د. إيهاب الطاهر يكتب: تكليف أعضاء المهن الطبية.. وضرورات المجتمع
اطلعت على اعتراض العديد من أطباء الأسنان والصيادلة والعلاج الطبيعى، على قرار لجنة التكليف الأخير الذى أفادوا بأنه سيسمح بتكليف نسبة قد لا تجاوز 50% فقط من خريجى عام 2023.
نعلم جميعا بأن قرار التكليف حسب الاحتياج قد صدر عام 2022، على أن يتم تطبيقه اعتبارا من حركة تكليف عام 2025.
كما نعلم أن هناك زيادة فى أعداد العاملين بالوزارة من بعض الفئات الطبية، مقابل وجود عجز بأعداد فئات أخرى، ونتفق مع ضرورة وضع حلول عملية لتلافى ذلك مستقبلا.
لكن علينا أن نبحث فى سبب هذه الزيادة الموجودة بأعداد بعض الفئات الطبية، هل المسئول عنها هم الخريجون أم الحكومة؟.
فى الحقيقة أن هذه الزيادات كانت نتيجة لسياسات حكومية خاطئة فى قبول أعداد ضخمة بهذه الكليات عبر سنوات طويلة سابقة دون الالتفات لصيحات التحذير المتكررة من المهتمين بالقطاع الصحى والتى بدأوا فى إطلاقها حاليا على أعداد المقبولين بكليات الطب أيضا، وبالتالى من المفترض أن تتحمل الحكومة وزر سياستها الخاطئة ولا تحملها للخريجين الجدد.
وبالنظر للشق القانونى، فإن العدالة تقتضى بأن أى نظام جديد للتكليف يبدأ تطبيقه على الطلاب الذين لم يلتحقوا بعد بالدراسة بهذه الكليات، وبالتالى فإن ما تم من إعلان لجنة التكليف عام 2022 عن تطبيق النظام الجديد عام 2025 أى بعد ثلاث سنوات فقط، قد أدى لتطبيق نظام التكليف حسب الاحتياج على بعض الطلاب الدارسين بالكليات -وقت إصدار القرار- دون البعض الآخر، وهو ما يشوبه مخالفة دستورية للتمييز بين الأقران، وبالطبع لا يجوز إصدار قرار ويتم تطبيقه بأثر رجعى، فهذا خليق بالطعن عليه أمام القضاء.
أما من الناحية الموضوعية، فدعونا ننظر للأمر من زاوية مصلحة الوطن التى يجب أن تحكمنا جميعا، وبالتالى أرى من واجبنا توضيح بعض الأمور التى قد تكون غائبة عن بعض المسئولين من صناع القرار، الذين دفعوا بحجًة قد تبدو للبعض منطقية ألا وهى تكليف من تحتاجهم المنظومة الصحية فقط.
فإن تكليف الخريجين من الكليات الطبية له أهمية قصوى للمجتمع نفسه، لأن هذا الخريج الذى تم إنفاق أموال كثيرة عليه فى التعليم، وسواء كان من ينفق فعليا على الطلاب هم أولياء الأمور أم الحكومة فالأمر سيان إذ أنها أموال المصريين التى لا يجب إهدارها، فهذا الخريج له طبيعة خاصة إذ أنه يحتاج فى بداية حياته العملية لأن يعمل ويتدرب تحت إشراف من هم أقدم منه من المتخصصين وذلك حتى يصبح مؤهلا للتعامل بمفرده مع صحة المواطنين، لكن ترك بعضهم دون تكليف قد يضطرهم للعمل منفردين دون إشراف وهذا أمر فى غاية الخطورة على المجتمع نفسه لأنه قد يؤثر سلبا على صحة المريض الذى سيتعامل معه، فالمجال الطبى لا يقتصر فقط على التعليم الجامعى ولكنه يعتمد أيضا وبشكل رئيس على التعليم والتدريب الطبى المستمر بعد التخرج، ودون ذلك قد يصبح خطراً على أرواح المرضى.
نعم ستوفر الحكومة ملايين الجنيهات بسبب عدم التكليف، ولكنها فى المقابل قد تدفع أكثر منها لعلاج سلبيات اطلاق أعضاء مهن طبية غير مؤهلين للعمل منفردين فى صحة وأرواح المواطنين.
لذلك أرى أن الطريق الأفضل ليس فى إلغاء التكليف أو تحجيمه، ولكن الحل هو فى التنسيق بين وزارة الصحة والمجلس الأعلى للجامعات من أجل ضبط أعداد المقبولين الجدد بجميع كليات القطاع الصحى حتى يتوافق مع الاحتياجات الفعلية للخريجين الجدد.
أما حديث البعض عن ضرورة استمرار زيادة أعداد المقبولين بكليات القطاع الطبى ومنها كليات الطب، استنادا لأن العديد من الخريجين سيتركون العمل بمصر ويذهبون للخارج، فهذا مبرر ليس له منطق فإذا لم يعمل الخريج ويكتسب خبرات فلن يجد له فرصة للعمل بالخارج، أما بالنسبة للأطباء فأسباب هجرتهم معروفة وحلولها أيضا معروفة وليس من بينها زيادة أعداد المقبولين بالكليات.
يا سادة:
الحل فى أن يصبح القبول بالكليات حسب الاحتياج.
وليس بأن يصبح التكليف بعد التخرج حسب الاحتياج.

