ورقة بحثية لدار الخدمات تحذر: العدالة المناخية تبدأ بحماية العمال.. والإجهاد الحراري خطر مهني متصاعد يهدد عمال مصر
كتب – أحمد سلامة
حذرت ورقة بحثية بعنوان «العدالة المناخية تبدأ بحماية العمال»، أصدرتها دار الخدمات النقابية والعمالية، من تنامي مخاطر الإجهاد الحراري على العمال في مصر، معتبرة أن ارتفاع درجات الحرارة وتزايد موجات الحر لم يعدا مجرد ظاهرة مناخية موسمية، وإنما تحولا إلى خطر مهني مباشر يمس الحق في العمل الآمن واللائق، خصوصًا بالنسبة للعاملين في المواقع المكشوفة والوظائف التي تتطلب مجهودًا بدنيًا مرتفعًا.
وتتناول الورقة، التي ترصد التأثيرات الصحية والاقتصادية والاجتماعية لتصاعد درجات الحرارة، أوضاع العمال في قطاعات الزراعة والتشييد والبنية التحتية والطاقة والخدمات البلدية وغيرها من الأعمال التي يتعرض أصحابها لفترات طويلة للحرارة وأشعة الشمس، مشيرة إلى أن مخاطر الإجهاد الحراري تتضاعف مع ارتفاع الرطوبة، وشدة المجهود، وطول ساعات العمل، ونقص مياه الشرب، وغياب الظل والتهوية وفترات الراحة المناسبة.
وأوضحت الورقة أن الإجهاد الحراري يبدأ بأعراض قد تبدو بسيطة، مثل العطش والدوخة والإرهاق والجفاف والتشنجات العضلية، لكنه قد يتطور إلى الإغماء وضربة الشمس، وهي حالة طبية طارئة يمكن أن تهدد حياة العامل.
وبحسب تقديرات منظمة العمل الدولية الواردة في الورقة، يرتبط الإجهاد الحراري بنحو 22.85 مليون إصابة مهنية سنويًا حول العالم، ونحو 19 ألف حالة وفاة، فيما يتعرض أكثر من 2.4 مليار عامل وعاملة، بما يعادل نحو 71% من القوة العاملة العالمية، لمستويات مفرطة من الحرارة أثناء العمل.
وتشير الورقة إلى أن العاملين في البيئات الداخلية سيئة التهوية، إلى جانب العاملين في الزراعة والبناء وخدمات التوصيل والصناعات الاستخراجية، يواجهون مستويات مرتفعة من المخاطر، خصوصًا في الدول والمناطق التي ترتفع فيها درجات الحرارة وتعتمد بصورة كبيرة على العمل اليدوي.
وترى الورقة أن مصر تواجه وضعًا أكثر حساسية في ظل تزايد موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب اتساع نطاق الأعمال التي تُنفذ في المواقع المفتوحة.
وتلفت إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعد من أكثر المناطق تعرضًا لمخاطر الحرارة الشديدة والتصحر والإجهاد المائي، بينما أصبحت مصر تشهد موجات حر أطول وأكثر تكرارًا وشدة مقارنة بالمعدلات المعتادة، بالتزامن مع تزايد تأثيرات الجزر الحرارية في المدن الكبرى نتيجة التوسع العمراني وتراجع المساحات الخضراء.
وتستشهد الورقة بقرار محافظة الأقصر وقف تشغيل عمال النظافة الميدانيين خلال ساعات الذروة الحرارية، من الساعة 11 صباحًا وحتى 5 مساءً، حتى منتصف سبتمبر 2026، باعتباره نموذجًا لإجراءات التكيف المحلية، لكنها ترى أن مثل هذه الإجراءات تحتاج إلى إطار وطني يربط تنظيم العمل بمستويات الخطر الحراري والإنذار المبكر.
وتكشف الورقة عن فجوة مهمة في الإحصاءات الرسمية المصرية، إذ لا يوجد تصنيف مستقل للإجهاد الحراري أو الإنهاك الحراري أو ضربات الشمس المرتبطة بالعمل.
وتشير إلى أن بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تتضمن إصابات تحت تصنيف «التعرض أو ملامسة حرارة غير مناسبة»، مع ارتفاع هذه الإصابات بنسبة 2.7% خلال عام 2023 مقارنة بالسابق، لكنها تؤكد أن هذا المؤشر لا يقيس بصورة مباشرة حالات الإجهاد الحراري المرتبطة بالعمل.
وترى الورقة أن تسجيل الحالات تحت تصنيفات عامة يجعل من الصعب تحديد الحجم الحقيقي للمشكلة، ورصد تطورها جغرافيًا وقطاعيًا، كما يحد من قدرة الدولة والنقابات والباحثين على وضع سياسات وقائية تستند إلى بيانات دقيقة.
وتزداد المشكلة، بحسب الورقة، مع اتساع حجم العمالة غير المنتظمة وغير الرسمية، التي بلغت نحو 28.5% من إجمالي المشتغلين في 2024 وفق بحث القوى العاملة السنوي، وهي فئات قد لا تظهر إصاباتها ووفياتها المرتبطة بالحرارة بصورة كاملة في قواعد البيانات الرسمية.
وتقدم الورقة حالة وفاة العامل أحمد عبد المقصود، البالغ من العمر 25 عامًا، في مايو 2026، أثناء عمله بأحد مشروعات الطاقة الشمسية في قرية الرقبة بمحافظة أسوان، باعتبارها نموذجًا للمخاطر التي يواجهها العمال في مواقع العمل المكشوفة.
ووفق الورقة، وقعت الوفاة في ظل ظروف مناخية قاسية بلغت فيها درجات الحرارة نحو 48 درجة مئوية في الظل، فيما تعرض سبعة عمال آخرين لحالات إغماء خلال ساعات الذروة الحرارية.
وأشارت إلى أن الواقعة دفعت العمال إلى تنظيم وقفة احتجاجية داخل موقع المشروع للمطالبة بوقف العمل خلال فترات الحر الشديد، وتوفير مياه الشرب والعيادة الطبية وتحسين إجراءات السلامة والصحة المهنية والأجور.
وتعتبر الورقة أن الواقعة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها حادثًا فرديًا، وإنما باعتبارها مؤشرًا على مخاطر أوسع تواجه العمال في مواقع العمل المكشوفة، خاصة العاملين لدى المقاولين من الباطن أو في أشكال العمل غير المستقرة.
وتكتسب الواقعة أهمية إضافية، بحسب الورقة، لوقوعها داخل مجمع بنبان للطاقة الشمسية في أسوان، الذي حصل على جائزة البنك الدولي كأفضل مشروع على مستوى العالم لعام 2018، باعتباره نموذجًا للشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص في إنتاج الطاقة النظيفة.
وتطرح الورقة، في هذا السياق، تساؤلًا حول مدى ارتباط مشروعات التحول إلى الاقتصاد منخفض الكربون بمفهوم «الانتقال العادل»، مؤكدة أن خفض الانبعاثات لا يكفي وحده لاعتبار الانتقال عادلًا، ما لم يترافق مع توفير ظروف عمل آمنة وحماية العمال من المخاطر المناخية.
ولا تقتصر تداعيات الإجهاد الحراري على صحة العمال، وفق الورقة، وإنما تمتد إلى الإنتاجية والدخل والاستقرار الاقتصادي للأسر.
وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي بحلول عام 2030 إلى فقدان أكثر من 2% من إجمالي ساعات العمل عالميًا، سواء نتيجة صعوبة العمل في درجات الحرارة المرتفعة أو اضطرار العمال إلى خفض وتيرة العمل.
أما في مصر، فتقدر المنظمة أن الإجهاد الحراري قد يؤدي بحلول عام 2030 إلى فقدان نحو 0.24% من إجمالي ساعات العمل، بما يعادل نحو 134 ألف وظيفة بدوام كامل، مع تركز التأثير في قطاعات الزراعة والصناعة والتشييد والخدمات.
وتحذر الورقة من أن هذه الخسائر تضرب العمالة اليومية وغير المنتظمة بصورة خاصة، إذ يعني تقليص ساعات العمل أو التوقف عنه خلال موجات الحر انخفاضًا مباشرًا في الدخل، بينما يمكن أن تؤدي الإصابات الخطيرة إلى تكاليف علاجية إضافية أو فقدان القدرة على العمل.
وترى الورقة أن مصر تمتلك أساسًا تشريعيًا عامًا لحماية العمال من مخاطر بيئة العمل، إلى جانب قواعد تتعلق بالتعرض للحرارة، من بينها قرار وزير القوى العاملة والهجرة رقم 211 لسنة 2003، الذي يتضمن اشتراطات واحتياطات للوقاية من المخاطر المهنية وقواعد تتعلق بالتعرض للحرارة وفترات الراحة وفقًا لدرجة الحرارة وعبء العمل.
لكن الورقة تعتبر أن مرور أكثر من عقدين على وضع هذه القواعد، في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، يفرض ضرورة مراجعتها وتحديثها، خاصة أن تقييم المخاطر لا ينبغي أن يعتمد على درجة حرارة الهواء وحدها، وإنما يجب أن يأخذ في الاعتبار الرطوبة وشدة المجهود البدني والتعرض المباشر للشمس والتهوية وطبيعة الملابس وغيرها من العوامل المؤثرة في العبء الحراري.
كما تشير إلى أن وجود القواعد القانونية لا يضمن وحده توفير حماية فعلية للعمال، في ظل تحديات التفتيش والرقابة، وصعوبة الوصول إلى مواقع العمل المفتوحة وغير الرسمية، وضعف قدرة العمالة اليومية والموسمية على رفض ظروف العمل الخطرة.
وتستعرض الورقة تجارب دولية في التعامل مع الإجهاد الحراري، مؤكدة أن الاتجاه الحديث ينتقل من انتظار وقوع الإصابة إلى إدارة الخطر قبل حدوثه، عبر الإنذار المبكر وتقييم العبء الحراري وتنظيم ساعات العمل وتوفير المياه والظل والتهوية وتحديد مسؤوليات أصحاب الأعمال والجهات الرقابية.
وتشير إلى تجربة الهند التي بدأت منذ 2014 تطبيق خطط لمواجهة موجات الحر تعتمد على الإنذار المبكر والتنسيق بين الأرصاد والسلطات المحلية والقطاع الصحي وأصحاب الأعمال.
كما تستعرض تجربة الإمارات العربية المتحدة في تطبيق حظر العمل تحت أشعة الشمس خلال ساعات الذروة في أشهر الصيف، إلى جانب توفير المياه وأماكن الراحة والمظلات، مع تنفيذ حملات تفتيش وتوقيع عقوبات على المنشآت المخالفة.
وفي فرنسا، تبرز الورقة اعتماد نهج يقوم على إدراج الحرارة ضمن تقييم المخاطر المهنية وإلزام أصحاب الأعمال باتخاذ تدابير وقائية تتناسب مع مستوى الخطر.
أما جنوب أفريقيا، فتقدم نموذجًا يقوم على قواعد تنفيذية أكثر تفصيلًا، تشمل تقييم مخاطر التعرض للحرارة، وتنظيم جداول العمل والراحة، وتوفير المياه وبرامج التأقلم مع الحرارة والإسعافات الأولية.
وترى الورقة أن مصر يمكنها الاستفادة من هذه التجارب عبر تطوير نموذج وطني يجمع بين الإنذار المبكر وتنظيم العمل وتقييم المخاطر والتفتيش ومشاركة العمال.
وتؤكد الورقة أن مخاطر الحرارة لا تتوزع بصورة متساوية بين العمال، إذ يتحمل العبء الأكبر غالبًا العاملون في الوظائف المكشوفة والأعمال الشاقة، والعمالة اليومية والموسمية وغير المنتظمة، وهي الفئات الأقل قدرة على التوقف عن العمل أو المطالبة بحقوقها.
وتحذر من أن العامل الذي يعتمد على أجره اليومي قد يضطر إلى مواصلة العمل رغم الخطر الحراري، لأن التوقف يعني فقدان جزء من دخله، بما يحول تغير المناخ إلى عامل إضافي في تعميق الفقر وعدم المساواة.
ومن هنا، تربط الورقة بين حماية العمال من الإجهاد الحراري ومفهوم العدالة المناخية، معتبرة أن سياسات التكيف لا ينبغي أن تركز فقط على حماية البنية التحتية واستمرار الإنتاج، وإنما يجب أن تضمن أيضًا عدم تحميل العمال وحدهم تكلفة التغيرات المناخية من خلال فقدان الدخل أو زيادة مخاطر الإصابة والمرض.
وتقترح الورقة حزمة من الإجراءات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، في مقدمتها تحديث القواعد المنظمة للتعرض الحراري، وعلى رأسها القرار رقم 211 لسنة 2003، وإصدار دليل إجرائي مبسط للعمال وأصحاب الأعمال بشأن الوقاية من الإجهاد الحراري.
كما تدعو إلى تكثيف حملات التفتيش على القطاعات الأكثر تعرضًا، وإنشاء آلية للإنذار المبكر تربط بين هيئة الأرصاد الجوية ووزارة العمل والجهات المحلية وأجهزة السلامة والصحة المهنية، بحيث تتضمن التنبيهات مستويات الخطر والمناطق والقطاعات الأكثر تعرضًا والإجراءات الوقائية المطلوبة.
وتوصي كذلك بدراسة اعتماد مؤشرات علمية لقياس العبء الحراري، مثل مؤشر درجة الحرارة الرطبة الكروية (WBGT)، وتدريب مفتشي العمل ومسؤولي السلامة على استخدامه، وإدراج تقييم مخاطر الحرارة ضمن تقييم المخاطر المهنية.
وتشدد الورقة على ضرورة إنشاء قاعدة بيانات وطنية للإصابات والأمراض والوفيات المرتبطة بالحرارة، بحيث تشمل حالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس والإصابات الخطيرة والوفيات، مع تسجيل القطاع وموقع العمل وطبيعة المجهود والظروف المناخية التي وقعت فيها الإصابة.
كما تدعو إلى توسيع نطاق الحماية ليشمل العمالة غير المنتظمة والموسمية، وإدراج اشتراطات السلامة والصحة المهنية المتعلقة بالحرارة في عقود المقاولات والمشروعات الحكومية الكبرى.
وعلى المدى الطويل، تطالب الورقة بإدماج مخاطر الحرارة ضمن سياسات التكيف مع تغير المناخ واستراتيجيات الانتقال العادل، وصولًا إلى وضع إطار وطني متكامل لإدارة مخاطر الحرارة في أماكن العمل، يحدد مسؤوليات أصحاب الأعمال والجهات الرقابية وأدوار النقابات وممثلي العمال وآليات الإنذار والإبلاغ والتفتيش.
وتخلص الورقة إلى أن التحدي الأساسي الذي تواجهه مصر لا يتمثل فقط في غياب القواعد، وإنما في الفجوة بين وجود النصوص وقدرتها على توفير حماية فعلية في مواقع العمل.
وترى أن مواجهة الإجهاد الحراري تتطلب الانتقال من التعامل معه باعتباره خطرًا موسميًا أو ظرفيًا إلى اعتباره خطرًا مهنيًا مستمرًا مرتبطًا بالتغيرات المناخية، يستلزم منظومة متكاملة تجمع بين التشريع والوقاية والإنذار المبكر والتفتيش والرصد والتوعية ومشاركة العمال.
وتؤكد أن حماية العمال من الحرارة ليست مجرد قضية للسلامة والصحة المهنية، وإنما جزء من معركة أوسع من أجل العمل اللائق والعدالة الاجتماعية والعدالة المناخية، بحيث لا يدفع العمال وحدهم ثمن التغيرات المناخية من صحتهم وأجورهم وحياتهم.

