا عرضيًا، بل يقف في قلب فلسفة هذه التعليمات.
أولًا: الوظيفة لا تبتلع المواطنة..
لا خلاف على أن الأستاذ الجامعي، أثناء:
أداء مهامه التدريسية،
أو تمثيله الرسمي للجامعة،
أو إدارته لشأن أكاديمي داخلي،
يخضع لقواعد تنظيمية واضحة، شأنه شأن أي وظيفة عامة.
لكن الإشكال يبدأ حين تمتد هذه القواعد:
إلى حساباته الشخصية،
إلى آرائه العامة،
إلى مشاركته في النقاش المجتمعي خارج إطار التكليف الوظيفي.
هنا نكون أمام تصور خطر: أن الوظيفة تبتلع المواطنة،
وأن اللقب الأكاديمي يظل ملتصقًا بصاحبه 24 ساعة في اليوم.
وهذا تصور لا يستقيم قانونيًا ولا فلسفيًا.
ثانيًا: الأستاذ الجامعي ليس واجهة علاقات عامة..
تتعامل بعض بنود التعليمات مع الأستاذ الجامعي كما لو كان:
سفيرًا دائمًا للجامعة، أو واجهة إعلامية، أو موظف دعاية ملزمًا بالحفاظ على “الصورة الذهنية”.
لكن الجامعة ليست شركة ،والأستاذ ليس إعلانًا متحركًا.
دور الأستاذ – تاريخيًا ومعرفيًا – هو: النقد، التفكيك، إزعاج المسلمات، والمشاركة في النقاش العام، حتى لو كان هذا النقاش غير مريح.
والجامعة التي تريد أساتذة بلا إزعاج، تريد في الحقيقة جامعة بلا فكر.
ثالثًا: متى يصبح النقد “إساءة”؟
من أخطر الأسئلة التي تطرحها هذه التعليمات – دون أن تجيب عنها – هو: متى يتحول النقد إلى إساءة؟
هل حين ينتقد الأستاذ:
**سياسات تعليمية؟
**قرارات إدارية؟
**أو مناخًا جامعيًا عامًّا؟
إذا كان هذا يُعد إساءة، فنحن لا نحمي الجامعة، بل نحمي الخطأ من النقد.
والفرق جوهري.
رابعًا: الجامعة القوية لا تخاف من أساتذتها..
الجامعات الكبرى في العالم: لا تُراقب حسابات أساتذتها، ولا تطلب موافقات مسبقة على آرائهم، ولا تخلط بين الرأي الشخصي والموقف المؤسسي.
لأنها تعلم أن:
تنوع الأصوات هو مصدر قوتها، لا تهديدها.
أما الجامعة التي تخشى آراء أساتذتها، فتعلن – دون أن تدري – عن أزمة ثقة في ذاتها.
خامسًا: الخطر التراكمي الصامت..
قد تبدو هذه التعليمات – عند النظر إليها منفردة – غير قمعية.
لكن الخطر الحقيقي ليس في بند واحد، بل في الأثر التراكمي: أستاذ يتراجع عن كتابة مقال، وآخر يتجنبمنشورًا،
وثالث يلتزم الصمت.
وبعد سنوات، نجد أنفسنا أمام:
جامعة بلا نقاش عام، وبلا مساءلة، وبلا فكر نقدي حي.
وهذا هو الثمن الحقيقي.
ختاما..
لا تُبنى الجامعات بالخوف… نداء من أجل العقل والحرية.
ما يجري اليوم في الجامعات المصرية لا يمكن اختزاله في وثيقة إدارية، أو مجموعة تعليمات تنظيمية، أو نقاش فني حول وسائل التواصل الاجتماعي.
نحن، في الحقيقة، أمام اختبار جوهري لفكرة الجامعة نفسها:
هل هي فضاء حر لإنتاج المعرفة، أم جهاز إداري لإدارة الصمت؟
لقد حاول هذا المقال أن يبيّن، بهدوء متعمد وحدّة واعية، أن التعليمات الصادرة عن المجلس الأعلى للجامعات – بصيغتها الحالية – لا تحمي الأخلاق الجامعية بقدر ما تُربكها، ولا تصون سمعة الجامعة بقدر ما تُقحمها في منطق الضبط والرقابة، ولا تعزز الاستقلال الأكاديمي بقدر ما تُقزّمه.
والخطر الحقيقي هنا لا يقتصر على الأستاذ الجامعي وحده.
نعم، هذه التعليمات تهدد: أمن الأستاذ المهني، وحريته الفكرية، وقدرته على المشاركة في النقاش العام بلا خوف.
لكن الأخطر أنها تمتد، بالضرورة، إلى:
حرية الطلاب في أن يتعلموا في مناخ نقدي مفتوح،
حرية الجمهور في أن يسمع أصواتًا أكاديمية مستقلة،
وحرية المجتمع في أن يملك جامعة تفكر لا جامعة تطيع.
ولهذا، فإن الصمت ليس خيارًا بريئًا.
الصمت هنا ليس حيادًا،
بل تنازل تدريجي عن الدور التاريخي للأستاذ الجامعي بوصفه ضميرًا معرفيًا للمجتمع.
ومن هنا، يصبح من الضروري أن يدرك أساتذة الجامعات أن الدفاع عن حريتهم ليس دفاعًا عن امتياز شخصي، ولا عن حق فردي معزول، بل هو دفاع عن:
مستقبل الجامعة،
وحق الطلاب في تعليم حي،
وحق الوطن في معرفة مستقلة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للجامعة هو أن يتكيف أساتذتها مع الخوف، وأن تتحول الرقابة إلى عادة، والحذر إلى فضيلة، والصمت إلى سلوك مهني “آمن”.
فالجامعة التي يتخلى أساتذتها عن دورهم النقدي،
لا تُصادر حريتهم وحدهم، بل تُصادر حرية الأجيال القادمة.
ليس المطلوب صدامًا، ولا فوضى، ولا تجاوزًا للقانون،
بل المطلوب أمر أبسط وأعمق:
التمسك بروح الجامعة، والدفاع عنها حين تتعرض للتآكل باسم التنظيم، أو الأخلاق، أو السمعة.
لأن الجامعات لا تنهض بالتعليمات، بل بالعقول الحرة.
ولا تُحمى بالصمت، بل بالنقاش.
ولا تخدم الوطن حين تخاف، بل حين تفكر.
وهذا، في النهاية، ليس دفاعًا عن أساتذة الجامعات فقط،
بل عن حرية مصر نفسها.

