وائل توفيق يكتب: ثورة 25 يناير 2011 من الحلم الفردي إلى الفعل الجماعي والطبقات الاجتماعية بين الثورة والواقع الراهن

الثورة بين التاريخ والاقتصاد
ثورة 25 يناير 2011 لم تكن مجرد حدث سياسي أو احتجاج شعبي، بل كانت نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية عميقة. سنوات من السياسات الاقتصادية غير العادلة، وارتفاع الأسعار، وانحياز الدولة للطبقات الغنية على حساب الفقراء، وسوء إدارة الموارد العامة، أدت إلى تراكم الغضب بين غالبية المصريين، وعلى الرغم من أن الشرارة الأولى كانت سياسية “مطالبة بالحرية ورفض القمع”، إلا أن جذور الثورة كانت في الأزمة الطبقية والاقتصادية التي أصابت المصريين في قوتهم اليومي، ومستقبلهم الأسري، وأملهم في حياة كريمة.
ومع اندلاع الثورة التونسية في ديسمبر 2010، بدا أن ما كان مستحيلًا أصبح ممكنًا، غير أن النموذج التونسي لم يكن قابلًا للتطبيق بسهولة في مصر، حيث يمتزج النفوذ الأمني، والعلاقات الاقتصادية الضيقة بين الدولة ورجال الأعمال، مع شبكة طويلة من القوانين التي تقيّد الحركة الشعبية وتعيد إنتاج عدم المساواة. في هذا السياق، تأتي تجربة يناير لتوضح كيف تحول الفعل جماعي صغير آنذاك إلى فعل جماعي واسع، ومن ثم إلى مشروع مجتمعي تحدى هيمنة الدولة.
الحركات الاجتماعية، تراكم الاحتجاج، والتعبئة الطبقية
تنتمي ثورة يناير إلى نمط الحركات الاجتماعية الواسعة، التي تنشأ نتيجة تراكم الاحتجاجات الصغيرة، وتراجع فرص الفئات الوسطى والفقيرة في تحسين ظروف حياتهم، وفقًا لنظريات الحركات الاجتماعية الحديثة، لا تنشأ الثورات فجأة، بل عبر تراكم طويل لشبكات الثقة بين النشطاء، وممارسات الاحتجاج الجزئي، والتجارب السابقة للرفض الاجتماعي والسياسي.
فتجربتنا في معايشة هذه الفترة تظهر هذا التراكم بوضوح: بداية الشك والتخطيط لمظاهرات محدودة في مناطق شعبية جديدة، ثم الاندفاع الجماهيري الذي فاجأ حتى أكثر النشطاء خبرة، حيث سبقت الجماهير التنظيم الرسمي كانت تعبيرًا عن وعي ضمني بفشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية في تلبية احتياجات الطبقات الوسطى والفقراء، وهو ما يجعل الثورة أيضًا رد فعل طبقيًا على تراكمات الحرمان والفساد الهيكلي.
الفوارق الطبقية قبل الثورة
قبل يناير، كان الفقر والحرمان يتركزان في أحياء شعبية كبيرة، بينما ارتفعت ثروات أقلية محددة، مكوّنة من رجال أعمال وطبقة عليا مرتبطة بالدولة، استفادت من سياسات الخصخصة، وارتفاع الأسعار، وغياب الضوابط على الأرباح. هذا التفاوت خلق طبقة وسطى مهشمة، لم تعد قادرة على الادخار أو تأمين حياة مستقرة، بل تعيش دائمًا على حافة الانهيار المالي، وهو ما كان يفسر جزءًا كبيرًا من الحماس الجماهيري للثورة.
الدولة الأمنية، إدارة الخوف، وتركيز الثروات
قبل الثورة، اعتمدت الدولة على ثلاث ركائز أساسية: “احتكار العنف (السيطرة على الشارع، وتفريق أي تجمعات، وفرض الهيبة على المواطنين)، تفكيك المجال العام (منع أي صوت جماعي مستقل من التعبير عن مصالحه، وإقصاء الطبقة الوسطى من المشاركة الفعلية في اتخاذ القرارات)، إنتاج الخوف (جعل المواطن يخشى التعبير عن مطالبه اليومية، سواء في العمل، أو التظاهر، أو المطالبة بالحقوق الأساسية)”.
لكن الثورة أظهرت هشاشة هذا النظام: “على الرغم من استخدام الغاز، والخرطوش، والاعتقالات، وقطع الاتصالات”، لم يستطع النظام احتواء الحشود المتزايدة، بل كانت الانتصارات الجزئية للشعب مثل الانضمام إلى التظاهرات، والتصدي للشرطة، وإضطرار بعض مؤسسات الدولة لدعم المتظاهرين دليلًا على أن احتكار القوة لم يعد مطلقًا، وأن الجماهير تستطيع إعادة توزيع القوة في اللحظة الحرجة.
اليوم، يتكرر المشهد ولكن بأسلوب آخر: الدولة لا تزال تتحكم بالأمن، لكنها وسعت أدوات السيطرة الاقتصادية والسياسات الطبقية لتشمل: “سن قوانين تُقيّد العمال، تمنع الإضراب، وتُخفض حقوقهم، رفع الضرائب والجباية على الفقراء والمستضعفين، بينما تُخفض القيود على أرباح الشركات الكبرى، تفكيك أي دعم اجتماعي أو مؤسسات عامة، بحيث تُصبح الصحة والتعليم سلعا، ويصبح الغذاء أزمة يومية للطبقات المتوسطة والفقيرة”.
كسر حاجز الخوف… من الفعل إلى الممارسة الطبقية
في يناير، كان كسر الخوف فعلًا جماعيًا: عندما رأى الناس بعضهم بعضًا في الشوارع، تراجع الخوف الفردي، وتحولت المواجهة إلى قوة جماعية، الهتاف الجماعي، وحماية المتظاهرين لبعضهم البعض، ومواجهة الغاز والخرطوش، كانت كلها عمليات إعادة توزيع للثقة الاجتماعية.
أما اليوم، فقد أصبح الخوف متعدد الأوجه: “خوف اقتصادي: (فقدان القدرة على شراء الطعام، دفع الفواتير، أو تأمين مستلزمات الحياة الأساسية)، خوف اجتماعي: (تدهور التعليم، انهيار الخدمات الصحية، فقدان الاستقرار الأسري)، خوف سياسي: (تجريم الاحتجاجات وتقييد الحريات المدنية، مع غياب أفق لإصلاح العدالة الاجتماعية)”.
كل هذا يجعل كسر حاجز الخوف أصعب، لكنه يظل شروطًا مسبقة لأي حركة شعبية جديدة، فالتجربة التاريخية تثبت أن الاحتجاجات تنجح عندما تتحول مطالب البقاء اليومي إلى فعل جماعي يعكس الطبقات المهددة.
العدالة الاجتماعية والاختلال الهيكلي
في قلب ثورة يناير كانت العدالة الاجتماعية. اليوم، يمكن رؤية اختلالها بشكل أكثر وضوحًا: “صعود الأقلية الثرية المرتبطة بالدولة على حساب الطبقة الوسطى، التي بدأت تتراجع في الاقتصاد الحقيقي، وفقدت قدرتها على الادخار أو التخطيط للمستقبل .. تدهور ظروف العمل: ارتفاع الأسعار، انخفاض الأجور الحقيقية، غياب الضمان الاجتماعي، وتزايد الاعتماد على الوظائف غير الرسمية، كلها عوامل تزيد من هشاشة غالبية المواطنين .. الخصخصة والفشل في الخدمات العامة: التعليم والصحة والخدمات الأساسية أصبحت سلعا، والقدرة على الوصول إليها مرتبطة مباشرة بالقدرة المالية للفرد أو الأسرة، ما يعكس التحول من مجتمع خدمات عامة إلى مجتمع طبقي محدود الوصول”.
هذا الانحراف الطبقي ليس اقتصاديًا فقط، بل سياسيًا: فغياب العدالة الاجتماعية يعني أن الدولة لم تعد تمثل غالبية المواطنين، بل مصالح الأقلية الغنية، وهو ما يفسر استمرار مظاهر الاضطراب الاجتماعي والصدام مع الأمن عند أي محاولة لتحدي الوضع القائم.
الدروس من تجربة الثورة إلى واقع اليوم
تجربتنا المعاشة منذ اليوم الأول للثورة تظهر بوضوح: “البداية الفردية أو التنظيمية المحدودة يمكن أن تتوسع إلى فعل جماعي واسع إذا كان هناك تراكم حقيقي من الحرمان الاجتماعي والاقتصادي .. مواجهة الدولة الأمنية لا تكون فقط في الشارع، بل أيضًا في الحياة اليومية: في العمل، في الأحياء الشعبية، وفي الوصول إلى الخدمات .. كسر الخوف الجماعي كان عنصرًا حاسمًا في يناير، واليوم يبقى شرطًا أساسيًا، لكنه أكثر تعقيدًا بسبب الطابع الاقتصادي–الطبقي للضغط على المواطنين”.
إذا كان يناير درسًا في القوة الشعبية، فإن الواقع الراهن يفرض درسًا مزدوجًا، الوعي بالحق في العدالة الاقتصادية، ومواجهة سياسات الدولة التي تكرس الفقر وتوسع فجوة الطبقات.
يناير بوصفها مرآة المستقبل الاجتماعي
ثورة 25 يناير لم تكن مجرد حدث سياسي، بل تجربة وجودية للطبقات الوسطى والمهمشة، التي واجهت القمع، وانطلقت نحو الشوارع لحماية مصالحها اليومية والعيش الكريم. اليوم، وبعد عشر سنوات، تتكرر معظم الأسباب نفسها: تفاقم الفقر، انهيار الخدمات العامة، غياب الرؤية لصالح الجماهير، وتنامي ثروة الأقلية المرتبطة بالدولة، مع استمرار تضييق المجال العام.
درس يناير يبقى حيًا: الثورة ليست حدثًا لحظيًا، بل عملية تراكمية اجتماعية واقتصادية. وكسر الخوف ليس مجرد شعار، بل تجربة جماعية مرتبطة بوعي الطبقات الاجتماعية بمصالحها، وبقدرتها على فرض هذه المصالح في الحياة اليومية.
الاستنتاج الرئيسي هو أن أي مشروع إصلاحي أو احتجاجي جديد لن يكون مجديًا دون معالجة الاختلالات الاقتصادية–الطبقية، والعدالة الاجتماعية، وإعادة توزيع الموارد، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين. دون ذلك، ستظل الأزمات مستمرة، وسيظل الشعب يعيش على هامش الحياة الكريمة، بينما يزيد تحالف السلطة ورأس المال من قبضته على الاقتصاد والموارد.

تنويه: هذا الموضوع تم نشره في العدد الأخير من مجلة التحالف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *