تقرير منظمة العمل الدولية 2026: تحديات مستمرة في الحقوق النقابية وارتفاع عمالة الأطفال وتحذيرات من العمل الإجباري

كتب – أحمد سلامة

أصدرت منظمة العمل الدولية تقرير لجنة الخبراء لعام 2026 بشأن تطبيق معايير العمل الدولية في مصر، كاشفًا عن مجموعة من التحديات الهيكلية التي تواجه سوق العمل، وفي مقدمتها تقويض الحق في التنظيم النقابي، وارتفاع معدلات عمالة الأطفال، واستمرار مخاوف تتعلق بالعمل الإجباري.

وأشار التقرير إلى أن صدور قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، الذي دخل حيز التنفيذ في سبتمبر الماضي، تضمن بعض الضمانات الإيجابية، خاصة فيما يتعلق بحظر التمييز النقابي وحماية العاملين من الفصل التعسفي. إلا أن لجنة الخبراء شددت على أن هذه النصوص لا تزال بحاجة إلى تفعيل عملي يضمن تحقيق أثرها على أرض الواقع.

ورصد التقرير عدة عقبات، من بينها استمرار صعوبات تسجيل النقابات المستقلة، وتأخر الإجراءات الإدارية، وعدم تفعيل لجنة الشكاوى، فضلًا عن غياب قواعد واضحة لتمثيل النقابات في المفاوضة الجماعية، خاصة في القطاع العام. واعتبرت اللجنة أن هذه التحديات قد تقوض فعليًا الحق في التنظيم النقابي والتمثيل العادل.

كما دعت المنظمة الحكومة إلى تقديم بيانات دقيقة حول الاتفاقيات الجماعية المبرمة وعدد العمال المستفيدين منها، لضمان الامتثال الكامل لاتفاقية حق التنظيم والمفاوضة الجماعية رقم 98، التي صدّقت عليها مصر منذ عام 1954.

وفيما يتعلق بالمجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي، أشار التقرير إلى أن اختيار ممثلي اللجان النقابية المستقلة تم بشكل أحادي من قبل وزارة العمل، دون تشاور مسبق مع الأطراف المعنية. واعتبرت اللجنة أن قرار تشكيل المجلس المرتقب يمثل فرصة لإرساء معايير شفافة وعادلة للتمثيل، بما يعزز الحوار الاجتماعي ويضمن مشاركة حقيقية لكافة الأطراف.

وأكد التقرير أن التحدي الرئيسي لا يكمن فقط في وجود النصوص القانونية، بل في مدى فعاليتها وسرعة تطبيقها، مشيرًا إلى غياب بيانات تفصيلية حول عدد الشكاوى النقابية وآليات الفصل فيها، وهو ما يثير تساؤلات حول قوة الردع القانوني.

كما أثارت اللجنة مخاوف بشأن غموض الإطار القانوني المنظم للمفاوضة الجماعية، خاصة في حال تعدد النقابات داخل المنشأة، وما إذا كان النظام يسمح بالتعددية أو يميل إلى نموذج “الممثل الوحيد”، وهو ما قد يؤثر على حرية العمال في اختيار ممثليهم.

وفي محور آخر، تناول التقرير أوضاع الأطفال في مصر في ضوء اتفاقية الحد الأدنى لسن الاستخدام رقم 138، مشيرًا إلى استمرار تنفيذ خطة العمل الوطنية لمكافحة عمل الأطفال (2018–2025)، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية والتدريب المهني.

ورغم هذه الجهود، أبدت اللجنة قلقها من ارتفاع معدلات عمالة الأطفال، حيث بلغ عدد الأطفال العاملين نحو 4.2 مليون طفل، بينهم 3.7 مليون في أعمال خطرة، مع تركز الظاهرة في المناطق الريفية. واعتبرت اللجنة أن هذه الأرقام تعكس فجوة واضحة بين السياسات المعلنة والنتائج الفعلية.

كما انتقد التقرير استمرار ثغرات تشريعية، أبرزها السماح بعمل الأطفال من سن 12 عامًا في بعض الأعمال الخفيفة، داعيًا إلى تعديل القوانين بما يتماشى مع المعايير الدولية، وتعزيز الحماية من أسوأ أشكال عمل الأطفال، بما في ذلك الاتجار والاستغلال الجنسي.

وأشار التقرير إلى أن حملات التفتيش نجحت في الوصول إلى أكثر من 81 ألف طفل، إلا أنه شدد على ضرورة توفير بيانات دقيقة بشأن الانتهاكات والعقوبات، لتعزيز فعالية الردع وتقييم الأداء المؤسسي.

كما لفت إلى ضعف التنسيق المؤسسي في مواجهة أسوأ أشكال عمل الأطفال، مؤكدًا ضرورة التعامل مع الأطفال باعتبارهم ضحايا لا جناة، بما يتوافق مع المعايير الدولية.

وفيما يتعلق بالعمل الإجباري، حذّرت لجنة الخبراء من استمرار بعض الممارسات التي قد تندرج تحت هذا الإطار، خاصة في مراكز الإصلاح والتأهيل. ورغم تأكيد الحكومة أن العمل يتم بشكل اختياري وبمقابل مادي، شددت اللجنة على أن معيار التوافق مع الاتفاقيات الدولية لا يرتبط فقط بطبيعة العمل، بل بالسياق الذي يُفرض فيه.

وأكد التقرير أن فرض العمل كعقوبة على التعبير عن الرأي أو المشاركة في إضرابات يُعد انتهاكًا لاتفاقية إلغاء العمل الجبري رقم 105، داعيًا إلى مراجعة بعض مواد قانون العقوبات التي قد تتيح تطبيق مثل هذه العقوبات دون اشتراط وجود عنف.

ودعت منظمة العمل الدولية الحكومة المصرية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة تشمل مراجعة التشريعات، وتبسيط إجراءات تسجيل النقابات، وتعزيز الشفافية في البيانات، وضمان التطبيق الفعلي للقوانين، بما يحقق الامتثال الكامل للاتفاقيات الدولية.

واختتمت اللجنة تقريرها بالتأكيد على أهمية استمرار التعاون مع الحكومة المصرية، مشددة على أن حماية حقوق العمل، وتعزيز الحوار الاجتماعي، والقضاء على عمالة الأطفال والعمل الإجباري، تمثل ركائز أساسية لتحقيق التنمية المستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *