إسلام الكلحي يكتب: لا.. لأنك أنثى

هذه الرسالة التي تلقتها الصحفية آلاء سعد، من أحد فنادق مدينة بورسعيد، والذي يرفض تسكينها فقط لأنها امرأة وبمفردها.

حاولت آلاء – وفق ما روت عبر حسابها على فيسبوك – تقديم شكوى لوزارة السياحة والآثار – عبر الخط الساخن – إلا أنها لم تُمكن من ذلك، وعُد اتصالها طلبا للاستعلام عما إن كان الفندق يسمح بتسكين نساء بمفردهن أم لا مع إخبارها بأن الأمر “شأن داخلي للفندق” وليس تمييزا قائما على النوع الاجتماعي! فاضطرت تحمل عناء الانتقال إلى محافظة بورسعيد، حيث حررت  محضرا واستمعت النيابة لأقولها قبل إحالة القضية للمحاكمة وفي انتظار الحكم النهائي.

الإشكالية أن آلاء ليست الأولى؛ وطريقة التعاطي مع محاولاتها للشكوى ضد الفندق يؤكد أنها لن تكون الأخيرة، فهناك تصالح من السلطة – فيما يبدو – مع نظرة سائدة في المجتمع ترى أن المرأة قاصر في كافة أنشطة الحياة وبحاجة دائما لتكون في ظل رجل! لذا لم تحرك أجهزتها ساكنا لإنصاف امرأة تعرضت للتمييز على أساس الجنس. 

وستبقى سياسة منع المصريات من الإقامة بمفردهن التي تنتهجها كثير من الفنادق في مصر مستمرة طالما السلطة تغض الطرف عنها ولا تتخذ خطوات فورية لمنعها وضمان تطبيق المادة 53  من الدستور التي تشدد على أن “المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة”، لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو غيره. وفي هذه المسألة بالتحديد ضمان تطبيق المادة 13 من اللائحة التنفيذية لقانون المنشآت الفندقية والسياحية رقم 8 لسنة 2022، التي تلزم المنشآت السياحية والفنادق بـالسماح للمواطنين أو الأجانب بالدخول أو الإقامة في المنشأة دون تمييز بينهم بسبب الدين  أو الجنس أو لأي سبب آخر.

وتنص المادة 161 مكرر من قانون العقوبات على أن يُعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن ثلاثين ألف جنيه ولا تجاوز خمسين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من قام بعمل أو بالامتناع عن عمل يكون من شأنه إحداث التمييز بين الأفراد أو ضد طائفة من طوائف الناس بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة وترتب على هذا التمييز إهدار لمبدأ تكافؤ الفرص أو العدالة الاجتماعية أو تكدير للسلم العام.

وتلك النصوص تتفق من فكرة المساواة التي يشدد عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يؤكد حق كل فرد في التمتُّع بالحقوق والحرِّيات دون تمييز بسبب الجنس أو غيره. وكذلك اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي تحظر كل تمييز ضد المرأة وتلزم الدول على إقرار الحماية القانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل، واتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص أو منظمة أو مؤسسة.

إذن المشكلة ليست في غياب النصوص القانونية ولكنها تتمثل في عدم تطبيقها ما يكرس التمييز ضد النساء بدلا من القضاء عليه.  ولعل السبب الرئيس لذلك، هو الرضوخ لضغوط ثقافة وأعراف اجتماعية سائدة تدفع الأشخاص والمؤسسات إلى تبني سياسات غير قانونية تكون النساء ضحيتها.. ففي ذات السياق نجد كثير من مُلاك الوحدات السكنية خصوصا في المناطق الشعبية يسيرون على نفس نهج الفنادق ويرفضون تأجير شقق للنساء لأن المجتمع لا يقبل أن تعيش امرأة بمفردها ومن تعيش بشكل مستقل يُنظر إليها بعين الريبة. ويُمكن القول إنها “بائعة هوى” في نظر البعض، وبالتالي كثيرات ينتقلن إلى مدن أخرى غير مدنهن للدراسة أو العمل يُحرمن من حقهن في السكن الآمن لمجرد كونهن يعشن بمفردهن.

وغالبًا ما يتجسد هذا التمييز في رفض التأجير لهن بشكل صريح، أو فرض شروط تعسفية، أو التدخل في حياتهن الخاصة، أو استغلال حاجتهن إلى السكن، ما يؤدي إلى تقليص خيارات النساء بشكل كبير، ودفع بعضهن إلى قبول أوضاع سكنية غير آمنة أو غير مناسبة، بما يمس حقهن في الأمان والخصوصية والكرامة الإنسانية، بحسب حملة “لأ، لأنك أنثى، التي أطلقتها المفوضية المصرية للحقوق والحريات، دفاعا عن حق النساء في السكن الآمن.

ولا يقتصر التمييز ضد النساء على مسألة السكن والإقامة؛ فلا يزال العنف ضد المرأة قائما، كما أن عدد النساء في مناصب اتخاذ القرار محدود أو صوري، حيث يأتي في كثير من الأحيان كمكمل تجميلي يتفق شكليا مع نصوص الدستور في المؤسسات الرسمية، ويكون في الجهات الخاصة من أجل تحسين الصورة الإعلامية. 

كما يمتد الأمر إلى الابتزاز والتشهير الرقمي، ولعل من أبرز الأمثلة ما حدث مؤخرا مع الصحفية إيمان عادل التي تعرضت لحملة تحريض وتشويه شملت تداول صورها الخاصة دون موافقتها، ونشر روايات مسيئة تمسّ سمعتها ومكانتها المهنية والاجتماعية، بل ووصل الأمر إلى حد المطالبة بعدم منح أبناء المصريات الجنسية المصرية؛ ذلك المكسب الذي تحقق في العام 2004 بعد نضال طويل خاضته نسويات ومنظمات حقوقية ونسائية من أجل تحقيقه.. كل هذا بسبب مناشدة إنسانية نشرتها الزميلة طالبت فيها بتمكين زوجها السابق ووالد طفلها، الصحفي السوري سامر مختار، من تجديد إقامته ليبقى إلى جانب ابنه الصغير المصري الجنسية، لكن بعد وعد بتجديد إقامته رُحل سامر فجأة من مصر دون أن يتمكن من توديع طفله.  واستمرت الحملة ضد إيمان.

أيضا هناك تفاوت في الأجور بين النساء والرجال انطلاقا من معتقد راسخ لدى المجتمع بأن “التزامات المرأة أقل” وراتبها مكمل لراتب الزوج/ الأب، وأن الرجل لديه مسؤوليات كثيرة ويعول آخرين بالتأكيد حتى لو كان أعزبا! أو بصدد بناء مستقبله، وكأن المرأة ليس من حقها  الادخار من أجل تأمين مستقبلها هي الأخرى. وهنا يجب الإشارة إلى أن مصر احتلت المرتبة 139 من بين 148 دولة، في تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، لتصبح ضمن أسوأ عشر دول عالميًا من حيث اتساع الفجوة في العدالة بين الجنسين.

إذن المشكلة عميقة وجذرية فالأمر لا يقتصر على عدم تطبيق نصوص دستورية وقانونية تؤكد المساواة بين الرجل والمرأة، بل تشمل تجاهل أصوات نساء يشكين من التمييز والعنف، إلى جانب تعرض منظمات المجتمع المدني التي تتبنى قضايا حقوق المرأة إلى تضييقات عديدة تحد من قدرتها على القيام بدورها في الضغط والتوعية والرقابة المستقلة. 

في النهاية، قضية آلاء سعد ليست حادثة فردية بقدر ما هي مرآة لواقع أوسع تعيشه كثير من المصريات.. فالمساواة مع الرجل لا تتحقق بالنصوص وحدها بل بإرادة حقيقية لتطبيقها وتحقيقها في شتى المجالات، وسعي جاد من أجل تيسير حصول النساء على كافة حقوقهن وتغيير الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة من أجل مجتمع لا يميز بين الرجال والنساء ويعترف بحق المرأة في الاستقلال والعيش بكرامة كاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *