عمال ونقابيون بالمنتدى العمالي: الفصل التعسفي وغياب الحماية القانونية وتهميش عمال الزراعة أبرز أزمات سوق العمل

كتب – أحمد سلامة

شهدت الجلسة الأولى من المنتدى العمالي الأول، الذي نظمته دار الخدمات النقابية بمقر نقابة الصحفيين، مداخلات مؤثرة من عدد من العمال والنقابيين، عكست حجم الانتهاكات التي يتعرض لها العاملون في قطاعات مختلفة، وعلى رأسها الفصل التعسفي، وغياب الحماية القانونية، وتهميش عمال الزراعة، وضعف آليات الشكاوى.

وجاءت هذه المداخلات ضمن مناقشة تقرير حالة الحريات النقابية بعنوان “نضال من أجل البقاء”، الذي يرصد أوضاع العمال خلال السنوات الأخيرة، وتأثير السياسات الاقتصادية والتشريعات الجديدة على حياتهم اليومية.

وقال محمود يوسف، أحد عمال بورسعيد، إنه تعرض للفصل من عمله بعد 22 عامًا من الخدمة، عقب مطالبته بتطبيق الحد الأدنى للأجور البالغ 7000 جنيه، مؤكدًا أن إدارة الشركة قامت بفصل عدد من القيادات العمالية الأخرى للسبب ذاته.. مضيفا “بعد الإعلان عن تطبيق الحد الأدنى للأجور، كان من الطبيعي أن نطالب بحقنا، لكن الرد كان الفصل”.

وتساءل: “ما دور القوى العاملة؟ وما دور وزارة العمل؟ وما دور القوانين إذا لم يتم حماية العمال؟”، معتبرًا أن غياب الحماية القانونية الفعلية يجعل العامل وحده في مواجهة أصحاب الأعمال.

من جانبه، قال ناصر سيد، ممثل نقابة صغار الفلاحين، إن عمال الزراعة ما زالوا خارج إطار الحد الأدنى للأجور، رغم أنهم من أكثر الفئات هشاشة في سوق العمل.

وأضاف أن المزارعين باتوا يعزفون عن زراعة بعض المحاصيل الأساسية بسبب الخسائر الفادحة، وعلى رأسها محصول البطاطس، حيث أصبحت تكلفة الإنتاج أعلى من العائد.

وأشار إلى أن محاصيل استراتيجية مثل القطن والفول البلدي اختفت تقريبًا، مؤكدًا أن الفلاحين “يدخلون في حالة موت بطيء” نتيجة غياب الدعم وارتفاع التكاليف وانعدام الحماية.

بدوره، قال عبدالله محمود، ممثل نقابة العاملين بالجودة، إن بعض الجهات تتدخل في شؤون وزارة العمل، ما يعرقل أداءها لدورها الرقابي وحماية حقوق العمال.

وطالب بتفعيل لجان الشكاوى داخل المؤسسات، معتبرًا أنها إحدى الأدوات الأساسية التي يمكن أن تحمي العمال من التعسف والانتهاكات إذا جرى تفعيلها بشكل جاد ومستقل.

وفي مداخلة له، أشاد الكاتب الصحفي هشام فؤاد بتقرير دار الخدمات النقابية، معتبرًا أنه ساهم في تشجيع جهات مختلفة على إصدار تقارير سنوية حول أوضاع العمال، ما خلق حالة من التراكم المعرفي والتوثيقي.

وقال فؤاد إن “الرأسمالية المتوحشة” تحكم منطق السوق اليوم، وهدفها الأساسي هو تعظيم الأرباح لا حماية العمال، وهو ما يفسر تصاعد الاحتجاجات العمالية في السنوات الأخيرة.

واستطرد “نحن نعيش في عصر الخوف، والاحتجاج الواحد اليوم يساوي 100 احتجاج”، في إشارة إلى ارتفاع تكلفة التعبير عن الغضب الاجتماعي.

وطالب بضرورة توفير غطاء سياسي وقانوني ونقابي لحماية المحتجين، مؤكدًا أن أحد أهم الدروس المستفادة من معارك تطبيق الحد الأدنى للأجور هو أن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع، وأن احترام القانون لن يتحقق إلا عندما يكون العمال قادرين على تنظيم أنفسهم.

وفي السياق، لفت فؤاد إلى اعتصام الزملاء في موقع “البوابة نيوز”، المستمر منذ شهرين للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور، لافتًا إلى أنهم قاموا بتشكيل لجنة نقابية داخل الاعتصام، بعدما أدركوا أهمية التنظيم الجماعي.. مشددًا على أن هذه التجربة تعيد طرح فكرة “صناديق الإضراب”، التي يمكن أن توفر دعمًا ماديًا للعمال خلال فترات الاحتجاج.

واختتم هشام فؤاد مداخلته بالتأكيد على ضرورة عدم نسيان العمال الذين تم فصلهم تعسفيًا، وكذلك من تعرضوا للحبس بسبب نشاطهم النقابي أو دفاعهم عن حقوقهم.

كما دعا المشاركون إلى اعتبار أصحاب الأعمال طرفًا أساسيًا في النقاش حول الانتهاكات العمالية، خاصة في ظل انتشار الشركات العابرة للحدود، التي –بحسب قولهم– غالبًا ما تفلت من المساءلة رغم تأثيرها المباشر على أوضاع العمال.

وقالت ممثل عن نقابة العاملين بالضرائب إن القيادات النقابية داخل العديد من المؤسسات تتعرض لما وصفه بـ”التنكيل الممنهج”، مؤكدًا أنهم يُمنعون من الترقية والمشاركة في الفعاليات الرسمية، في محاولة لعزلهم وإضعاف تأثيرهم.

وأضافت أن العاملين يعانون ماديًا بشكل غير مسبوق، مشيرًا إلى أن بدل الانتقال لا يزال 300 جنيه “من أيام ما كان المترو بجنيه”، في وقت تضاعفت فيه تكاليف المواصلات مرات عدة.

وأشارت ممثل النقابة إلى أن كل من يحاول كشف وقائع فساد داخل المؤسسات يتعرض لعقوبات قاسية، قد تصل إلى الفصل من الخدمة، وحرمانه من العمل، وفرض جزاءات إدارية تعسفية.. مضيفة أنه “بدلًا من حماية المبلغين، يتم التنكيل بهم”، معتبرًا أن هذا النهج يخلق مناخًا من الخوف ويشجع على الصمت.

وانتقدت المتحدثة استخدام قانون رقم 73 المتعلق بالمخدرات، معتبرًا أنه تحول إلى أداة للفصل التعسفي، رغم أن المدمن – بحسب القانون ذاته – يُفترض أن يُعامل كمريض يحتاج إلى علاج وليس كجاني يُعاقب.. مشددة بالقول “نحن لا ندعم الإدمان، لكننا نرفض استخدام القانون كسيف مسلط على رقاب العمال”.

وتطرق المشاركون إلى أزمة نقل الموظفين إلى العاصمة الإدارية الجديدة، مشيرين إلى أن هذا القرار تسبب في مشكلات اجتماعية جسيمة، خاصة للموظفات، اللاتي تأثرت أسرهن بشكل مباشر.

وقال أحد المتحدثين إن بدل الانتقال المقرر يبلغ 2000 جنيه، بينما تتجاوز تكلفة المواصلات هذا الرقم، فضلًا عن الوقت المهدر يوميًا في التنقل.

وكشف المشاركون أن بعض الموظفين يتعرضون لاختبارات غير قانونية داخل أكاديمية الشرطة كشرط للتعيين أو الاستمرار في العمل، مؤكدين أن البعض تم استبعاده لأسباب وصفوها بـ”الغريبة”، مثل زيادة الوزن، رغم أنهم قضوا سنوات طويلة في العمل بنظام التعاقد.

وفي تعقيبات أخرى، أكد المشاركون أن العمال يقعون “تحت مقصلة الديون” الناتجة عن سياسات الاستدانة، ويدفعون أثمانًا باهظة لقرارات لم يشاركوا في صنعها.

وأشاروا إلى أن انخفاض قيمة الجنيه، مع بقاء الرواتب على حالها، أدى إلى تآكل حقيقي في القوة الشرائية، وجعل ملايين العمال عاجزين عن تلبية احتياجاتهم الأساسية.

واتفق عدد من الحضور على أن النقاش حول حقوق العمال لا يجب أن يقتصر على تحسين الأجور فقط، بل يجب أن يشمل الكرامة، والأمان الوظيفي، والحق في التنظيم، والحماية من التعسف الإداري.. مؤكدين أن استمرار تجاهل هذه القضايا يهدد الاستقرار الاجتماعي، ويعمّق فجوة الثقة بين العمال ومؤسسات الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *