هل تستند أطماع إثيوبيا في البحر الأحمر إلى أدلة تاريخية.. ولماذا يثير تحرك أديس أبابا قلق “القاهرة والرياض”؟
*هل تملك إثيوبيا حقاً تاريخياً في مياه البحر الأحمر؟
*كيف استعادت إريتريا سيادتها وفق القانون الدولي؟
*نماذج عالمية تدحض حجة “التنمية مقابل الميناء”
*ماذا يقول قانون البحار للدول الحبيسة؟
*هل يبحث “آبي أحمد” عن عدو خارجي لتغطية أزماته؟
*الدور الإسرائيلي وحسابات القوى الإقليمية في القرن الإفريقي
* السيناريوهات القادمة: هل ينزلق الإقليم نحو مواجهة عسكرية؟
كتبت – مروة كامل
عقد منتدى إفريقيا ندوة سياسية بمقر حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، ناقش الجدل المثار حول مساعي إثيوبيا للوصول إلى منفذ بحري سيادي على البحر الأحمر.
وحاضر في الندوة الكاتب والصحفي الإريتري محمود أبو بكر، المتخصص في شؤون القرن الإفريقي، وأدارت الندوة الصحفية مروة كامل، المتخصصة في الشؤون الإفريقية بحضور نخبة من المتخصصين.
و فند أبو بكر خلال كلمته ما وصفه بـ “المغالطات” التي يروج لها الخطاب الرسمي الإثيوبي، مؤكداً أن إثيوبيا لم تمتلك أي موانئ سيادية منذ أكثر من 500 عام.
وأشار إلى أن الادعاء بفقدان الموانئ مع استقلال إريتريا عام 1993 هو طرح “خاطئ قانونياً”، موضحاً أن إريتريا لم تكن يوماً جزءاً من إثيوبيا إلا بقرار ضم أحادي وغير قانوني اتخذه الإمبراطور هيلا سلاسي عام 1962.
أشار الكاتب محمود أبو بكر ، إلى أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تحدث في يونيو 2023 أمام البرلمان الإثيوبي عن ما وصفه بـ(الحقوق التاريخية لإثيوبيا في البحر الأحمر)، وذلك ضمن ما أسماه مشروع (إثيوبيا ومشروع المياه)، معتبرًا إياه مشروعًا وجوديًا يهدف إلى الوصول الآمن إلى البحر الأحمر، سلميًا إن أمكن، أو عسكريًا إن لزم الأمر.
وأوضح أبو بكر أن تلك التصريحات مثلت نقطة تحول، إذ تضاعفت منذ ذلك الحين الجهود الإثيوبية لتحقيق هذا الهدف عبر مسارات متعددة.
وقال أبو بكر إن منطقة حوض البحر الأحمر تُعد من أكثر المناطق الاستراتيجية على مستوى المصالح الدولية والإقليمية والمحلية، حيث يمر عبرها ما بين 15 إلى 18% من حجم التجارة العالمية، لا سيما تجارة النفط العربي المتجه إلى أوروبا والولايات المتحدة، ما يمنحها أهمية اقتصادية ومالية بالغة.
وأضاف أن أي تهديد أو حالة عدم استقرار في هذه المنطقة يترتب عليها خسائر فادحة للملاحة الدولية، وهو ما يفسر حساسية أي تحركات عسكرية أو سياسية في هذا الحيز الجغرافي.
وفيما يخص مصر والبحر الاحمر، أوضح أبو بكر أن البحر الأحمر يمثل منفذًا حيويًا لعدد كبير من الدول العربية، ويرتبط مباشرة بأمنها القومي، وبصورة خاصة لمصر باعتباره المدخل الجنوبي المؤدي إلى قناة السويس، ومن ثم يرتبط بمصالحها الاقتصادية والتجارية المباشرة.
ووصف أبو بكر المطالب الإثيوبية للوصول للبحر الاحمر ب “المغالطات التاريخية” ، فضلًا عن كونها انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي.. وانتقد في هذا السياق التغطيات الإعلامية، بما فيها العربية، التي تكرر مغالطات يتبناها الخطاب الرسمي الإثيوبي، وعلى رأسها الادعاء بأن إثيوبيا (فقدت موانئها) عام 1993 مع استقلال إريتريا، واصفًا هذا الطرح بأنه خاطئ تاريخيًا وقانونيًا وسياسيًا.
وأوضح أبو بكر أن إثيوبيا لم تمتلك موانئ سيادية على البحر الأحمر منذ أكثر من 500 عام.. وبسبب الموقع الاستراتيجي لإريتريا، خضعت الأخيرة لسلسلة من النظم الاستعمارية، ما جعلها ساحة للصراعات والأطماع الدولية على شاطئ يمتد لأكثر من ألف كيلومتر على الضفة الشرقية للبحر الأحمر، ويضم أكثر من 160 جزيرة ذات أهمية استراتيجية متفاوتة.
وسرد أبو بكر تاريخ العلاقات الإثيوبية-الإريترية، مشيرًا إلى قرار أممي بضم إريتريا إلى إثيوبيا ضمن نظام فيدرالي أقرب إلى الكونفيدرالي، مع تمتع إريتريا بكامل مقومات السيادة.. برلمان منتخب، حكومة وطنية، أحزاب سياسية، دستور، علم خاص، وحدود سياسية معترف بها وفق خارطة الاستعمار الإيطالي.
وأضاف أن الإمبراطور الإثيوبي هيلا سلاسي ألغى هذا الاتحاد بقرار أحادي عام 1962، وحل البرلمان والحكومة الإريترية، واعتبر إريتريا مقاطعة إثيوبية، في انتهاك مباشر للنظام الفيدرالي الذي أقرته الأمم المتحدة، وهو وضع غير قانوني استمر 29 عامًا.
وأشار أبو بكر إلى أن هذا القرار أدى إلى اندلاع الثورة الإريترية في سبتمبر 1961، والتي انتهت في مايو 1991، حيث فُرض تصحيح الوضع غير القانوني بالقوة أولًا، ثم بالقانون عبر تفعيل مبدأ تقرير المصير، وبموجب استفتاء نظمته الأمم المتحدة، صوّت 99.7% من الإريتريين لصالح الاستقلال الكامل.
وأكد أن ما جرى في أبريل 1993 لم يكن (انفصالًا عن إثيوبيا)، بل تفعيلًا لمبدأي تقرير المصير وتصفية الاستعمار، وأن إريتريا لم تكن يومًا جزءًا من إثيوبيا تاريخيًا أو قانونيًا.
وفيما يتعلق بالرهانات السياسية، شدد أبو بكر على أن أي محاولة إثيوبية لتغيير الواقع السياسي لإريتريا كدولة مستقلة ومعترف بها دوليًا تصطدم بمبدأ قدسية الحدود الاستعمارية، وهو مبدأ راسخ في ميثاق الاتحاد الإفريقي، ما يجعل أي تغيير قسري للحدود سابقة خطيرة تهدد 54 دولة إفريقية.
وتساءل أبو بكر: هل يمنح القانون الدولي موانئ سيادية للدول الحبيسة؟ موضحا أن القانون الدولي يكفل للدول غير الساحلية حق الوصول إلى البحر، لكن هذا الحق مشروط باتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف مع دول العبور والدول الساحلية.
وأشار إلى وجود 44 دولة حبيسة حول العالم، منها 16 دولة إفريقية، وأن إثيوبيا مارست هذا الحق بالفعل عبر اتفاقيات ثنائية مع جيبوتي بعد تخليها طوعًا عن استخدام الموانئ الإريترية.
وأكد أبو بكر أن إثيوبيا وقعت عدة معاهدات مع إيطاليا خلال أعوام 1900 و1902 و1908، تحدد بوضوح الحدود الدولية بينها وبين إريتريا المستعمرة، وتنص اتفاقية 1908 على أن الحدود الإثيوبية تبعد 60 كيلومترًا عن البحر الأحمر، ما ينفي أي حقوق تاريخية.
كما أشار إلى معاهدة عام 1928 التي طلبت فيها إثيوبيا استئجار أراضٍ في مدينة عصب الإريترية، وهو ما يعد دليلًا إضافيًا على عدم امتلاكها أي سيادة أو حقوق تاريخية في تلك الموانئ.
وفي تفنيد الحجة الاقتصادية، قال أبو بكر إن ربط التنمية بامتلاك منفذ بحري طرح غير علمي، مستشهدًا بدول متقدمة اقتصاديًا مثل سويسرا والنمسا ولوكسمبورغ، وهي دول حبيسة لم تمنعها الجغرافيا من تحقيق طفرات تنموية.
وعن توقيت إثارة الملف، رأى أبو بكر أن النظام الإثيوبي يسعى إلى خلق (عدو خارجي) لصرف الأنظار عن أزماته الداخلية، إلى جانب تنفيذ أجندات إقليمية ودولية، مشيرًا إلى تسريبات عن تعهدات أمريكية بدعم المطلب الإثيوبي مقابل توقيع اتفاق بريتوريا مع جبهة التيجراي عام 2022.
كما لفت إلى اتهامات سودانية متكررة لإثيوبيا بتنفيذ أجندات خارجية في الشأن السوداني، وإلى تصريحات للرئيس الإريتري أسياس أفورقي اتهم فيها آبي أحمد بتنفيذ مخططات إقليمية تهدد استقرار البحر الأحمر.
وعن الدور الاسرائيلي أشار أبو بكر إلى حوار نشرته صحيفة (غازيتا بلاس) مع السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أبراهام نيغويس، بتاريخ 26 يناير 2026، أكد فيه دعم تل أبيب لمسعى إثيوبيا للوصول إلى البحر، معتبرًا ذلك ذا أهمية لمصالح إسرائيل، وهو ما يعزز فرضية أن المشروع ليس إثيوبيًا خالصًا.
واختتم أبو بكر بالقول إن إثيوبيا ستستمر في التمسك بالمشروع لأسباب داخلية تتعلق بشرعية النظام وصرف الانتباه عن الأزمات، مرجحًا تصعيدًا إعلاميًا ودبلوماسيًا، بينما يبقى الخيار العسكري أقل احتمالًا نظرًا لرفض معظم الدول المتشاطئة، وعلى رأسها مصر والسعودية، لأي تغيير قسري في معادلة أمن البحر الأحمر.

