د. زهدي الشامي يكتب: الاقتصاد المصرى في ظل العدوان على إيران

العدوان الصهيوأمريكى على إيران له، بدون شك، كما يعرف الجميع، آثار وعواقب سلبية على اقتصاد دول المنطقة خصوصًا، والعالم كله عمومًا. وهى عواقب لم يكترث بها ترامب الذى انساق خلف نتنياهو فى مغامرة ومقامرة العدوان على إيران. وربما توقع، كما صورت له أوهامه، أنها مجرد عملية خاطفة أو قصيرة على شاكلة عملية فنزويلا باختطاف أو ضرب القيادة واستدعاء ثورة داخلية، وهو أمر لم يحدث كما نعرف، بل حدث بالعكس تلاحم داخلى مع النظام تم تتويجه بانتخاب المرشد الجديد مرتضى خامنئى.

وقد بدأت التداعيات تظهر منذ اليوم الأول نتيجة إغلاق مضيق هرمز الذى تمر خلاله ٢٠ فى المئة من الصادرات العالمية للنفط، ثم تأثر الإنتاج عمومًا. وفوق ذلك توقف إنتاج الغاز المسال فى قطر، التى هى منتج رئيسى، وتضررت الإمارات بقوة، وخاصة فى ظل الحظر الذى يتعرض له الغاز الروسى. وكل هذا طبعًا يؤدى لآثار مزلزلة للاقتصاد العالمى، وخاصة مع فشل خطة الضربة الخاطفة وظهور تحول الحرب إلى حرب استنزاف غير قصيرة. وفى إطار هذا ارتفعت أسعار الغاز بنسبة خمسين فى المئة، والنفط أكثر من ثلاثين فى المئة، ووصل سعر برميل النفط اليوم إلى ١١٥ دولارًا، وهو أعلى مستوى منذ سنوات. ويرى خبراء أنه فى حالة استمرار الحرب لفترة طويلة يمكن أن يصل إلى ٣٠٠ دولار، مما سيمثل، لو حدث، كارثة اقتصادية عالمية محددة.

وإذا كانت دول العالم والمنطقة ستتأثر كلها بهذا، فإن مصر تأثرت وستتأثر بدرجة أكبر من غيرها لاعتبارات معروفة.

المشكلة الرئيسية فى حالة مصر هى النموذج الاقتصادى والسياسات الاقتصادية المتبعة، والتى تجعل الاقتصاد المصرى فى وضع هش للغاية فى التعامل مع العالم الخارجى. وقد تعرضت مصر نتيجة ذلك بدرجة كبيرة لانكشاف اقتصادها مع كل أزمة عالمية، بدءًا من أزمة كوفيد، ثم أزمة حرب أوكرانيا، ثم العدوان الحالى على إيران.

فى الأعوام الأخيرة تجاوزت مصر الصدمات نتيجة ارتفاع تحويلات المصريين فى الخارج، وخاصة فى دول الخليج، ثم للأسف باستقبال تدفقات مما يسمى الأموال الساخنة، وهى الأموال التى تتخارج بسرعة عند كل أزمة. وقد تخارج منها ٢١.٥ مليار دولار تضامنًا مع الأزمة الأوكرانية. وقالت الحكومة المصرية وقتها إنها تعلمت الدرس، ولكنها عادت لاستقبال الأموال الساخنة على نطاق واسع، وبلغ رصيد مثل تلك الأموال حوالى ٤٠ مليار دولار فى نهاية العام الماضى، وها هو المسلسل السلبى يتكرر.

تدفع مصر أيضًا فاتورة مرتفعة لاستيراد الغاز نتيجة فشل السياسات الحكومية فى مجال الطاقة، وتحولت من دولة مكتفية فى الغاز بل ومصدرة إلى دولة مستوردة، حيث تستهلك أكثر من ٦ مليارات قدم مكعب فى حين لا تنتج سوى ٤.٢ مليار. وقد شهدت واردات الغاز زيادة كبيرة خلال الأشهر التسعة الأخيرة بما يصل إلى ٣.٦ مليار دولار. وتأثرت مصر أكثر نتيجة السياسات الخاطئة فى الاعتماد على الغاز الإسرائيلى، الذى سارعت إسرائيل بالإعلان عن وقف تصديره لمصر قبل أن تبدأ فى ضخ كميات بسيطة لا تتجاوز ٥٪ من التعاقدات، وهى بمثابة فائض فى إسرائيل نتيجة توقف النشاط الصناعى.

لكل هذا، وتزامنًا مع استمرار تراجع إيرادات قناة السويس، فإن الآثار ستكون أصعب، ومن الوارد فى الغالب أيضًا انخفاض تحويلات العاملين المصريين فى الخليج.

ونتيجة هذا كله كانت التداعيات الاقتصادية فى مصر خلال هذه الفترة القصيرة من الحرب أشد منها فى دول العالم الأخرى. وقد فقد الجنيه المصرى خلال تلك الأيام العشرة حوالى ٩ فى المئة من قيمته، وارتفع سعر صرف الدولار من حوالى ٤٧–٤٨ جنيهًا إلى حوالى ٥٣ جنيهًا اليوم (٥٢.٧٩ جنيه). ومن المرجح استمرار مسلسل الانخفاض. وبالمقارنة بعملات الدول الأخرى يعتبر هذا الانخفاض للعملة المصرية هو الأعلى بينها. وفى هذا السياق فمن المرجح زيادات فى الأسعار وعودة التضخم للارتفاع، بما سيحمل المصريين أعباء جديدة كبيرة هم عاجزون عن تحملها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *