“كماشة الأطلسي”| كيف يعيد الخام الفنزويلي تشكيل عرش البترودولار؟ وهل تنجح “خلطة ترامب” في تحويل نفط الخليج إلى “خيار تجاري” قابل للابتزاز؟

كتب – يحيى الجعفري

في مطلع عام 2026، لم تعد الطائرات المتجهة من هيوستن إلى كاراكاس تحمل دبلوماسيين ببدلات رسمية، بل باتت تعج بمهندسي النفط ومديري العمليات بشركة شيفروين وعمالقة الخدمة البترولية الأمريكية. فوق حوض أورينوكو الفنزويلي، حيث يرقد أضخم احتياطي نفطي في العالم، انقشع غبار العقوبات الأيديولوجية ليحل محله ضجيج الحفارات.

لقد قررت إدارة ترامب العائدة أن البرميل الاستراتيجي لا يملك ديانة ولا انتماءً سياسياً؛ فالبراجماتية الأمريكية الجديدة أدركت أن كسر القيد التاريخي للشرق الأوسط يمر عبر الغوص في طين فنزويلا الثقيل. إن ما يحدث اليوم ليس مجرد صفقة نفطية عابرة، بل هو انقلاب كيميائي وجيوسياسي مدروس يهدف إلى تجريد النفط العربي من قدسيته التاريخية وتحويله من قدر لا مفر منه إلى مجرد خيار على طاولة المقامر الأمريكي.

* لعبة الأوزان النوعية.. فنزويلا كترس في آلة الهيمنة التقنية

تتحرك الإمبريالية الأمريكية بعقلية القرصان التقني الذي لا يشبع من الهيمنة؛ فهي لا تكتفي ببسط نفوذها العسكري عبر القواعد، بل تسعى اليوم لإخضاع قوانين الكيمياء البترولية لخدمة طموحاتها الاستعمارية المتجددة، تدرك واشنطن جيداً أن طفرة نفطها الصخري -التي تجاوزت أرقامها القياسية حاجز الـ 13 مليون برميل يومياً- تظل ناقصة بنيوياً؛ فهذا النفط هو نوع خفيف وحلو (Light Sweet) لا يمكنه بمفرده تشغيل الماكنة الأمريكية العملاقة. في المقابل، صُممت مجمعات التكرير الضخمة الممتدة على طول خليج المكسيك تاريخياً لمعالجة النفط الثقيل والحامض (Heavy Sour).

وهنا يجب توخي الدقة والإنصاف التحليلي؛ فالولايات المتحدة تدرك أن السعودية ليست مجرد منتج عادي، بل هي سوبر ماركت النفط العالمي بامتياز، حيث تمتلك سلة متنوعة فريدة تشمل العربي الخفيف جداً والخفيف وصولاً إلى المتوسط والثقيل. ومن هنا، لا تطرح الإمبريالية الأمريكية فنزويلا كبديل كامل وشامل لكل الدرجات السعودية، بل تستهدف تحديداً خلق عملية توازن تقنية تزيح الخام الخليجي المتوسط والثقيل -مثل العربي الثقيل وخام البصرة العراقي- من صدارة التوريد للمصانع الأمريكية.. فالمصافي الأمريكية في تكساس ولويزيانا تجد في كيمياء أورينوكو الفنزويلية تطابقاً أرخص وأقرب جغرافياً لسد حاجتها التقنية للخلط مع النفط الصخري الأمريكي، مما يسمح لها بتقليص المشتريات من قلب الشرق الأوسط دون توقف العمليات، وهو ما يعتبره خبراء الطاقة بداية تآكل تدريجي ومنظم للحصة السوقية العربية في الغرب لصالح القرصان التابع في الكاريبي.

* استراتيجية تفتيت الاحتكار: الخليج كخيار وليس كقدر

إن هدف واشنطن من هذا الاندفاع المحموم نحو كاراكاس ليس إقصاء الخليج كلياً من المشهد، بل تنفيذ إعادة توازن استراتيجي تهدف لفك الارتباط التاريخي القسري الذي جعل واشنطن رهينة للتقلبات السياسية في المنطقة العربية. الاستراتيجية الترامبية لعام 2026 تتبنى سياسة تذويب الهيمنة؛ حيث تسعى لإنهاء وضع الخليج كجهة وحيدة محتكرة لقرار الطاقة العالمي ومتحكمة في أمن الطاقة الأمريكي. القوة الإمبريالية أدركت أن بقاء أمنها القومي رهينة لقرارات منظمة أوبك بلس هو ثغرة أمنية كبرى لا يمكن التسامح معها في العقد الجديد، لذا فإنها تعيد صياغة العلاقة لتصبح قائمة على الابتزاز المتناوب.

من خلال إحياء الآبار الفنزويلية عبر ضخ مليارات الدولارات من الاستثمارات الأمريكية، تخلق واشنطن حالة من التنافس الإجباري المرير؛ فإذا حاولت العواصم الخليجية ممارسة سيادتها السعرية أو استخدام النفط كأداة ضغط سياسي، يتم إشهار ورقة الوفرة الفنزويلية فوراً كبديل جاهز لضبط كفة الميزان وإغراق الأسواق. ووفقاً لبيانات مؤسسة إس آند بي جلوبال (S&P Global)، فإن دخول المليوني برميل الفنزويلي المتوقع الوصول إليها بإدارة شركات أمريكية إلى معادلة العرض العالمي، يجرّد دول الخليج فعلياً من سلاح الحظر التاريخي. واشنطن هنا تحول الخليج من شريك مهيمن يملي الشروط، إلى مورد بديل ضمن خيارات متعددة، يمكن للبيت الأبيض استخدامه أو ركنه على الرف وفقاً لمدى انصياع تلك العواصم لبوصلة المصالح الأمريكية، مما يضمن أن يظل المقود والقرار النهائي دائماً في يد المركز الإمبريالي الذي يتلاعب بالجميع من مقعد المستفيد الوحيد.

* خرائط المصالح.. لماذا يظل الطلاق البائن مستحيلاً؟

وعلى الرغم من هذا الاندفاع الإمبريالي الجريء، تظل خريطة الاستيراد والتصدير الدولية شاهدة على تعقيدات تقنية ومالية تمنع وقوع الطلاق البائن بين واشنطن والشرق الأوسط في المدى المنظور.. فوفقاً لبيانات تفصيلية من إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، لا تزال الولايات المتحدة مرتبطة عضوياً بنفط الشرق الأوسط ليس فقط للحاجة الكيميائية البحتة، بل للحفاظ على استقرار سلاسل التوريد العالمية ومنع حدوث هزات سعرية قد تطيح بالاقتصاد العالمي. إن فك الارتباط النهائي هو وهم جيوسياسي يصطدم بحقيقة صلبة؛ وهي أن شركات عملاقة مثل أرامكو السعودية تمتلك حصصاً واستثمارات كبرى في قلب الداخل الأمريكي، ولعل مصفاة موتيفا (Motiva) في تكساس، وهي الأكبر في أمريكا الشمالية بالكامل، خير شاهد على هذا التشابك الوجودي.

هذه التشابكات الرأسمالية المعقدة تجعل من الهروب الأمريكي نحو فنزويلا مجرد عملية تخفيف اعتماد ذكية ومناورة كبرى للابتزاز السعري عبر خلق موازنات جديدة، أكثر منها قطيعة نهائية أو طلاقاً اقتصادياً. فالإمبريالية تدرك في قرارة نفسها أن استقرار اقتصادها يظل مرهوناً ببقاء خطوط الإمداد مفتوحة مع الظهران والبصرة والكويت، مخافة أن يؤدي الانفصال الكامل إلى ارتماء الخليج كلياً في أحضان التنين الصيني والدب الروسي بشكل ينهي نفوذ واشنطن في المنطقة للأبد ويحولها إلى ساحة نفوذ معادية. واشنطن تريد في واقع الأمر زواج مصلحة تكون هي فيه الطرف الأقوى الذي يملك حق تعدد الزوجات النفطي، لتبقي جميع المنتجين في حالة قلق دائم وترقب مستمر على حصصهم السوقية، مما يسهل عليها انتزاع التنازلات السياسية.

* جيوسياسية المسافة.. الهروب نحو الأطلسي وخنق الشرايين المالية العربية

في موازاة هذا الانقلاب الكيميائي، تبرز الجغرافيا كأداة سحق فعالة في العقيدة الاستعمارية الأمريكية الجديدة؛ فالإمبريالية لا تعترف بالحدود إذا ما اصطدمت بمصالحها الطاقية الحيوية. تُعد المسافة في العرف العسكري الأمريكي عبئاً أمنياً وتكلفة مالية ولوجستية يجب سحقها؛ لذا فإن العودة الإمبريالية إلى فنزويلا تمثل خطة ممنهجة للهروب من سجون الجغرافيا والتعقيدات السياسية والحروب بالوكالة في الشرق الأوسط. واشنطن تسعى اليوم لتحويل مسار الطاقة العالمي إلى نظام أطلسي مغلق يقع بالكامل تحت قبضة الأسطول الرابع الأمريكي. وتكشف بيانات مؤسسة لويدز ليست (Lloyd’s List) عن فجوة لوجستية تمنح واشنطن تفوقاً كاسحاً؛ فبينما تحتاج الناقلة العملاقة المنطلقة من رأس تنورة الخليجية لنحو 40 يوماً لقطع مسافات هائلة، مروراً بمضيق هرمز وباب المندب المشتعلين بالتوترات ثم قناة السويس، لا تستغرق الرحلة من موانئ فنزويلا إلى مصافي هيوستن في تكساس أكثر من 5 إلى 7 أيام فقط، وفي مياه تعتبرها واشنطن بحيرة أمريكية خاصة لا تجرؤ أي قوة دولية على تهديدها.

هذا التحول الجغرافي ليس مجرد اختصار للوقت والتكلفة، بل هو طعنة مزدوجة ومسمومة في خاصرة الدولة المصرية وسيادتها الاقتصادية. من ناحية أولى، يؤدي انكماش حركة ناقلات النفط والغاز المتجهة شمالاً إلى أوروبا وأمريكا عبر قناة السويس إلى تراجع حاد ومقلق في إيرادات النقد الأجنبي، وهو ما حذر منه البنك الدولي (World Bank) بوضوح، مؤكداً أن إعادة هيكلة تجارة الطاقة العالمية ستضع ضغوطاً غير مسبوقة على ميزان المدفوعات المصري والاحتياطيات النقدية. ومن ناحية أخرى، تبرز خطورة ما أشارت إليه مؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني؛ فالتراجع التدريجي للأهمية الاستراتيجية للمنطقة كمعبر وحيد للطاقة يمنح الإمبريالية الأمريكية ذريعة لتقليل فاتورة دعم الاستقرار المالي والسياسي في المنطقة، مما يترك قناة السويس أمام تحدي الفجوة الدولارية الكبرى، ويحول القناة من شريان حياة عالمي إلى ممر ثانوي يخدم المصالح الآسيوية فقط، ويجعل مصر أكثر عرضة للتقلبات الاقتصادية العالمية دون غطاء حماية دولي.

* زلزال البترودولار.. ماذا لو خسرت أمريكا ورقة التوت الخضراء؟

إلا أن هذه التحولات الجيوسياسية والجغرافية ليست سوى القشرة الخارجية لزلزال أعمق يمكن أن يضرب أساس الهيمنة المالية الأمريكية برمتها؛ فعقد البترودولار التاريخي المبرم منذ عام 1974 هو الركيزة الأساسية التي سمحت لواشنطن بتمويل ديونها الهائلة وطباعة تريليونات الدولارات التي يضطر العالم لشرائها لتأمين احتياجاته من الطاقة. وفي حال تحولت واشنطن في عام 2026 نحو الخيار الفنزويلي لضبط ميزانها الطاقي وتقليل اعتمادها على الخارج، فإنها عملياً تطيح بأساس هذا الاتفاق التاريخي وتخاطر بانهيار الطلب العالمي على عملتها، وهو ما يقدر بتريليونات الدولارات من السيولة المهاجرة. فإذا لم تعد واشنطن المشتري الأكبر والضامن الأمني الوحيد لنفط الخليج، فما الذي سيجبر الرياض وأبو ظبي والدوحة على البقاء داخل سجن الدولار وتحمل تبعات السياسات النقدية المتشددة للبنك الفيدرالي الأمريكي التي تنهك اقتصاداتهم الناشئة؟

هذا الأمر ليس محض تخيل كاتب أو تشاؤم سياسي، بل هو ذاته ما أشارت إليه تحذيرات مصرفية حادة من عمالقة مثل مورجان ستانلي (Morgan Stanley) وجيه بي مورجان (JPMorgan)؛ حيث أكدوا أن هذه الخيانة النفطية الأمريكية قد ترتد كخنجر مسموم في صدر الاقتصاد الأمريكي نفسه. فخروج الخليج من عباءة الدولار يعني عودة تريليونات الدولارات الفائضة والاحتياطيات إلى الداخل الأمريكي، مما قد يسبب موجات تضخم جامحة لم تشهدها واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية وقد تؤدي لانهيار القوة الشرائية للمواطن الأمريكي. نحن نشهد اليوم بالفعل بزوغ نظام البترو-يوان مع الصين، وهو ما يعتبره معهد ليفي للاقتصاد (Levy Economics Institute) بداية النهاية الحتمية لما يسمى بالامتياز المفرط للدولار. إن خسارة واشنطن لسلطة تسعير البرميل تعني فقدانها للقدرة على فرض العقوبات المالية بفعالية، مما يجرد الإمبريالية من أقوى أسلحتها غير العسكرية ويجعلها نمرة من ورق في المواجهات الاقتصادية الدولية.

يلقي هذا الاهتزاز في عرش الدولار النفطي بظلاله السوداء الكثيفة على الاستقرار النقدي في مصر والمنطقة العربية برمتها، وخاصة الدول التي تعاني من ارتباط وثيق وحساس بحركة العملة الصعبة. ووفقاً لتحليلات معمقة من جامعة رايس (Rice University)، فإن تراجع سطوة البترودولار سيؤدي إلى إعادة تشكيل الاحتياطيات النقدية العالمية بشكل فوضوي، مما يجبر الدول العربية على مواجهة قواعد لعبة نقدية جديدة وخطيرة لم تستعد لها بعد. الإمبريالية الأمريكية، في سعيها الأناني لتأمين برميلها الخاص تحت شعار أمريكا أولاً، قد لا تكتفي بتدمير استقرار حلفائها التاريخيين، بل قد تنهي بجهلها التاريخي عصر السيادة المطلقة للدولار، محولةً الولايات المتحدة من بنك العالم إلى مجرد اقتصاد كبير يصارع بشراسة من أجل الحفاظ على قيمة عملته في سوق دولي بات لا يرحم الضعفاء ولا المتغطرسين.

* خسارة الحليف وصعود القرصان التابع

وفي ثنايا هذا المشهد المعقد، تتجلى الفلسفة الاستعمارية لإدارة ترامب في عام 2026 في أوضح صورها؛ حيث لم يعد هناك مكان للتحالفات التقليدية القائمة على الاحترام المتبادل أو المصالح المشتركة طويلة الأمد. الإمبريالية في نسختها الحديثة والشرسة تفضل التعامل مع آبار مدارة بالوكالة في دول منهكة ومحطمة مثل فنزويلا، بدلاً من التعامل مع قوى إقليمية سيادية مثل دول الخليج التي تمتلك اليوم رؤى اقتصادية طموحة ومواقف سياسية مستقلة وكثيراً ما تعارض الرغبات والإملاءات الأمريكية في المحافل الدولية. واشنطن باتت ترى في العواصم الخليجية حلفاء متمردين يصعب السيطرة على قراراتهم السيادية، بينما ترى في فنزويلا الجريحة والمحاصرة، والتي تقع الآن تحت الإدارة التقنية والمالية الأمريكية المباشرة، نموذجاً مثالياً للقرصان التابع الذي ينفذ الأوامر الفنية والإنتاجية دون نقاش أو اعتراض.

تشير تقارير حديثة من معهد بروكينجز (Brookings Institution) إلى أن عقود الامتياز الجديدة التي منحتها إدارة ترامب لشركات عملاقة مثل شيفروين تعيد رسم ملامح الاستعمار النفطي القديم في ثوب تقني جديد؛ حيث تُدار الآبار الفنزويلية فعلياً كملاحق فنية لوزارة الطاقة الأمريكية وليست كأصول وطنية فنزويلية. هذا النموذج يمنح واشنطن ميزة التحكم المطلق في حجم الإنتاج وتكلفة البرميل، مما يتيح لها استخدام النفط ليس كأداة للدبلوماسية الدولية، بل كسلاح إغراق يستخدم لابتزاز المنتجين السياديين عبر فرض توازنات سعرية قسرية تخدم المستهلك الأمريكي والناخب في ولايات الحزام الصدئ. وبحسب تحليل بتروليوم إنتليجنس (PIW)، فإن ترامب يستخدم البرميل الفنزويلي الرخيص والمضمون كعصا غليظة لتهديد الحصص السوقية للخليج؛ فالمعادلة الأمريكية الجديدة واضحة: إما التبعية الكاملة للسياسة الخارجية الأمريكية، أو مواجهة الإغراق المتعمد للسوق الذي سيحطم الميزانيات العربية، مما يضع السيادة الوطنية العربية أمام اختبار وجودي لم يسبق له مثيل في مواجهة قرصنة طاقية عابرة للقارات لا تحترم عهوداً ولا مواثيق دولية.

* نهاية العصر الذهبي وولادة نظام الأطلسي أولاً

لم يعد السؤال الحقيقي اليوم هو مدى قدرة فنزويلا على تعويض النفط الخليجي من الناحية التقنية، بل هو عن مدى نجاح الإمبريالية الأمريكية في تحطيم قدسية النفط العربي وتحويله من سلاح استراتيجي كان يوماً يهز عروش الغرب ويغير سياسات الدول الكبرى، إلى مجرد سلعة تجارية عادية خاضعة للابتزاز والمنافسة غير المتكافئة عبر لعبة التوازنات الجديدة. إن ما كشفه هذا التحقيق هو مساعي واشنطن نحو ولادة نظام عالمي جديد وأكثر قسوة تحت شعار الجغرافيا تتفوق على التاريخ؛ حيث تمنح فيه واشنطن الأولوية المطلقة للسيطرة المباشرة والقرب المكاني على حساب التحالفات التاريخية التي باتت تعتبرها عبئاً سياسياً ومالياً لا طائل منه.

فبحسب تقارير استشرافية من معهد تشاتام هاوس (Chatham House)، فإن هذا التحول الجذري يفرض على دول المنطقة العربية، وعلى رأسها مصر ودول الخليج، ضرورة المسارعة في بناء ملاذات استراتيجية جديدة ومستقلة تماماً. فلم يعد التلويح بالبترويوان أو البتروذهب مجرد مناورة اقتصادية أو ورقة ضغط دبلماسي، بل أصبح ضرورة وجودية للدفاع عن السيادة الوطنية في وجه قرصنة الأطلسي القادمة. إن الاستغناء العظيم الذي تمارسه واشنطن اليوم هو جرس إنذار أخير يعلن بوضوح أن العصر الذهبي الذي كان فيه البرميل العربي يقرر مصير الانتخابات الأمريكية ويتحكم في بوصلة السياسة الدولية قد ولى إلى غير رجعة. والبديل القادم هو عالم متعدد الأقطاب يتسم بالشراسة وتضارب المصالح، حيث تضطر القوى الإقليمية لإعادة رسم خرائط نفوذها واعتماداتها المتبادلة بشكل جذري، بعيداً عن أوهام الحماية الأمريكية التي تبخرت بمجرد أن وجدت الإمبريالية ضالتها المنشودة في آبار فنزويلا المنهكة والمستباحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *