عبد الحميد ندا يكتب: ثورة 25 يناير واليسار المصري .. مراجعة نقدية لتجربة سياسية لم تكتمل

من أكثر من عقد على اندلاع ثورة 25 يناير 2011، لم تعد هذه اللحظة التاريخية قابلة للتناول بوصفها حدثًا استثنائيًا خارج النقد أو المراجعة. فالتاريخ السياسي لا يُكتب بالحنين، وإنما بالتحليل الهادئ الذي يضع الوقائع في سياقها، ويقيس النتائج بميزان العقل لا العاطفة. وإذا كانت الثورة قد طرحت أسئلة كبرى حول الدولة والسلطة والمجتمع، فإن أحد أكثر هذه الأسئلة إلحاحًا يظل متعلقًا بموقع ودور اليسار المصري داخل هذه اللحظة المفصلية.
لم يكن اليسار القوة الأكبر عددًا أو تنظيمًا في مشهد يناير، لكنه كان، بحكم تراثه الفكري وخطابه الاجتماعي، من أكثر التيارات ادعاءً لامتلاك رؤية نقدية متقدمة لطبيعة الصراع الاجتماعي والسياسي. غير أن هذا الوعي النظري لم يتحول، في كثير من اللحظات، إلى فعل سياسي منظم قادر على التأثير في مسار الأحداث. هنا لا نتحدث عن إخفاق بقدر ما نتحدث عن فجوة بين الفكرة والممارسة، وبين النقد والقدرة على التنظيم.
كشفت ثورة يناير عن ارتباك مفاهيمي داخل اليسار بشأن طبيعة ما يجري: هل نحن أمام ثورة اجتماعية تستهدف إعادة توزيع الثروة والسلطة، أم أمام انتفاضة ديمقراطية تركز على إسقاط الاستبداد السياسي؟ هذا التردد لم يكن نقاشًا نظريًا مشروعًا فحسب، بل انعكس مباشرة على المواقف السياسية، والتحالفات، والبرامج المطروحة. فغياب تعريف واضح لطبيعة المرحلة أدى إلى خطاب متردد، وإلى صعوبة في مخاطبة قطاعات اجتماعية واسعة بلغة بسيطة ومباشرة.
تجلّى هذا الارتباك بوضوح في مواجهة التنظيمات الإسلامية، التي دخلت المشهد الثوري بقدرة تنظيمية عالية، وشبكات اجتماعية ممتدة، وخطاب قادر على الوصول إلى القواعد الشعبية. في المقابل، اكتفى اليسار في كثير من الأحيان بخوض معركة فكرية وأيديولوجية، دون أن يمتلك أدوات تنظيمية موازية أو خطابًا اجتماعيًا منافسًا. لم تكن المشكلة في إدراك خطر هذا التيار، بل في العجز عن تحويل هذا الإدراك إلى استراتيجية سياسية فعالة داخل المجتمع.
كما واجه اليسار صعوبة مماثلة في التصدي لليمين الرأسمالي، الذي أعاد إنتاج نفسه بعد الثورة عبر سياسات اقتصادية محافظة، وخطاب يربط الاستقرار بإعادة إنتاج نفس أنماط التفاوت الاجتماعي. وفي غياب طرح يساري واضح يربط بين العدالة الاجتماعية والحياة اليومية للمواطنين، تركت الساحة الاقتصادية شبه خالية، ما سمح لخطابات السوق والخصخصة بالتمدد دون مقاومة اجتماعية حقيقية.
أدى هذا الارتباك المفاهيمي إلى انعكاساته التنظيمية. والانقسامات التي شهدتها قوى اليسار بعد الثورة لم تكن مجرد خلافات إدارية أو شخصية، بل كانت تعبيرًا عن غياب رؤية مشتركة حول طبيعة الصراع وأدواته. وهنا برزت تجربة حزب التحالف الشعبي الاشتراكي بوصفها محاولة جادة لبناء كيان يساري منظم في سياق بالغ الصعوبة. هذه التجربة لم تكن خالية من الأخطاء أو التحديات، لكنها مثلت جهدًا حقيقيًا للحفاظ على التنظيم كأداة سياسية، لا كغاية في ذاته.
تكتسب هذه التجربة دلالة خاصة حين نستحضر استشهاد شيماء الصباغ في ذكرى 25 يناير، وهي الواقعة التي شكلت لحظة فارقة ليس فقط من حيث العنف الذي واجهته الثورة، بل من حيث الاختبار الأخلاقي والسياسي الذي وُضع فيه اليسار. فقد كشفت هذه اللحظة عن حدود الخطاب الأخلاقي حين لا يكون مسنودًا بقوة تنظيمية قادرة على حماية المجال العام والدفاع عن الحق في السياسة.
إن بقاء حزب التحالف الشعبي الاشتراكي حتى اليوم، رغم الضغوط والانقسامات وتراجع المجال العام، يمثل في حد ذاته مؤشرًا على أن التنظيم السياسي، مهما بدا بطيئًا أو محدود الأثر، يظل شرطًا أساسيًا لأي مشروع تغييري. والسياسة لا تُدار بالنوايا الحسنة وحدها، ولا بالأخلاق المجردة، وإنما بقدرة مستمرة على الفعل داخل الواقع القائم.
وفي المحصلة، فإن مراجعة تجربة اليسار في ثورة 25 يناير لا تهدف إلى إصدار أحكام نهائية، بل إلى استخلاص دروس ضرورية. أهم هذه الدروس أن الثورة، مهما بلغت نقاء شعاراتها، لا تكتمل دون تنظيم، وأن اليسار، إذا أراد استعادة دوره، عليه أن يعيد بناء العلاقة بين الأخلاق والسياسة، وبين النقد والممارسة. عندها فقط يمكن لثورة يناير أن تظل حاضرة بوصفها تجربة تاريخية مفتوحة على التعلم، لا مجرد ذكرى تُستعاد كل عام

تنويه: هذا الموضوع تم نشره في العدد الأخير من مجلة التحالف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *