مشروع قانون الأسرة الجديد.. هل يحقق نظام الاستضافة مصلحة الطفل أم يثير مخاوف بشأن حمايته؟
كتبت- شيماء إبراهيم
دفعت الأنباء المتداولة بشأن اتجاه مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد إلى إقرار حق الاستضافة للطرف غير الحاضن، إيمان عبد اللاه (اسم مستعار) إلى طرق باب أحد المحامين بحثًا عن إجابة لاسئلة تؤرقها: “اذا طلب طليقي استضافة ابنتيّ، فكيف يمكنني أن ائتمنه عليهما، وهو الشخص الذي اعتاد الاعتداء عليّ وتعنيفي لسنوات قبل الطلاق؟ وما الضمانات التي تحميهما إذا امتدت إليهما أنماط العنف نفسها التي عشتها؟، ومن يضمن عودتهم لي مرة أخرى”.
لا يتعلق الأمر عند إيمان بالاعتراض على حق الأب في التواصل مع طفلتيه، وإنما بالتساؤل حول مدى كفاية الضمانات التي يتضمنها مشروع القانون لحماية الأطفال من أية انتهاك أو عنف أو اختطاف. وهي تساؤلات تضع نظام الاستضافة المقترح أمام اختبار حقيقي لقدرته على تحقيق المصلحة الفضلى للطفل، وضمان حقه في الحماية من أي انتهاك أو إيذاء قبل أي اعتبار آخر.
يقصد بالاستضافة أو الاستزارة؛ في مشروع قانون الأسرة الجديد تمكين الأب أو الطرف غير الحاضن من استضافة الطفل لفترات زمنية محددة. ويطرح النظام باعتباره بديلًا أكثر مرونة من نظام الرؤية المعمول به حاليًا، الذي يقتصر غالبًا على بضع ساعات أسبوعية داخل أماكن مخصصة للرؤية.
تخضع الاستضافة في مشروع القانون لضوابط زمنية، تشمل تحديد عدد معين من الساعات أو الأيام أسبوعيًا، وإمكانية تنظيم الاستضافة خلال العطلات الرسمية والإجازات الدراسية، إلى جانب توزيعها في الأعياد والمناسبات بالتناوب بين الوالدين، مع مراعاة عمر الطفل وحالته الصحية والتعليمية عند تحديد مدة الاستضافة.
وعن الشروط الواجب توافرها لدى الطرف المستضيف، نص مشروع القانون على توفير مكان إقامة مناسب وآمن للطفل، والالتزام بعدم تعريضه لأي خطر أو إساءة، وألا يكون قد صدر بحقه ما يمس مصلحة الطفل أو سلامته، فضلًا عن الالتزام بإعادة الطفل في المواعيد المحددة، مع مراعاة حالته النفسية والاجتماعية.
ومنح مشروع القانون المحكمة سلطة تقديرية في الموافقة على الاستضافة أو رفضها وفقًا لظروف كل حالة، مع إمكانية إلغائها إذا ثبت إساءة استخدامها أو الإخلال بشروطها، فضلًا عن توقيع الجزاءات القانونية على الطرف المخالف، مع التأكيد على أن المصلحة الفضلى للطفل تظل المبدأ الحاكم لجميع القرارات المتعلقة بالاستضافة وشؤون الأسرة.
لكن، رغم ما تضمنه مشروع القانون من شروط وضمانات لتنظيم الاستضافة، يرى خبراء أن هذه التدابير قد لا تكون كافية لضمان حماية الطفل في جميع الحالات، خاصة في النزاعات الأسرية التي تتضمن تاريخًا من العنف أو الإساءة.
ويشير هؤلاء إلى أن مشروع القانون افتقد آليات التنفيذ والرقابة الفعالة التي تُمكّن الجهات المختصة من تقييم مدى أهلية الطرف المستضيف، والتحقق من توافر بيئة آمنة للطفل، فضلًا عن متابعة تنفيذ قرارات الاستضافة والتدخل السريع عند رصد أي انتهاكات.
تروي إيمان، في حديثها، مخاوفها من أن يلجأ طليقها إلى طلب الاستضافة بدافع الكيد أو تصعيد الخلافات بينهما، وليس انطلاقًا من مصلحة طفلتيه. وتقول إنها تخشى ما قد تتعرض له ابنتاها من انتهاكات جسدية أو نفسية في حال انتقالهما للإقامة المؤقتة معه، خاصة في ظل ما تؤكد أنه تاريخ من العنف خلال فترة زواجهما.
وتشير إيمان إلى أنها تخشى أن يفتح نظام الاستضافة بابًا لجولة جديدة من الصراع بعد انتهاء إجراءات الطلاق، وأن تتحول الطفلتان إلى طرف في الخلافات القائمة بين والديهما. وتضيف أن ابنتيها تشاركانها هذه المخاوف، إذ تبديان قلقًا من قضاء فترات طويلة مع والدهما بمفردهما، وهو ما يدفعها إلى التساؤل حول الضمانات التي تكفل سلامتهما النفسية والجسدية، وآليات التحقق من توافر بيئة آمنة قبل إقرار الاستضافة.
بين الخطف والعنف الجسدي: أطفال ضحايا الخلافات الأسرية
كثيرًا ما تمتد آثار الخلافات الأسرية في مصر إلى الأطفال، الذين يصبحون الطرف الأكثر هشاشة في النزاع. ففي ظل الصراعات المتعلقة بالحضانة أو الرؤية أو النفقة، قد يتعرض بعض الأطفال لضغوط نفسية أو للاستغلال أو للعنف، كما شهدت بعض الوقائع لجوء أحد الوالدين إلى احتجاز الطفل أو الامتناع عن تسليمه للطرف الآخر، فضلًا عن تسجيل حالات اعتداء بدني أفضت في بعض الأحيان إلى الوفاة، وأخرى تتعلق باعتداءات جنسية وقعت داخل نطاق الأسرة أو بين أشخاص من الدائرة العائلية.
وتثير هذه الوقائع تساؤلات حول مدى كفاية الضمانات القانونية والإجرائية لحماية الأطفال في ظل أي نظام للاستضافة، وكيفية تقييم المخاطر المحتملة قبل منح الطرف غير الحاضن حق استضافة الطفل، بما يضمن ألا تتعارض ممارسة هذا الحق مع حق الطفل في الأمان والحماية وتحقيق مصلحته الفضلى.
وتكشف وقائع تداولتها وسائل الإعلام خلال السنوات الأخيرة عن تعرض أطفال لأشكال مختلفة من الانتهاكات في سياق النزاعات الأسرية، فعلى سبيل المثال، في 9 يونيو الجاري، أقدم أب على إنهاء حياة طفلته البالغة من العمر 13 عامًا، عقب تعرضها للضرب على خلفية خلافات أسرية بعد مغادرة الأم منزل الزوجية. وتشير تفاصيل الواقعة إلى أن الأب كان يعتقد أن ابنته تنقل أخباره إلى والدتها، ما دفعه إلى الاعتداء عليها بشكل أفضى إلى وفاتها، تحت ذريعة “التأديب”.
وفي 3 يونيو الجاري أيضًا، قضت محكمة مصرية بمعاقبة أب بالسجن المشدد لمدة 6 سنوات، وذلك لإدانته بالاعتداء على طفلته البالغة من العمر 12 عاماً بالضرب والتعذيب الوحشي حتى الموت، وذلك بسبب خلافات أسرية مع زوجته والدة الطفلة.
وفي فبراير 2024، أقدم أب على قتل طفلته البالغة من العمر 3 سنوات على إثر خلافات أسرية مع زوجته، وفي الشهر نفسه من عام 2022، أقدم عامل في الثلاثينيات من عمره، على قتل طفله، ويدعى معاذ، يبلغ من العمر 3 أعوام؛ بسبب خلافات بينه وبين طليقته.
كانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) قد كشفت في وقت سابق، أن نحو 400 مليون طفل حول العالم دون سن الخامسة والسادسة، أي ما يعادل 60% من الأطفال في هذه الفئة العمرية، يتعرضون بانتظام للعنف النفسي أو العقاب البدني داخل منازلهم. كما أظهرت تقييمات المنظمة أن ما يقارب 330 مليون طفل من بينهم يتعرضون للعقاب البدني، بما يحمله ذلك من آثار سلبية على نموهم وصحتهم النفسية والعقلية.
وفي مصر، ووفقًا للمسح السكاني الصحي لعام 2014، تعرض 93% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عام واحد و14 عامًا لأساليب تأديب عنيفة، شملت الاعتداء النفسي والعقاب البدني، بينما تعرض 43% منهم لعقاب بدني شديد.
كما أظهرت دراسة مشتركة بين المجلس القومي للطفولة والأمومة ومنظمة يونيسيف أن نحو ثلثي الأطفال تعرضوا للعنف الجسدي، فيما تعرض 78% للعنف النفسي، في حين يرى 50% من أولياء الأمور أن استخدام العنف البدني قد يكون وسيلة مقبولة لتأديب الأطفال في بعض الحالات.
وإلى جانب صور العنف التي يتعرض لها الأطفال في سياق النزاعات الأسرية، تبرز وقائع تشير إلى لجوء آباء إلى احتجاز أطفال أو اختطافهم، سواء أثناء تنفيذ أحكام الرؤية أو في سياقات الخلافات الأسرية.
ففي يونيو الجاري، حررت سيدة في العقد الثالث من العمر محضرًا بأحد أقسام الشرطة ضد طليقها، تتهمه فيه بالاعتداء عليها بالضرب وتهديدها بالقتل باستخدام سلاح أبيض، إضافة إلى احتجاز نجلهما الأكبر ومنعها من رؤيته، على خلفية دعوى خلع أقامتها أمام محكمة الأسرة.
وفي الشهر ذاته، استغاثت سيدة أخرى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، متهمة زوجها وأسرته بالاستيلاء على رضيعها البالغ من العمر ثلاثة أشهر وعدم تسليمه لها، وذلك في ظل خلافات أسرية قائمة.
كما شهد مايو الماضي، استغاثة مواطنة أخرى عبر بث مباشر على مواقع التواصل الاجتماعي، اتهمت فيه زوجها بمحاولة قتلها، والاعتداء عليها بالضرب والسحل أمام المارة، إلى جانب اصطحاب طفلها والامتناع عن إعادته إليها.
يعترف سيد نصر الدين، بأن بعض الآباء يلجأون إلى استخدام أطفالهم كورقة ضغط في الصراعات الأسرية، إلا أنه يؤكد في الوقت ذاته أن هناك أمهات يحرمن الآباء من رؤية أبنائهم بدافع الانتقام أو تصفية الخلافات الشخصية، وهو ما ينعكس سلبًا على الأطفال وعلاقتهم بأحد والديهم.
ويرى نصر الدين الذي يعمل محاسبًا ولديه طفل يبلغ من العمر 5 سنوت، أن نظام الرؤية المعمول به حاليًا لا يحقق الغاية المرجوة من الحفاظ على العلاقة بين الأب وأبنائه، واصفًا إياه بأنه “غير إنساني”، إذ يقتصر على بضع ساعات يقضيها الأب مع طفليه في مكان مخصص للرؤية وتحت رقابة مستمرة، دون أن تتاح له فرصة اصطحابهما أو ممارسة أنشطة يومية طبيعية معهما.
ويضيف أن تلك الساعات المحدودة لا تكفي لبناء علاقة أبوية حقيقية أو تكوين ذكريات مشتركة بين الأب وأطفاله، بل تجعله يشعر وكأنه “محاصر” داخل إطار زمني ومكاني ضيق، في انتظار انتهاء الموعد وعودة الطفل إلى الطرف الحاضن. ويؤكد أن الطفل يحتاج إلى علاقة طبيعية مع والده تقوم على المشاركة في تفاصيل الحياة اليومية، وليس مجرد لقاءات قصيرة ومقيدة.
وفي المقابل، لا يرفض نصر الدين وجود ضمانات تكفل حماية الطفل، مع إخضاع كل حالة لتقييم مستقل يراعي مصلحته الفضلى وظروف الأسرة، بحيث لا تتحول الاستضافة إلى أداة جديدة لتفاقم النزاع بين الوالدين، ولا يُحرم الطفل في الوقت ذاته من حقه في علاقة صحية ومتوازنة مع كلا والديه.
علاقة صحية ولكن؟
في هذا الإطار، تتناول إلهام عيداروس الناشطة النسوية ووكيل مؤسسي حزب العيش والحرية – تحت التأسيس، عددًا من النقاط الجوهرية المتعلقة بحقوق الطفل في ظل قوانين الأسرة وآليات مكافحة العنف، موضحة أن مسألة “الاستضافة” أو ما يُشار إليه أحيانًا بـ“الاستزارة” تقوم من الناحية النظرية على مبدأ وجود علاقة صحية ومستمرة بين الطفل والطرف غير الحاضن، سواء كان الأب أو الأم، وهو ما تعتبره مبدأً صحيحًا من حيث الأصل.
وتوضح في حديثها، أن الإجراءات القانونية المتعلقة بالاستضافة لا تتم بصورة تلقائية، وإنما تستلزم من الطرف غير الحاضن التقدم بطلب أو رفع دعوى قضائية للحصول على هذا الحق، وهو ما يفتح الباب أمام مسار قضائي كامل للفصل في الأمر. وتشير إلى أن للطرف الحاضن حق الاعتراض أمام القاضي، مع إمكانية تقديم أسباب قانونية لرفض الاستضافة، من بينها وجود تاريخ من العنف أو تعاطي المخدرات لدى الطرف الآخر، باعتبارها عوامل قد تؤثر على مصلحة الطفل وسلامته.
في المقابل، ترى إلهام أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في الإطار النظري لنظام الاستضافة، وإنما في الواقع العملي المتعلق بإثبات هذه الدفوع أمام القضاء، في ظل صعوبات تواجه منظومة الإثبات الحالية. وتلفت إلى أن أحد التحديات الجوهرية يتمثل في غياب قانون خاص بالعنف الأسري، وهو ما يجعل إثبات دعاوى “الطلاق للضرر” أو الإضرار بالزوجة أو الطفل أمرًا بالغ الصعوبة، ويتطلب في كثير من الأحيان مستندات وإثباتات رسمية معقدة مثل محاضر الشرطة أو ما شابه.
وتضيف أن هذا الواقع يؤدي في كثير من الحالات إلى لجوء النساء إلى الخلع أو الطلاق بالتراضي، حتى في وجود ضرر فعلي، وذلك بسبب ضعف أدوات الإثبات وصعوبة إثبات الوقائع أمام المحاكم. وتؤكد أن قانون الأسرة لا يمكن فصله عن قانون العنف الأسري، إذ إن العلاقة بينهما وثيقة، لأن إثبات العنف، سواء ضد الطفل أو ضد الطرف الحاضن، يظل الوسيلة الأساسية لإثبات وجود خطر حقيقي على الطفل في حال بقائه أو استضافته لدى الطرف غير الحاضن.
كما تشير إلى تحديات إضافية تتعلق بضعف الأدلة المتاحة في قضايا العنف الأسري، وصعوبة توثيق تاريخ من المشكلات السلوكية أو الانتهاكات داخل بعض الأسر، خاصة في الحالات التي تُفضل فيها الأسر عدم الإبلاغ الرسمي حفاظًا على الخصوصية أو تجنبًا لما قد يُنظر إليه باعتباره “فضيحة اجتماعية”، وهو ما يؤدي إلى غياب سجل رسمي يمكن الاعتماد عليه لاحقًا أمام القضاء.
وفي هذا الإطار، تدعو إلهام إلى تفعيل دور لجان حماية الطفولة باعتبارها آلية تدخل خارج نطاق أقسام الشرطة، موضحة أن قانون الطفل يتضمن بالفعل نصوصًا تنظم عمل هذه اللجان، التي يمكنها التدخل وتقديم الدعم والإرشاد وحماية الأطفال سواء في حالات النزاع أو حتى داخل الأسر المستقرة.
وتوضح أن تفعيل هذه اللجان يمكن أن يسهم في توفير ما يشبه “سبقة إثبات” أو توثيق مبكر لحالة الأسرة وما قد تشهده من مشكلات، دون الحاجة إلى اللجوء الفوري للشرطة، على أن يمكن لاحقًا الاستناد إلى تقاريرها وشهاداتها أمام القضاء في قضايا الطلاق أو النزاع على الحضانة والاستضافة.
وتخلص إلى أن رؤيتها تقوم على ضرورة الجمع بين تفعيل لجان حماية الطفولة وإقرار قانون خاص بالعنف الأسري، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان حماية حقوق الطفل وتعزيز آليات الحماية في قضايا الأحوال الشخصية.
ينص قانون الطفل المصري رقم 12 لسنة 1996، على إنشاء لجان حماية الطفولة على مستوى المحافظات والمراكز والأحياء، تكون تابعة إداريًا للمجلس القومي للطفولة والأمومة، وتختص بتلقي الشكاوى والبلاغات المتعلقة بالأطفال الذين يتعرضون للخطر، ودراسة هذه الحالات واتخاذ ما يلزم من إجراءات وقائية أو إحالتها إلى الجهات المختصة.
وتعمل هذه اللجان على التدخل في حالات تعرض الطفل للإهمال أو العنف أو الاستغلال أو التشرد أو الانحراف أو أي شكل من أشكال الخطر، كما تختص بمتابعة أوضاع الأطفال المعرضين للخطر واتخاذ التدابير اللازمة لحمايتهم.
ويجوز للجان حماية الطفولة في حالات الخطر العاجل التدخل الفوري لحماية الطفل، واتخاذ ما يلزم من إجراءات تنسيقية مع الجهات التنفيذية المختصة، بما في ذلك الشرطة أو النيابة العامة أو وحدات الشؤون الاجتماعية، كلٌ بحسب اختصاصه. كما يتيح القانون لهذه اللجان رفع التوصيات وإحالة الحالات إلى جهات التحقيق أو القضاء أو وحدات الرعاية الاجتماعية، وفقًا لطبيعة كل حالة، مع العمل على تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال وأسرهم.
انتهاك جنسي داخل نطاق العائلة
إلى جانب حالات الخطف والعنف الجسدي، يتعرض بعض الأطفال إلى التحرش الجنسي أو الاعتداء الجنسي داخل نطاق الأسرة أو من أشخاص تجمعهم بالطفل صلة قرابة أو علاقة ثقة. وتشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إلى أن مرتكبي الاعتداءات الجنسية على الأطفال لا يكونون في كثير من الأحيان غرباء عن الضحية، بل قد يكونون أحد أفراد الأسرة أو من المقربين الذين يحظون بثقة الطفل وذويه، وهو ما يزيد من تعقيد اكتشاف الانتهاكات والإبلاغ عنها. وتؤكد تقارير المنظمة أن الأطفال غالبًا ما يتعرضون للعنف والاستغلال على أيدي أشخاص يعرفونهم ويثقون بهم، وفي أماكن يُفترض أن تكون الأكثر أمانًا بالنسبة لهم، بما في ذلك المنزل والبيئة الأسرية.
في يوليو 2020، قضت محكمة جنايات القاهرة، بالسجن المشدد 15 سنة، لأب متهم بالتعدي جنسيا على نجلته القاصر، وجاء في أمر الإحالة أن المتهم استغل وجود نجلته وجودهما بمفردهما داخل مسكنهما وقام بالاعتداء عليها.
وفي أبريل الماضي، ألقت قوات الأمن القبض على شاب يبلغ من العمر 27 عامًا، على خلفية اتهامه بالتعدي جنسيًا على طفلتين أبناء شقيقه، تبلغان من العمر 14 و12 عامًا، وهو ما أسفر عن حملهما. ووفق ما ورد في التحقيقات فإن المتهم كان يقيم إقامة كاملة في منزل العائلة، وكان يتولى مع شقيقه “والد الطفلتين” مسئولية رعايتهما واصطحابهما إلى المدارس والدروس. وفيما بعد، أصدرت النيابة العامة قرارًا بحظر النشر في القضية.
توضح جيرمين إلياس، استشاري سياسات حماية الطفل، أن الأطفال قد يتعرضون للعنف أو الانتهاك دون أن يتمكنوا من الإفصاح عنه، حتى في مراحل عمرية متقدمة مثل الخامسة أو السابعة، مرجعة ذلك إلى عدة عوامل، من بينها التهديد المباشر الذي قد يمارسه المعتدي على الطفل، أو استخدام أساليب عاطفية تقوم على إيهام الطفل بأن هذا السلوك جزء من الحب أو الحماية، بما يجعل الانتهاك يبدو للطفل طبيعيًا أو مقبولًا. كما تشير إلى أن غياب الوعي بحقوق الطفل يمثل عاملًا إضافيًا، إذ لا يدرك كثير من الأطفال حقهم في الاعتراض أو الإبلاغ، ولا يعرفون الجهة التي يمكن اللجوء إليها في حال التعرض للأذى.
وفي ما يتعلق بنظام الاستضافة، تنتقد جيرمين الافتراض القائل بأن هذا النظام يضمن بالضرورة بيئة تربوية آمنة. كما ترى أن غياب الرقابة الفعلية في نظام الاستضافة يمثل تحديًا أساسيًا، إذ يكون الطفل في بيئة “غير مرئية” خارج نطاق المتابعة المستمرة، في حين لا تغطي النصوص القانونية سوى جوانب محدودة من الإهمال أو الانتهاك.
وتدعو جيرمي إلى تعزيز وعي الطفل نفسه باعتباره خط الدفاع الأول، من خلال تعليمه كيفية التمييز بين السلوك المقبول وغير المقبول، ومنحه المعرفة بكيفية طلب المساعدة والجهات التي يمكنه التوجه إليها عند التعرض لأي أذى.
كما تؤيد جيرمين أهمية تطبيق آليات متابعة دورية للطرف المستضيف، تشمل التقييم النفسي وإجراء تحاليل للكشف عن تعاطي المخدرات، معتبرة أن هذه الإجراءات ضرورية ليس فقط في حالات الانفصال، بل أيضًا داخل بعض الأسر المستقرة، بهدف ضمان بيئة آمنة للطفل.
وتشير إلى عدد من العلامات التحذيرية التي قد تدل على تعرض الطفل لانتهاك، سواء على المستوى السلوكي أو الجسدي، من بينها تحول سلوكه إلى العدوانية أو محاولته إيذاء أطفال أصغر سنًا، أو ظهور اضطرابات شديدة في الانفعال قد تصل إلى نوبات تشبه الصرع، إضافة إلى اضطرابات في النوم والأكل، والتبول أو التبرز اللاإرادي، وصعوبات في الحركة أو المشي، ووجود إصابات أو كدمات لا تلتئم بشكل طبيعي.
كما تذكر أن من بين مؤشرات الإهمال أيضًا لجوء الطفل إلى سرقة الطعام نتيجة الجوع، أو تدهور حالته الصحية دون رعاية، أو تكرار غيابه عن المدرسة والامتحانات. وتحذر من أن استمرار هذه الأنماط دون تدخل علاجي قد يؤدي إلى آثار طويلة الأمد، حيث تشير إلى أن كثيرًا من المعتدين على الأطفال كانوا بدورهم ضحايا في طفولتهم، وأن عدم معالجة الصدمات المبكرة قد يسهم في إعادة إنتاج العنف أو دفع بعض الأفراد لاحقًا إلى الانحراف أو تعاطي المخدرات أو تبني سلوكيات عدوانية.
إنشاء هيئة معاونة والملف الواحد ضمانات حماية الطفل
في السياق، تطرح المحامية مها أبو بكر رؤية موسعة لتعديل قانون الأحوال الشخصية، تقوم على تعزيز ضمانات حماية الطفل وتطوير آليات تنفيذ الأحكام القضائية، من خلال حزمة من الإجراءات المؤسسية والتنظيمية.
وفيما يتعلق بمعايير البيئة الآمنة للطفل سواء في الحضانة أو الاستضافة، تؤكد ضرورة إخضاع كل من يحيط بالطفل لفحوصات نفسية وبدنية، إلى جانب إجراء تحاليل للكشف عن تعاطي المخدرات، على ألا يقتصر ذلك على الوالدين فقط، بل يمتد ليشمل جميع المقيمين في المنزل مثل زوج الأم أو الأقارب من الدرجة الأولى، بهدف ضمان سلامة البيئة التي يتواجد فيها الطفل. كما تشدد على أهمية إجراء معاينة ميدانية للمكان المخصص للاستضافة قبل إقرارها قضائيًا.
وتقترح أبو بكر إنشاء “هيئة معاونة” لقاضي محكمة الأسرة، تتكون من متخصصين نفسيين واجتماعيين وقانونيين، إضافة إلى عضو ذي خلفية دينية وفقًا لطبيعة أطراف النزاع، بحيث تتولى هذه الهيئة إعداد تقارير فنية تساعد المحكمة في اتخاذ القرار. ولا يقتصر دورها على مرحلة التقاضي، بل يمتد إلى المتابعة الدورية بعد صدور الأحكام، لرصد أي تغييرات قد تطرأ على الحالة النفسية أو السلوكية للأطراف بما في ذلك مؤشرات الاكتئاب أو التعاطي أو السلوكيات الخطرة.
كما تدعو إلى تطبيق نظام “الملف الواحد” لكل أسرة، بحيث تُجمع فيه جميع القضايا المتعلقة بالنفقة والحضانة والرؤية والاستضافة والولاية التعليمية، ليصدر فيها حكم متكامل واحد يسهل تنفيذه. وفي السياق ذاته، تقترح إنشاء شرطة متخصصة لقضايا الأحوال الشخصية تكون تابعة لمحاكم الأسرة، تتولى تنفيذ الأحكام القضائية، واسترجاع الأطفال في حال الامتناع عن التسليم، وتنفيذ القرارات الوقتية مثل أوامر المنع من السفر، إلى جانب التحقق من الدخل الفعلي للأطراف بما يضمن تحقيق العدالة في النفقة.
أخيرا.. بين مطالب توسيع حق التواصل مع الأطفال والدعوات إلى تعزيز آليات الحماية والرقابة، يظل السؤال مطروحًا حول الكيفية التي يمكن بها تحقيق التوازن بين حقوق الوالدين وضمان سلامة الطفل ومصلحته الفضلى.

