قبل أن تهتف الميادين في يناير: كيف أعادت سياسات التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية إنتاج التفاوت الاجتماعي والفقر والحرمان في مصر

درب

قبل أن تخرج الجماهير إلى الشارع في يناير، لم يكن الغضب وليد لحظة سياسية مفاجئة، بل كان حصيلة تراكم طويل من سياسات اجتماعية منحازة وإدارة اقتصادية أقصت قطاعات واسعة من المجتمع من حقها في التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية. لم يكن التفاوت الاجتماعي في مصر قبل الثورة ظاهرة هامشية، بل كان بنيةً مستقرة داخل النظام نفسه، بنية أعادت إنتاج الفقر والحرمان، واحتكرت الفرص داخل دوائر محدودة، ودفعت الأغلبية إلى الهامش.

الدولة قبل الثورة لم تفشل فقط في تقليص الفوارق، بل أدارتها وعملت على توسيعها عبر سياسات تعليمية وصحية وإسكانية غير عادلة، وترك النقابات ضعيفة وتابعة، وعبر غياب إرادة حقيقية لحماية الفئات الأكثر هشاشة. وفي هذا السياق، يصبح التفاوت الاجتماعي ليس نتيجة طبيعية للتنمية، بل نتاجًا مباشرًا لاختيارات سياسية واضحة.

* التعليم كأداة للإعادة انتاج التفاوت لا لكسره

كان التعليم احد اخطر مساحات الظلم الاجتماعي قبل يناير فرغم الخطاب الرسمي عن اتاحة التعليم للجميع كانت جودة التعليم وفرصه موزعة طبقياً وجغرافياُ بشكل فاضح الريف والمناطق الفقيرة  يحصلون علي مدارس مكتظة وضعيفة التمويل في مقابل مدارس افضل في الحضر وتعليم خاص يفتح الابواب لوظائف افضل.

وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء قبيل الثورة كانت الامية تتمركز في الريف والمناطق الافقر بينما يتركز التعليم الجامعي في المدن وبين الشرائح الاعلى دخلا وهو ما يعني ان الدولة لم تكن تستخدم التعليم كاداة للعدالة الاجتماعية بل كاداة لاعادة انتاج التراتب الطبقي

جدول توزيع التعليم بين الحضر والريف قبل ثورة 25 يناير

مستوى التعليم الحضر   الريف  

اميون 12.5% 30.4%

متعلمون بدون شهادة 26.8% 34.1%

حاصلون على تعليم متوسط 34.2% 25.6%

حاصلون على تعليم جامعي 26.5% 9.9%

المصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء  2010 -2011

هذه الارقام لا تعكس فجوة تعليمية فقط بل تعكس خريطة قوة اجتماعية حيث يولد الفرد في الريف او في اسرة فقيرة وهو محكوم مسبقا بفرص اقل في التعليم وبالتالي بفرص اقل في العمل والدخل والمكانة الاجتماعية.

* الصحة كسلعة لا كحق

في مجال الصحة كانت الدولة قبل الثورة تتراجع بشكل عملي عن دورها الاجتماعي تاركة ملايين المصريين تحت رحمة قدرتهم على الدفع من جيوبهم الخاصة لم تكن المشكلة فقط في ضعف الانفاق العام بل في بنية نظام صحي قائم على الاقصاء حيث يتمتع العاملون في قطاعات رسمية محدودة بتغطية بينما تغرق الاغلبية في سوق العلاج الخاص فالعمالة غير الرسمية وربات المنازل وكبار السن كانوا خارج المظلة الفعلية للحماية الصحية وهو ما يعني ان المرض لم يكن فقط خطر صحي بل خطر اقتصادي يهدد باستبعاد الاسرة بالكامل عن الحد الادنى من الضمان الصحي.

جدول الفروق في التغطية الصحية قبل الثورة

الفئة نسبة التغطية التأمينية   الاعتماد على الانفاق الذاتي  

العاملون الرسميون 78.2% 21.8%

العاملون غير الرسميين 34.7% 65.3%

ربات المنازل 28.5% 71.5%

كبار السن بدون تأمين 12.3% 87.7%

المصدر وزارة الصحة والجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء 2010 2011

هذا الجدول يكشف بوضوح ان الدولة قسمت المجتمع صحيا بين من يستحق الرعاية ومن يترك لمصيره وهو انقسام يعكس جوهر غياب العدالة الاجتماعية قبل يناير.

السكن والعشوائيات كنتاج مباشر للسياسات لا كظاهرة عفوية

لم تكن العشوائيات قبل الثورة ظاهرة طبيعية بل كانت نتيجة مباشرة لانحياز سياسات الاسكان والاستثمار الحضري لصالح رأس المال والمناطق المغلقة وترك المدن والقرى الفقيرة بلا تخطيط او خدمات ففي الوقت الذي توسعت فيه المدن الجديدة المغلقة والمشروعات العقارية الكبرى كانت ملايين الاسر تعيش في مساكن تفتقر الى المياه النقية او الصرف الصحي او الامان الانشائي وهو ما يعني ان الدولة اعادت انتاج التفاوت المكاني كاداة من ادوات السيطرة الاجتماعية.

* جدول توزيع نوع السكن قبل الثورة

نوع السكن   نسبة الاسر  

سكن لائق     بخدمات اساسية 52.1%

سكن متواضع  بخدمات ناقصة 37.8%

سكن عشوائي أو غير ملائم 10.1%

المصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء 2010 2011

هذه الارقام لا تعني فقط تفاوتا في السكن بل تعني تفاوتا في الحياة نفسها في الصحة في الامان في الكرامة وفي فرص الصعود الاجتماعي

النقابات والمجتمع المدني تحت السيطرة لا في خدمة العدالة

كان من المفترض ان تمثل النقابات اداة دفاع عن الفئات الضعيفة لكن الواقع قبل الثورة شهد تجفيف متعمد لدورها وتحويلها الى اذرع ادارية للدولة فاقدة للاستقلال والقدرة على الضغط الحقيقي وهو ما حرم العمال والموظفين من ادوات تنظيمية يمكن ان تقلص التفاوت او تدافع عن الحقوق الاجتماعية فغياب النقابات المستقلة وضعف المجتمع المدني لم يكونا تفصيلة بل كانا جزء من بنية سياسية تمنع الفئات المتضررة من تحويل معاناتها الى قوة اجتماعية منظمة.

* الفئات الضعيفة خارج حسابات السياسات

الاطفال وكبار السن وذوو الاعاقة لم يكونوا في قلب السياسات الاجتماعية  بل كانوا في اطرافها برامج محدودة التمويل مشتتة الادارة قائمة على المنح لا على الحقوق وهو ما جعل الحماية الاجتماعية اقرب الى صدقات مؤسسية لا الى نظام ضمان اجتماعي ,فغياب اطار شامل للحماية الاجتماعية يعني ان ملايين المواطنين كانوا يعيشون في هشاشة دائمة امام المرض او البطالة او الشيخوخة وهو ما يعكس فشل الدولة في اداء احد اهم ادوارها الاجتماعية.

التفاوت الاجتماعي كعامل سياسي لا اجتماعي فقط

هذه البنية من الظلم لم تكن اجتماعية فقط بل كانت سياسية بامتياز حين يشعر المواطن ان فرصته في التعليم والعمل والعلاج والسكن تحددها طبقته ومكان مولده لا جهده ولا حق فجري ان الثقة في الدولة بدأت تتآكل ويتحول هذا التفاوت الى غضب والحرمان الى سؤال سياسي كبير عن من يحكم ولمصلحة من؟ .

قبل يناير لم يكن التفاوت مجرد فجوة دخل بل كان فجوة مواطنة فجوة ,في الحق ,في الحياة الكريمة وهي الفجوة التي جعلت العدالة الاجتماعية تتحول من مفهوم نظري الى شعار مركزي في الميادين.

* الخلاصة: أغلبية على الهامش   يكشف تفكيك التفاوت الاجتماعي قبل ثورة يناير انه انتج دولة لا توزع الفرص بل تتركز فيها داخل دوائر ضيقة وتدفع الاغلبية الى الهامش في التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية فكلها تحولت من حقوق الى امتيازات وهو ما جعل الثورة ليست فقط احتجاج سياسي بل انفجار اجتماعي ايضا ضد بنية كاملة من الظلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *