حسن البربري يكتب: عمال الدولة بين القانون والدستور… ثماني سنوات حرمان من العلاوات
لم تكن ازمة الاجور التي يعيشها العاملون في الجهاز الإداري خلال السنوات الثماني الماضية ازمة عابرة او نتيجة ظرف اقتصادي مؤقت بل كانت نتاج مسار تشريعي وتنفيذي تعامل مع الاجر باعتباره رقما يمكن التحكم فيه لا باعتباره حقا اجتماعياً مرتبطاً مباشرة بالحق في الحياة الكريمة ,فمنذ عام 2016 ومع بدء تطبيق قانون الخدمة المدنية وما تبعه من قرارات سنوية بشأن العلاوات الدورية والاستثنائية وجد ملايين العاملين في الدولة انفسهم داخل معادلة غير عادلة يتحملون فيها كلفة التضخم وارتفاع الاسعار وتراجع القوة الشرائية دون ان يقابل ذلك تحسن حقيقي ومستدام في دخولهم.
على مدار هذه السنوات لم يكن الحرمان الذي تعرض له العاملون حرماناً من قرارات مكتوبة او نصوص منشورة بل حرماناً من الاثر الحقيقي لهذه القرارات فالعلاوات التي كان من المفترض ان تحسن مستوى المعيشة وان تضاف الى الاجور بما يضمن الاستقرار تحولت في كثير من الحالات الى زيادات شكلية او مؤقتة لا تدخل في صلب الاجر ولا تبنى عليها باقي الحقوق ومع كل عام جديد كان العامل يواجه ارتفاعاً جديداً في اسعار الغذاء والسكن والطاقة والخدمات بينما يبقى دخله الحقيقي شبه ثابت او يتحرك ببطء شديد لا يواكب الواقع.
واذا ما تم النظر بتأن الى التسلسل الزمني للعلاوات المقررة للعاملين في الدولة منذ عام 2016 يتضح بجلاء ان المشكلة لم تكن في غياب العلاوة بل في فلسفة احتسابها وضمها للاجر فالعلاوات الدورية التي تراوحت نسبتها بين 17% للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية وبين 15% لغير المخاطبين انطلقت في اغلبها من اجور منخفضة فلم تحقق الاثر الاجتماعي المرجو منها كما ان العلاوات الاستثنائية التي اقرت تحت مسمى غلاء المعيشة جاءت بقيم مقطوعة فقدت معناها بسرعة ولم تشكل حماية حقيقية للاجر واليكم تسلسل العلاوات الزمنية بالجدول التالي
| السنة | نوع العلاوة | المخاطبون بقانون الخدمة المدنية | غير المخاطبين بالقانون |
| 2016 | علاوة دورية | 10 % من الاجر الوظيفي | 15 % من الاجر الاساسي |
| 2017 | علاوة دورية | 7 % من الاجر الوظيفي | 10 % من الاجر الاساسي |
| 2017 | علاوة غلاء استثنائية | لا تنطبق | 7 % من الاجر الاساسي |
| 2018 | علاوة دورية | 7 % من الاجر الوظيفي | 10 % من الاجر الاساسي |
| 2019 | علاوة دورية | 7 % من الاجر الوظيفي | 10 % من الاجر الاساسي |
| 2020 | علاوة دورية | 7 % من الاجر الوظيفي | 10 % من الاجر الاساسي |
| 2021 | علاوة دورية | 7 % من الاجر الوظيفي | 10 % من الاجر الاساسي |
| 2022 | علاوة دورية | 8 % من الاجر الوظيفي | 15 % من الاجر الاساسي |
| 2022 | علاوة غلاء استثنائية | 300 جنيه شهريا | 300 جنيه شهريا |
| 2023 | علاوة دورية | 8 % من الاجر الوظيفي | 15 % من الاجر الاساسي |
| 2023 | علاوة غلاء استثنائية | 300 جنيه شهريا | 300 جنيه شهريا |
| 2024 | علاوة دورية | 10 % من الاجر الوظيفي | 15 % من الاجر الاساسي |
| 2024 | علاوة غلاء استثنائية | 600 جنيه شهريا | 600 جنيه شهريا |
| 2025 | علاوة دورية | 10 % من الاجر الوظيفي | 15 % من الاجر الاساسي |
هذا الجدول لا يقدم مجرد سرد رقمي بل يكشف مساراًً كاملاً من ادارة ملف الاجور بالحد الادنى والاعتماد على زيادات غير تراكمية لا تضمن استقرار الدخل ولا تحمي العامل من التدهور المستمر في مستوى المعيشة فالعامل الذي يعجز عن توفير احتياجاته الاساسية من طعام وشراب وايجار وملبس وفواتير خدمات لا تعنيه نسبة تعلن في قرار رسمي بقدر ما يعنيه ما اذا كانت هذه الزيادة ستنعكس فعليا على حياته اليومية
هذا الواقع يتناقض بشكل مباشر مع نصوص الدستور المصري الذي الزم الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وضمان اجر عادل يكفل حياة كريمة كما نص على حماية حقوق العمال وبناء علاقات عمل متوازنة فالدستور لم يتحدث عن علاوات شكلية او زيادات مؤقتة بل عن حق اصيل في اجر يكفي متطلبات الحياة وفي المقابل تؤكد معايير العمل الدولية وبخاصة اتفاقيات منظمة العمل الدولية الخاصة بتحديد الحد الادنى للاجور وحماية الاجر ان الزيادة يجب ان تكون مرتبطة بتكلفة المعيشة وان تكون جزءا من الاجر الحقيقي لا منحة قابلة للزوال
من هنا تصبح المطالبة بضم العلاوات الى الاجور بصورة حقيقية وتراكمية مطالبة مشروعة تستند الى الدستور والمعايير الدولية والى واقع معاش لا يمكن تجاهله فالحرمان الذي عاشه العاملون خلال هذه السنوات لم يكن حرمانا من قرارات بل حرمانا من حياة مستقرة ومن القدرة على العيش بكرامة دون قلق دائم على الغد
ان تحسين مستوى معيشة العاملين لا يتحقق بقرارات موسمية ولا بحلول مؤقتة بل بسياسة اجور عادلة تعترف بان العامل شريك في التنمية لا عبء على الموازنة وان كرامة العمل تبدأ من اجر عادل ومستقر ومن هنا تصبح وحدة العاملين حول هذا المطلب حقاً مشروعاٍ وضرورة اجتماعية لان الحقوق لا تصان بالصمت بل بالوعي والتنظيم والدفاع عنها

