عاملات بين النيران: انتهاكات ممنهجة وفجوات قانونية تهدد تمكين المرأة في سوق العمل
كتب – أحمد سلامة
لم تعد أوضاع النساء العاملات في مصر مجرد ملف اجتماعي قابل للنقاش، بل صارت اختبارًا حاسمًا لمدى جدية الدولة في حماية الحقوق التي أقرتها نصوص الدستور والاتفاقيات الدولية.. فبينما يتصاعد الخطاب الرسمي حول تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها الاقتصادية، تكشف أرض الواقع عن فجوة صارخة بين الوعود والتطبيق، حيث تتعرض النساء في مختلف بيئات العمل —الرسمية وغير الرسمية— لانتهاكات متكررة تكاد تتحول إلى نمط مستقر، يعكس خللًا بنيويًا في سوق عمل لا يزال يعيد إنتاج التمييز بدلًا من تفكيكه.
إن ما تواجهه النساء العاملات لا يمكن فصله عن منظومة اجتماعية واقتصادية تُحمِّلهن عبء التوفيق القسري بين العمل والرعاية، وتضعهن في موقع أضعف داخل علاقات قوة غير متكافئة.. فالقوانين، مهما بدت متقدمة على الورق، تفقد قيمتها حين تُترك بلا إنفاذ فعّال، وحين تُطبق بانتقائية تُفرغها من مضمونها.
وهكذا تتحول حقوق أساسية —كالمساواة، والأجر العادل، والحماية من التحرش، وضمانات الأمومة، والأمان المهني— إلى امتيازات قابلة للتعطيل أو المساومة، خاصة في القطاعات الأكثر هشاشة، حيث تغيب الرقابة وتتلاشى المساءلة.
من هنا، يرى عددٌ من الخبراء أن الانتهاكات التي تتعرض لها النساء العاملات ليست حوادث فردية أو تجاوزات عارضة، بل نتيجة مباشرة لبنية سوق عمل غير عادلة تتسامح مع الاستغلال وتُطبع العنف وتُقصي النساء عن مواقع القرار.
* تمكين على الورق.. وتجاوزات على الأرض
حول ذلك تقول الدكتورة أمل فرج، مديرة البرامج بدار الخدمات النقابية، إن أوضاع النساء العاملات في مصر تكشف بوضوح عن فجوة عميقة بين ما تنص عليه القوانين وما تعيشه النساء فعليًا داخل مواقع العمل.. مضيفة أن الحديث الرسمي عن تمكين المرأة لا ينعكس حتى الآن في بيئات عمل تضمن الكرامة والعدالة.
وتؤكد فرج بالقول “نحن أمام نمط ممنهج من الانتهاكات، وليس حوادث فردية معزولة.. ما يحدث هو نتيجة مباشرة لاختلال ميزان القوة داخل سوق العمل، حيث تجد النساء أنفسهن الطرف الأضعف في مواجهة أصحاب العمل، دون حماية فعّالة من الدولة”.
وتشير فرج إلى أن القوانين المتعلقة بالمساواة، وحقوق الأمومة، والحماية من الفصل التعسفي، وبيئة العمل الآمنة، موجودة على الورق، لكنها تفتقر إلى آليات تنفيذ حقيقية.. ضعف التفتيش وغياب المساءلة الرادعة يحولان هذه الحقوق إلى نصوص شكلية بلا أثر، فالنساء لا يواجهن فقط ظروف عمل مجحفة، بل يواجهن أيضًا صورًا نمطية متجذرة تحملهن وحدهن مسؤولية التوفيق بين العمل والرعاية، في ظل غياب سياسات عامة داعمة تساعدهن على تحقيق هذا التوازن.
وتتفق مع هذا وفاء العشري، الباحثة ومنسقة برنامج المناخ بـ دار الخدمات النقابية والعمالية، إذ تؤكد أن هناك ملامح واقع “هش ومقلق” تعيشه النساء العاملات في مصر.
