حسن البربري يكتب: حين يصبح العمل طريقا للفقر.. تقرير حكومي يفضح أزمة الأجور وساعات العمل
صدر تقرير التوظف والأجور وساعات العمل لعام 2024 في لحظة شديدة الحساسية من عمر الاقتصاد والمجتمع في مصر لحظة تتقاطع فيها أزمة المعيشة مع أزمة التشغيل ويتحول فيها العمل من كونه أداة للاستقرار الاجتماعي إلى عبء يومي لا يكفل الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي فخلال السنوات الأخيرة شهدت مصر موجات متتالية من التضخم وتراجعا حادا في قيمة العملة وارتفاعا غير مسبوق في تكاليف الغذاء والسكن والخدمات، بما أفقد الأجور معناها الحقيقي وحول الدخول النقدية إلى مجرد أرقام عاجزة عن حماية أصحابها من السقوط في دوائر الفقر أو الاقتراب الحاد منه.
في هذا السياق لا تعود بيانات التوظف والأجور مجرد جداول إحصائية بل تتحول إلى مرآة مباشرة لطبيعة النموذج الاقتصادي القائم ولموقع العمل داخله ولمدى قدرته على إنتاج حياة كريمة لا مجرد فرص تشغيل شكلية أهمية هذا التقرير تنبع من كونه يرصد جانب الطلب في سوق العمل أي رصد سلوك المنشآت الاقتصادية نفسها في التشغيل والاجور وتنظيم ساعات العمل وهو جانب غالبا ما يكون أكثر صدقا في التعبيرعن بنية الاقتصاد الفعلية من مسوح الأسر التي ترصد أوضاع الأفراد لذلك سنحاول تفكيك لما تعنيه هذه الأرقام اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا.
* ماذا يقول التقرير فعليا عن سوق العمل
يكشف التقرير أن إجمالي عدد العاملين في منشآت القطاع العام والأعمال العام والقطاع الخاص بلغ نحو 14 مليون عامل ويستحوذ القطاع الخاص وحده على ما يقرب من 13.18 مليون عامل مقابل نحو 855 ألف عامل فقط في منشآت القطاع العام والأعمال العام ,هذه البنية العددية تؤكد أن سوق العمل المصري بات شبه محكوم بالقطاع الخاص وأن أي نقاش جاد حول الأجور أو الحماية الاجتماعية أو ساعات العمل لا يمكن فصله عن خصائص هذا القطاع وهيمنته شبه الكاملة على التشغيل فعند النظر إلى التوزيع القطاعي حسب ما ورد في التقرير يتضح أن التشغيل يتركز بصورة أساسية في أنشطة منخفضة القيمة المضافة وكثيفة العمل يأتي نشاط تجارة الجملة والتجزئة وإصلاح المركبات في المقدمة بأكثر من 4.6 مليون عامل يليه نشاط الصناعات التحويلية بنحو 3.3 مليون عامل ثم أنشطة الخدمات الأخرى وخدمات الغذاء والإقامة ثم التعليم والزراعة ,هذه الخريطة تعني أن الجزء الأكبر من قوة العمل يعمل في قطاعات يغلب عليها الطابع الخدمي والتجاري والاستهلاكي وليس في قطاعات إنتاجية عالية القيمة أو كثيفة المعرفة وهو ما يضع سقفاً منخفضاً بطبيعته على مستويات الأجور الممكنة ويكرس نمطا من التشغيل منخفض الدخل بشكل واسع.
أما على مستوى الأجور فيسجل التقرير متوسط أجر شهري عام لكل عمال مصر جميعا العاملين في منشآت القطاع العام والأعمال العام والعاملين في القطاع الخاص يبلغ نحو 6336 جنيها لكن هذا المتوسط يخفي فجوة حادة بين القطاعين إذ يبلغ متوسط الأجر في منشآت القطاع العام والأعمال العام نحو 14660 جنيها شهرياً بينما لا يتجاوز في منشآت القطاع الخاص نحو 5796 جنيها لذا نجد اننا أمام سوق عمل منقسم رأسياً ليس فقط بين أنشطة بل هو بين نمطين اجتماعيين للعمل احدهم قطاع عام محدود العدد لكنه أعلى نسبياُ في الأجر والاستقرار و الاخر قطاع خاص كاسح عددياً لكنه منخفض الأجر وشديد الهشاشة.
وعندما ننتقل إلى مستوى النشاط الاقتصادي تتأكد الطبيعة غير المتوازنة للبنية الإنتاجية فنجد ان أعلى متوسطات الأجور تسجل في قطاع الوساطة المالية والتأمين ثم يليها قطاع الكهرباء والغاز ثم المعلومات والاتصالات ثم التعدين ثم التشييد والبناء وهي قطاعات محدودة نسبياً في قدرتها على امتصاص العمالة في المقابل القطاعات الأكبر تشغيلاً مثل التجارة وخدمات الغذاء وبعض الأنشطة الخدمية تقع في شرائح الأجور الأدنى هذه المفارقة تعني أن معظم العاملين يتمركزون في قطاعات منخفضة الأجر بينما تتمركز الأجور الأعلى في جزر اقتصادية صغيرة لا تعكس واقع الأغلبية العاملة.
أما ساعات العمل فيشير التقرير إلى أن المتوسط العام لعدد ساعات العمل الشهرية للعمال مصر 219 ساعة شهرياً بواقع 187 ساعة في القطاع العام مقابل 221 ساعة في القطاع الخاص هذا الفارق وحده كاشف لطبيعة العلاقة بين العمل والأجر فالقطاع الأقل أجراً هو نفسه الأعلى في كثافة ساعات العمل بل إن بعض الأنشطة تسجل أرقاماً شديدة القسوة مثل الزراعة التي تتجاوز فيها ساعات العمل الشهرية 320 ساعة وخدمات الغذاء والإقامة والفنون والنقل التي تدور حول 250 ساعة شهريا لذا نحن هنا أمام نمط تشغيل يقوم على إطالة زمن العمل لا على رفع قيمة العمل .
* القراءة الاقتصادية الاجتماعية لهذه المؤشرات
عند وضع هذه الأرقام في سياقها الاجتماعي يتضح أن سوق العمل المصري لا ينتج دخلاً بقدر ما ينتج استنزافا فمتوسط الاجر العام لعموم عمال مصر 6336 جنيه في اقتصاد تضاعفت فيه أسعار الغذاء والخدمات والسكن خلال سنوات قليلة لا يمكن اعتباره أجرا بالمعنى الاجتماعي بل أقرب إلى بدل بقاء علي قيد الحياة وهو أجر لا يضمن له حتي الحد الأدنى من الأمان ولا يحميه من الصدمات التضخمية ولا يمكنه من التخطيط ولا الاستقرار.
الفجوة الواسعة بين أجر القطاع العام والقطاع الخاص لا تعكس فقط اختلافا في الكفاءة أو الإنتاجية بل تعكس اختلافاً في وظيفة الدولة ذاتها فالدولة رغم تقليص دورها التشغيلي لا تزال تضخ داخل قطاعها المحدود قيم أعلى نسبياً للأجور بينما تترك الأغلبية الساحقة من العمال تحت رحمة سوق خاص يقوم بشكل أساسي على خفض تكلفة العمل كمدخل رئيسي للربحية والاستمرار وبذلك يتحول القطاع الخاص من محرك تنمية إلى آلية إعادة إنتاج للهشاشة الاجتماعية.
أما الارتفاع الكبير في ساعات العمل خاصة في الأنشطة منخفضة الأجر فيكشف التقرير بوضوح أن العامل المصري يعوض ضعف الأجر ببيع المزيد من وقته وحياته ,هنا لا يعود زيادة ساعات يوم العمل مؤشراً على النشاط الاقتصادي بل على اختلال ميزان القوة داخل سوق العمل فحين يضطر العامل إلى العمل أكثر ليبقى عند نفس المستوى المعيشي أو حتى أدنى منه نكون أمام اقتصاد يقوم على امتصاص الزمن الإنساني لا على تطوير الإنتاج.
كما أن تمركز التشغيل في قطاعات التجارة والخدمات البسيطة يشير إلى أن الاقتصاد المصري بات يدور في حلقة إعادة توزيع محدودة القيمة لا في مسار إنتاجي توسعي ,هذا النمط لا يخلق طلباً حقيقياً على مهارات أعلى ولا يرفع متوسط الإنتاجية ولا يسمح بتكوين قاعدة أجرية صلبة والنتيجة الطبيعية هي سوق عمل واسع لكنه ضعيف الأجر شديد الحساسية للأزمات الاقتصادية وقليل القدرة على توليد طبقة وسطى مستقرة.
* ما الذي لا يقوله التقرير صراحة لكنه يكشفه بوضوح
رغم أن التقرير يلتزم بالصيغة الإحصائية الوصفية فإن بنيته الداخلية تكشف عدداً من الحقائق العميقة التي لا تقال مباشرة لكنها حاضرة بقوة في الأرقام ,فأول هذه الحقائق أن التشغيل في مصر لم يعد مرادفاً للخروج من الفقر فمتوسط الأجر العام ومتوسط أجر القطاع الخاص على وجه الخصوص يقعان في مستوى لا يسمح بتغطية سلة الاحتياجات الأساسية لأسرة عاملة في ظل الأسعار السائدة وبذلك فإن ملايين العاملين رغم اندماجهم في سوق العمل الرسمي داخل منشآت اقتصادية يعيشون فعلياً أوضاعا قريبة من الفقر أو داخله هذا يعني أن سوق العمل ذاته أصبح أحد مسارات إنتاج الفقر لا فقط ضحية له.
الحقيقة الثانية أن التقرير يكشف اتساع نمط العمل زمنيا كبديل عن الأجر العادل فحين ترتفع ساعات العمل في الأنشطة الأدنى أجرا فإن ذلك يدل على أن المنشآت لا تعالج أزمة الأجور برفع المقابل النقدي بل بإطالة يوم العمل وهو ما يحول العلاقة التعاقدية إلى علاقة استنزاف ويقوض أي حديث عن التوازن بين العمل والحياة أوعن شروط العمل اللائق فالعامل هنا لا يبيع مهارة أو إنتاجية بل يبيع وقتاً ممتداً من حياته ليعوض انهيار القيمة الشرائية لأجره.
الحقيقة الثالثة أن الخريطة القطاعية للتشغيل تكشف طبيعة النمو الاقتصادي نفسه فتركز العمالة في التجارة والخدمات البسيطة والغذاء وبعض الصناعات التحويلية التقليدية مقابل محدودية التشغيل في القطاعات الأعلى أجراً يعني أن الاقتصاد المصري لا يزال عاجزاً عن توليد كتلة واسعة من الوظائف الإنتاجية عالية القيمة نحن أمام اقتصاد يدير أنشطة توزيع واستهلاك أكثر مما يبني قاعدة إنتاجية متقدمة وفي مثل هذا الاقتصاد تظل الأجور محكومة بسقف منخفض وتظل فرص الترقي الاجتماعي عبر العمل محدودة.
الحقيقة الرابعة أن الفجوة بين القطاع العام والخاص لم تعد فجوة إدارية بمعني من يدير القطاع فقط بل أصبحت فجوة اجتماعية طبقية فالعامل في منشأة عامة رغم كل ما يواجهه هذا القطاع من أزمات لا يزال أقرب نسبياً إلى مفهوم الوظيفة المستقرة ذات الأجر الأعلى بينما يتحول العامل في القطاع الخاص إلى النموذج الغالب للعامل منخفض الأجر( العامل الرخيص) الممتدة ساعات عمله محدود الحماية وبذلك يصبح القطاع الخاص بصيغته الحالية ليس فقط مجال تشغيل بل مجال إعادة إنتاج للهشاشة الاجتماعية.
الحقيقة الخامسة أن غياب أي ربط في التقرير بين الأجور ومستويات المعيشة أو خط الفقر أو التضخم يجعل الأجر معزولاً عن معناه الاجتماعي فالأجر هنا رقم اسمي لا يقال لنا ماذا يساوي فعليا من غذاء أو سكن أو علاج أو تعليم وهذا الغياب ليس تقنيا فقط بل يعكس طريقة رسمية في النظر إلى العمل باعتباره متغيراً إدارياً لا علاقة له بحقوق العيش الكريم ,لكن حين نعيد نحن ربط هذه الأرقام بسياقها يظهر بوضوح أن الأجر في مصر فقد وظيفته كأداة حماية اجتماعية.
* النتائج الأساسية المستخلصة من التقرير
أول نتيجة كبرى يفرضها التقرير هي أن التشغيل في حد ذاته لم يعد كافياً لضمان الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي فالسوق قادر على استيعاب ملايين العمال لكنه غير قادر على توفير دخول تحميهم من التدهور المعيشي وهذا يعني أن السياسات التي تكتفي بخفض البطالة أو رفع معدلات التشغيل دون معالجة بنية الأجو هي سياسات تعيد إنتاج الأزمة في صورة أخرى.
النتيجة الثانية أن سوق العمل المصري يعمل حاليا كآلية ضغط على العمل لا على رأس المال فالأرقام تشير إلى أن التكيف مع الأزمات الاقتصادية يجري عبر خفض الأجر الحقيقي وإطالة ساعات العمل وتوسيع التشغيل منخفض القيمة وليس عبر رفع الإنتاجية أو إعادة هيكلة الأنشطة أو نقل العبء إلى الأرباح أو الريع وفي هذا النموذج يتحمل العامل العبء الأكبر من الاختلالات الاقتصادية.
النتيجة الثالثة أن الفجوة بين قطاعات الاقتصاد تتحول تدريجيا إلى فجوة في شروط الحياة فوجود قطاعات صغيرة ذات أجور مرتفعة نسبياً لا يعوض حقيقة أن الكتلة الأكبر من العمالة متمركزة في قطاعات منخفضة الأجر وهو ما يعني أن النمو حتى حين يتحقق في بعض الأنشطة لا يترجم إلى تحسن عام في أوضاع العمل بل إلى تعميق التفاوت داخل الطبقة العاملة نفسها.
النتيجة الرابعة أن إطالة ساعات العمل لم تعد استثناء أو موسمية بل أصبحت سمة اساسية في قطاعات كاملة وهذا يشير إلى أن الاقتصاد المصري يتجه إلى نموذج يعتمد على تكثيف الزمن لتعويض انخفاض وضعف الاجر وهو نموذج له آثار اجتماعية خطيرة على الصحة الجسدية والنفسية وعلى العلاقات الأسرية وعلى الاستقرار المجتمعي وعلى القدرة طويلة المدى للقوة العاملة.
النتيجة الخامسة أن غياب مفهوم الأجر العادل عن البنية العامة لسوق العمل يقوض أي حديث عن العدالة الاجتماعية أو التنمية البشرية فحين يصبح الأجرعاجزاً عن أداء وظيفته الأساسية وهي تمكين العامل من إعادة إنتاج حياته وحياة أسرته فإن العمل نفسه يفقد معناه كمسار للترقي الاجتماعي ويتحول إلى مجرد آلية للبقاء الهش.
الخلاصة
إن تقرير التوظف والأجور وساعات العمل لعام 2024 لا يقدم فقط صورة احصائية لسوق العمل بل يضعنا أمام تشريح واضح لنموذج اقتصادي يقوم على التشغيل الواسع منخفض القيمة والأجور المتآكلة وساعات العمل الممتدة والفجوة المتزايدة بين قطاعات محدودة محمية وأغلبية واسعة مكشوفة فالتقرير يكشف أن أزمة العمل في مصر لم تعد أزمة بطالة فقط بل أصبحت أزمة جودة تشغيل وأزمة أجرو أزمة ساعات عمل طويلة وأزمة معنى ,وعليه فإن أي سياسات جادة تنطلق من هذا التقرير او تستند اليه يجب ألا تتوقف عند حدود خلق فرص العمل بل أن تنتقل إلى سؤال أعمق أي عمل نخلقه ؟ ولمن ؟ وبأي أجر؟ وبأي شروط ؟ ولصالح أي نموذج تنموي؟.