وتلفت العشري النظر إلى أن القطاعات الهشة مثل الزراعة والعمل غير الرسمي والعمل المنزلي تشهد مضاعفة في حجم الانتهاكات بسبب غياب التنظيم وضعف الرقابة، ما يترك آلاف النساء بلا مظلة حماية حقيقية.. مضيفة أن استمرار فجوات الأجور، وتهميش النساء من مواقع اتخاذ القرار، وحرمان الأمهات من حقوقهن القانونية، وانتشار التحرش والعنف، كلها مؤشرات على أن سوق العمل لا يزال يعيد إنتاج التمييز القائم على النوع الاجتماعي بدلًا من معالجته.
* واقع هش وانتهاكات مستمرة
تلفت فرج النظر إلى تقرير الرصد السنوي لأوضاع النساء العاملات خلال 2025، والصادر عن المؤتمر الدائم للمرأة العاملة الذي تعقده دار الخدمات النقابية، وجاء تحت عنوان “نساء في سوق العمل.. واقع هش وانتهاكات مستمرة”، مؤكدة أن التقرير تناول كثير من تفاصيل المعاناة الواقعة على كاهل العاملات.
وتوضح مديرة البرامج بدار الخدمات أن التقرير يأتي بوصفه مواجهة صريحة مع هذا الواقع، حيث لا يكتفي بتوثيق الوقائع، بل يسعى إلى تفكيك السياق الذي يسمح باستمرارها، وإعادة طرح قضايا النساء العاملات باعتبارها قضية عدالة اجتماعية وواجبًا قانونيًا لا يقبل التأجيل.. فالتمكين الاقتصادي لا يُقاس بعدد النساء في سوق العمل، بل بمدى تمتّعهن ببيئة عمل آمنة، عادلة، وخاضعة لمساءلة حقيقية.
ويكشف التقرير، المشار إليه، عن رصد أنماط متكررة من الانتهاكات التي طالت النساء العاملات خلال عام 2025، وذلك عبر المقابلات المباشرة وتلقي الشكاوى من مختلف القطاعات في سوقي العمل الرسمي وغير الرسمي.
فيما توضح وفاء العشري أن التقرير رصد، عبر المتابعة الميدانية وتحليل الشكاوى، أنماطًا متكررة من الانتهاكات في سوقي العمل الرسمي وغير الرسمي، تمثلت في انتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وضعف تطبيق نظم الحماية القانونية، وغياب تدابير فعالة لمكافحة العنف والتحرش في بيئات العمل، إلى جانب اتساع نطاق العمالة غير المنتظمة التي تعاني من غياب الضمانات التأمينية والتعاقدية.
* اختلالات جذرية.. أين وزارة العمل؟
ويظهر التقرير أن بيئات العمل لا تزال تعاني اختلالات جذرية، وضعفًا في الالتزام بالقوانين المنظمة، إلى جانب غياب فعّال لدور وزارة العمل في الرقابة والتنفيذ.
وبحسب البيانات الواردة في التقرير، فقد تم توثيق 107 حالات انتهاك للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، شملت عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور، وخصومات تعسفية، وحرمانًا من الإجازات القانونية، وعدم تسجيل العاملات في التأمينات الاجتماعية، فضلًا عن تشغيل نساء دون عقود عمل، وتركزت هذه الانتهاكات في القطاعات كثيفة العمالة النسائية، خاصة تلك التي تعتمد على علاقات عمل غير رسمية، ما يتيح لأصحاب العمل الالتفاف على القوانين في ظل ضعف المساءلة.
كما رصد التقرير 56 حالة انتهاك لحقوق الأمومة والحقوق الإنجابية، تضمنت الضغط على العاملات للعودة إلى العمل قبل انتهاء إجازات رعاية الطفل، والتهديد بالفصل أو الخصم عند المطالبة بالحقوق، وعدم توفير حضانات أو تشغيلها بمعايير غير مطابقة للاشتراطات الصحية، إضافة إلى تعذر الاستفادة من ساعة الرضاعة بسبب بُعد أماكن العمل عن مواقع تواجد الأطفال.
وفي ما يتعلق بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، وثّق الرصد 92 حالة تحرش وعنف داخل أماكن العمل، تنوعت بين التحرش اللفظي والجسدي، والتهديد أو الابتزاز مقابل الحفاظ على الوظيفة، والإساءة اللفظية، وإقصاء النساء من المناصب القيادية رغم تساوي الكفاءة، وعدم المساواة في الأجور، واعتبار الزواج أو الحمل عائقًا أمام التوظيف، وصولًا إلى استبعاد معلمات في وزارة التعليم بسبب زيادة الوزن.. كما أشارت الشهادات الواردة في التقرير إلى غياب آليات آمنة للإبلاغ، وافتقار المؤسسات إلى سياسات واضحة لمناهضة العنف، ما يدفع العديد من العاملات إلى الصمت خشية فقدان وظائفهن.
وسجل التقرير كذلك 87 حالة من الإجراءات التعسفية، شملت النقل القسري، وتخفيض الأجور، وتحميل مهام إضافية دون مقابل، أو الحرمان من الترقية، في سياق يعكس استغلال ثغرات تطبيق القانون وضعف الرقابة الحكومية.
وفي القطاع غير الرسمي، الذي وصفه التقرير بالأكثر هشاشة، أشار إلى أن غالبية النساء يعملن دون عقود أو مظلة حماية قانونية، ما يؤدي إلى تجاوز ساعات العمل المنصوص عليها في قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، ورفض منح الإجازات القانونية، وغياب التأمينات، فضلًا عن التعرض للعنف والتحرش دون سبل تظلم فعالة، وحوادث نقل مميتة في ظل شبه انعدام لآليات الرقابة والمساءلة.
وأكد التقرير أن هذه الأرقام تعكس نمطًا ممنهجًا من الانتهاكات، لا يمكن اعتباره حالات فردية، بل نتيجة مباشرة لبيئة عمل تفتقر إلى الإنفاذ الصارم للقانون، وتحتاج إلى تدخلات عاجلة تضمن حماية حقيقية للنساء العاملات وتفعيل أدوات المساءلة.
* ثقافة التسامح مع التمييز ضد النساء
تُبين نتائج الرصد، حسب الباحثة وفاء العشري، أن المخاطر التي تواجه النساء العاملات تتكرر في صور متعددة، أبرزها غياب تنظيم آمن لوسائل النقل الجماعي، خاصة في القطاع الزراعي، وضعف التفتيش على اشتراطات السلامة والصحة المهنية، وانعدام الشفافية بشأن التعويضات والمساءلة القانونية عند وقوع الحوادث.
وتشير إلى أن الانتهاكات المرتبطة بالسلامة المهنية تصدرت قائمة الحالات المرصودة، لا سيما في القطاعات التي تعتمد على وسائل نقل غير آمنة أو تعمل في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من إجراءات الوقاية، كذلك انتهاكات واسعة لحقوق الأمومة، شملت الحرمان من الإجازات القانونية أو التعسف في تطبيقها، فضلًا عن استمرار العنف القائم على النوع الاجتماعي في صورة تحرش لفظي أو جسدي وتهديدات تمس استقرار النساء الوظيفي، بالإضافة إلى حالات فصل تعسفي، وتشغيل لساعات إضافية دون أجر، وحرمان من التأمينات الاجتماعية والإجازات.
وأرجعت استمرار هذه الانتهاكات إلى ضعف منظومة التفتيش التابعة لـ وزارة العمل، وعجزها عن تغطية مواقع العمل بانتظام، إلى جانب هشاشة نظم الحماية في القطاع غير الرسمي، واستمرار ثقافة مؤسسية تتسامح مع التمييز ضد النساء.
وتشدد العشري على أن المشكلة لا تتعلق بزيادة أعداد النساء في سوق العمل فحسب، بل بطبيعة هذه المشاركة وظروفها، مؤكدة أنه لا يمكن الحديث عن تمكين اقتصادي حقيقي في ظل بيئات عمل غير آمنة وغير عادلة.
واختتمت العشري بالتأكيد على أن التقرير الصادر عن دار الخدمات النقابية يمثل محاولة لكسر دائرة الصمت، ووضع صانعي القرار أمام مسؤولياتهم القانونية والاجتماعية، تمهيدًا للانتقال من خطاب الحماية الشكلية إلى سياسات قائمة على العدالة والمساءلة الفعلية.
* قوانين فقدت معناها
وحول التشريعات والقوانين، تشير الدكتورة أمل فرج إلى أن المنظومة القانونية تضم عددًا من التشريعات التي تهدف إلى حماية النساء في العمل، أبرزها قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، وقانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، وقانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016.. غير أنها شددت على أن التقدم النسبي في النصوص لم يُترجم إلى سياسات تنفيذية فعالة، لافتة إلى أن القوانين “تفقد معناها حين لا تُدعم بآليات تفتيش ومساءلة حقيقية”.
وتضيف فرج أن الرصد الميداني يكشف عن فجوة عميقة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي، حيث تستمر انتهاكات تتعلق بالتمييز في الأجور والترقيات، والضغط على حقوق الأمومة، والتحرش والعنف داخل بيئات العمل، رغم وجود نصوص تجرّم هذه الممارسات.. وقالت إن “القانون بحاجة إلى آليات تنفيذ واضحة وسياسات مؤسسية ملزمة تضمن احترامه”.
وانتقدت ضعف آليات التفتيش والرقابة، موضحة أن الدور المنوط بـ وزارة العمل لا يُفعل بالشكل الكافي، في ظل محدودية الزيارات التفتيشية ونقص الجزاءات الرادعة بحق المنشآت المخالفة، فضلًا عن غياب قاعدة بيانات مركزية لتوثيق الانتهاكات وضعف التنسيق بين الجهات المعنية، ما يعرقل المساءلة الفعلية.
وشددت على أن العاملات في القطاع غير الرسمي وعاملات المنازل يظللن الأكثر هشاشة، إذ لا يتمتعن بحماية قانونية فعالة، رغم تعرضهن لظروف عمل غير آمنة وساعات طويلة وأجور متدنية.. موضحة أن إدراج بعض الفئات في النصوص القانونية لا يكفي إذا لم تُستكمل هذه الخطوة بآليات تطبيق حقيقية تضمن لهن الحماية الاجتماعية والتأمينية.
وفيما يتعلق بالعنف والتحرش، قالت فرج إن إدراج مادة خاصة بهذه الجرائم في قانون العمل خطوة مهمة، لكنها “لم تُستكمل بوضع إجراءات آمنة وسرية للإبلاغ، أو بضمانات واضحة تحمي المبلِّغات من الانتقام أو الفصل”، مؤكدة أن كثيرًا من النساء يترددن في تقديم الشكاوى خوفًا من فقدان وظائفهن.
واختتمت تصريحاتها بالتأكيد على أن المطلوب ليس تعديل النصوص فحسب، بل تبني إصلاح شامل يعزز إنفاذ القانون ويُفعّل أدوات الرقابة والمساءلة، مع مواءمة التشريعات مع المعايير الدولية، بما في ذلك التصديق على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190، لضمان بيئة عمل آمنة وعادلة تترجم مبادئ الحماية والمساواة إلى واقع فعلي.
* مسار إصلاح شامل
ما كشفه التقرير السنوي لأوضاع النساء العاملات خلال 2025 يؤكد أن الانتهاكات ليست حوادث عابرة، بل نتاج هيكلي لسوق عمل يفتقر إلى العدالة والمساءلة، حيث تظل النساء الأكثر هشاشة في مواجهة الاستغلال والتمييز، بينما تغيب الرقابة الفعلية والدور التنفيذي للجهات المسؤولة.
فالقوانين، مهما كانت متقدمة على الورق، تبقى بلا قيمة ما لم تُترجم إلى سياسات تنفيذية ملزمة، وآليات حماية فعّالة، وتطبيق صارم يضمن حقوق النساء في الأجر العادل، والحماية من العنف والتحرش، وضمانات الأمومة، وبيئة العمل الآمنة.
الطريق نحو تمكين النساء اقتصاديًا واجتماعيًا يمر بالضرورة عبر إصلاح شامل للمنظومة القانونية والمؤسسية، وبما يعزز الرقابة والتفتيش، ويضع حدًا للإفلات من المساءلة، ويوسع نطاق الحماية لتشمل جميع النساء، بما في ذلك العاملات في القطاع غير الرسمي وعاملات المنازل.. فالتمكين الحقيقي لا يقاس بوجود النساء في سوق العمل فحسب، بل بمدى ضمان حقوقهن الأساسية، وخلق بيئة عمل عادلة وآمنة، تخضع للمساءلة وتترجم نصوص القانون إلى واقع ملموس يحمي الكرامة ويكفل العدالة.

