في عصر الغليان العالمي: نزع سلاح أزمة المناخ.. التكلفة الحقيقية للعسكرة وأثر الرأسمالية على انعدام الأمن
بقلم:
الدكتورة فاطمة خفاجي،
المنسقة المشاركة للشبكة النسوية العربية
ألاستاذة ديبورا بيرتون
المؤسسة المشاركة لمشروع “نقطة تحول شمالًا وجنوبًا”/”تحويل الدفاع”
“أزمة المناخ هي نتيجة مباشرة للنظام الرأسمالي، المدعوم بالاستعمار، والإمبريالية، وجشع الشركات.. إن الجيوش، التي تدافع عن مثل هذا النظام، لا يمكن أن تقوم بتغيير أو اصلاح النظام الذي وُجد من أجل الحفاظ عليه. أن الجيوش أيضا في ظل دخولها الحروب هي تزيد وتستفحل من أزمة تغيّر المناخ،بسبب انبعاثات الأسلحة .ان الجهود التي يبذلها الأفراد من الطبقات المضارة بسبب تغير المناخ لإنقاذ الكوكب لن يكون لها أثر إذا استمر المليارديرات والشركات والجيوش الممولة بشكل مفرط في تلويثه دون محاسبة.”
بيثليهم سامسون – مجالات النفوذ
وفي عصر الغليان العالمي هذا، تواصل الاقتصادات الكبرى زيادة إنفاقها العسكري. ان إبادة إسرائيل للشعب الفلسطيني، والحرب المستمرة في أوكرانيا، والهجوم علي ايران ومطالبة دونالد ترامب بزيادة ضخمة في إنفاق الناتو، كلها أمثلة على قادة الحكومات الذين يقودون البشر والكوكب نحو واقع لا يُغتفر ولا يُعقل: فبينما نتجه نحو تجاوز درجتين مئويتين من الاحترار، هناك تريليونات الدولارات تغذي الحروب وأرباح شركات السلاح، ولكن لا يوجد مال لتمويل المناخ ولا أي اهتمام بانبعاثات الغازات الدفيئة المترتبة على هذا الإنفاق العسكري.
بالإضافة إلى ذلك، نرى بشكل متزايد في العالم تمويل الحكومات للمساعدات الدولية والخدمات العامة يُحوَّل بشكل مخزٍ إلى ميزانيات عسكرية.
فمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي واحدة من المناطق التي عانت لعقود من مستويات عالية من النزاعات المسلحة والعسكرة والإنفاق العسكري المفرط. وهي أيضاً منطقة تواجه العواقب الكاملة لتغيّر المناخ. والنساء والفتيات هن من يدفعن الثمن الأعلى في الحروب والنزاعات.
* الجزء الأول: العسكرة والنزاعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا
سعت العديد من دول المنطقة إلى سد فجوات المساواة بين الجنسين، إدراكاً منها أن المساواة بين الجنسين أساسية لتحقيق السلام والاستقرار. فالمجتمعات ذات مستويات المساواة الأعلى بين الجنسين تميل إلى أن تشهد نزاعات عنيفة أقل، كما أن عمليات السلام التي تشمل عدداً أكبر من النساء تميل إلى الاستمرار لفترات أطول. و لكن عقوداً من النزاعات المسلحة المكثفة والعسكرة والإنفاق العسكري المفرط قوضت المساواة بين الجنسين، وأفشلت التقدم الاقتصادي، وعرّضت جهود السلام للخطر.
النساء والفئات المهمشة يتحملن العبء الأكبر للنزاع، حيث يواجهن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، والنزوح، وفقدان الموارد، والفقر، والجوع.
النساء والفتيات يدفعن الثمن باهظا:
فقبل اندلاع الصراعات المسلحة كانت أغلبية نساء سوريا والعراق قد حصلن علي التعليم ولكن اليوم وبسبب العنف المستمر ارتفعت نسبة أمية النساء بنسبة عالية والعراق التي تعاني من صراعات منذ عقود تعاني معاناة كبيرة من سيطرة المجتمع الذكوري الابوي الذي أدي الي تغيير قانون الاسرة بحيث يسمح الان بتزويج الفتيات منذ بلوغ سن الثانية عشر وأيضا مصر بالرغم من أنها لا تعاني من صراعات مسلحة منذ فترة ولكنها تخصص جزءا كبيرا من ميزانيتها لاستيراد الأسلحة وتعاني النساء من نسبة مشاركة اقتصادية متدنية وتعاني أيضا من نسبة أمية عالية في مصر
ان الصراعات وانعدام الاستقرار وانعدام الأمن تجعل النساء أكثر عرضة للتهميش الاقتصادي، وتزيد من مخاطر العنف الجنسي وغيره من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي. وتكرس جماعات مسلحة عديدة مظاهر الذكورية المؤذية والمسلحة في جميع أنحاء المنطقة
• يصنف ما يقرب من نصف دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أنها دول هشة ومتأثرة بالصراعات.
• تستضيف منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أكبر عدد من اللاجئين في العالم.
• على سبيل المثال، لدى لبنان أعلى نسبة لاجئين للفرد على مستوى العالم، حيث يستضيف واحدًا من كل ثمانية لاجئين في العالم.
• لطالما استضافت الأردن أعدادًا كبيرة من اللاجئين، معظمهم من فلسطين والعراق وسوريا.
• تستضيف مصر أكثر من مليون لاجئ مسجل وطالب لجوء، معظمهم من السودان وسوريا، في حين تقدر المنظمة الدولية للهجرة أن حوالي تسعة ملايين مهاجر دولي يعيشون في مصر، وهو ما يمثل 8.7٪ من سكانها. (المنظمة الدولية للهجرة مصر)
تتعرض النساء اللواتي يعشن في مناطق النزاع لمستويات أعلى من الصدمات النفسية، مما يؤدي إلى انتشار اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب. ويتعرض الفلسطينيون بشكل خاص لخطر كبير بسبب التعرض المطول للعنف والنزوح.
وتُعرِّض قضايا متداخلة، كالصراع وتغير المناخ، النساء والفئات المستضعفة لمخاطر أكبر. فالصراع يزيد من احتمالية تعرض النساء والفتيات للعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، ويوسع الفجوات التعليمية، ويعرقل الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، ويحد من مشاركة المرأة السياسية والاقتصادية.
وعلى مدى عقود طويلة، ساهمت القوى الخارجية بشكل كبير في تشكيل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من خلال سياسات عسكرية. ويتجاوز هذا الأثر الضرر المادي والاقتصادي، إذ يعمّق الفجوات بين الجنسين في الرعاية الصحية والتوظيف والتمثيل والمساعدات الإنسانية. ولطالما تجاهلت جهود بناء السلام احتياجات المرأة الخاصة ومساهماتها المحتملة.
ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، شنت إسرائيل حملة وحشية مخططة من التطهير العرقي ضد غزة، والتي أودت بحياة عشرات الآلاف من الأشخاص ، حيث تحملت النساء والأطفال العبء الأكبر (أكثر من 70% من الضحايا).
لقد حوّلت الإبادة الجماعية البنية التحتية في غزة إلى أنقاض، تاركةً ملايين النساء والأطفال دون الحصول على الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم والمياه والصرف الصحي والملاجئ… إلخ. وقف العالم متفرجًا، فشهد على هذه المجزرة التي كشفت عن معاناة النساء الفلسطينيات اللواتي كنّ وما زلن يتحملن وطأة أهوالها التي لا تُوصف: النزوح، وفقدان أطفالهن وأحبائهن، والتعرض المستمر للعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
– منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: الإنفاق العسكري المفرط
ارتفعت النفقات العسكرية بشكل حاد نتيجة تصاعد الاحتلالات والنزاعات. في عام 2024، بلغ الإنفاق العسكري في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 273 مليار دولار — بزيادة قدرها 19% مقارنة بعام 2023 (وفقًا لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي SIPRI). كما تسجل دول المنطقة أعلى عبء عسكري (الإنفاق العسكري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي) وأعلى إنفاق عسكري مقارنة بالإنفاق الحكومي بين جميع مناطق العالم.
إضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يواجه 90 مليون شخص في المنطقة ضغوطًا مائية بحلول عام 2025. كما أن المنطقة ترتفع حرارتها بسرعة تفوق المتوسط العالمي، مع تسارع موجات الحر والجفاف التي تؤدي إلى التصحر — وهو اتجاه مقلق في منطقة تشكل الصحراء 82% من مساحتها أصلًا. وتفاقم المشكلات الاجتماعية القائمة، مثل عدم المساواة بين الجنسين.
ويعيق الإنفاق الكبير على التسلح التنمية الاجتماعية بشدة، لا سيما في المجالات الحيوية لرفاه وتمكين النساء.حيث تخصص العديد من الحكومات أجزاء كبيرة من ميزانياتها للدفاع والأمن على حساب الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم.
ويؤثر التسلح على النساء في المجالين الخاص والعام. في المجال الخاص، يعزز القيم الأبوية؛ وفي المجال العام، يؤدي الإنفاق العسكري المرتفع إلى إزاحة الإنفاق المدني، مما يزيد العبء غير المدفوع للرعاية على النساء. كما يوسع فجوة عدم المساواة في الدخل، حيث تتأثر النساء والأطفال بشكل غير متناسب بسبب الفجوات بين الجنسين في الأجور والدخل وملكية الأصول. كما أن انخفاض تمثيل النساء في الهيئات التشريعية والتنفيذية في المنطقة يحد من الدعوات إلى تقليص الإنفاق الدفاعي.
من المرجح أن يؤدي التسلح إلى تفاقم عدم المساواة بين الجنسين، إذ تعتمد النساء بشكل كبير على برامج الرعاية الاجتماعية. وفي المجتمعات المعسكرة militarized، لا تكون المساواة بين الجنسين أولوية حكومية. ومن خلال تعزيز الهياكل الأبوية، يحد التسلح من الفرص الاقتصادية للنساء، مما يقلل من مشاركتهن في سوق العمل.
تحتل النفقات العسكرية في دول مثل قطر والسعودية ومصر مراتب بين الأعلى عالميًا. بين عامي 2020 و2024، استحوذت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على 29% من واردات الأسلحة العالمية (SIPRI). وبين 2017 و2021، كانت قطر والسعودية ومصر من أكبر مستوردي الأسلحة عالميًا، حيث أولت أولوية للإنفاق العسكري على حساب التكيف المناخي والاستثمار في الطاقة المتجددة.و تهيمن الولايات المتحدة على 52% من إمدادات الأسلحة في المنطقة، تليها دول أوروبية مثل فرنسا وإيطاليا وألمانيا.
تكشف نظرة فاحصة على ميزانيات الحكومات أن مصر تخصص حصة أكبر للجيش مقارنة بالصحة أو التعليم. وفي المملكة العربية السعودية، يضاهي الإنفاق العسكري الإنفاق على التعليم ويتجاوز الإنفاق على الصحة. كما تستورد إسرائيل، وهي منتج رئيسي للأسلحة، أسلحة من الولايات المتحدة التي توفر حوالي 70% من إجمالي وارداتها من الأسلحة، وتساهم ألمانيا أيضاً بشكل كبير في هذا المجال.
– المزيد من الأسلحة يعني المزيد من انعدام الأمن
الإنفاق العسكري المتزايد باستمرار لا يؤدي إلى مزيد من الأمن. بل له تأثير معاكس. فبين عامي 2010 و2022، تضاعف عدد النزاعات تقريبًا، وشهد عام 2023 أعلى عدد من النزاعات منذ الحرب العالمية الثانية. النزاعات هي السبب في الاستحواذ علي 80٪ من جميع الاحتياجات الإنسانية.
فيكشف مثلا قصف إسرائيل لغزة عن التكلفة البشرية الفظيعة للسياسات التي تشكلت في دولة شديدة التسليح مثل إسرائيل.
وتحتاج منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على وجه التحديد، والعالم بصفة عامة، إلى إصلاح عاجل لمجلس الأمن، وهو الهيئة الرئيسية لصنع القرار في مجال السلام والأمن التابعة للأمم المتحدة. تأسس المجلس في عالم ما بعد الحرب، ولا يزال يعكس النظام ما بعد الاستعماريPost colonial.
ويتجلى ذلك في أن الدول الخمس الدائمة العضوية− الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة− لا تزال أكبر مصدري الأسلحة في العالم. نحن بحاجة ماسة إلى إصلاح مجلس الأمن بحيث يعطي الأولوية لتمويل السلام وليس الحرب، ونحتاج إلى خفض الإنفاق العسكري وتوجيهه نحو العمل المناخي، والانتقال العادل للطاقة للجميع، والخدمات العامة اللائقة.
* الجزء الثاني : الانبعاثات العسكرية العالمية والإنفاق العسكري وتمويل المناخ
في الوقت الذي نحتاج فيه إلى طموحات كبيرة في مجال التمويل المناخي، على الصعيدين المحلي والدولي، فإن الدول التي تنفق الكثير على الأسلحة تعطي الأولوية لاستثمارات إضافية واسعة النطاق في إعادة التسلح التقليدي: علي طائرات مقاتلة ودبابات وسفن حربية تعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري.
لمحة عامة عن الوضع العالمي
ارتفعت النفقات العسكرية العالمية إلى أكثر من 2.7 تريليون دولار في عام 2024، بزيادة قدرها 37 في المائة بين عامي 2015 و2024. (SIPRI) تمثل الدول العشرين الأكثر إنفاقًا وحدها أكثر من 85٪ من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي. وكان الارتفاع بنسبة 9.4 في المائة في عام 2024 هو أعلى ارتفاع سنوي منذ عام 1988 على الأقل. وللعام الثاني على التوالي، ارتفعت النفقات العسكرية في جميع المناطق الجغرافية الخمس في العالم، مما يعكس التوترات الجيوسياسية المتزايدة في جميع أنحاء العالم.
إذا استمر هذا الاتجاه، فمن المتوقع أن نشهد بين عامي 2025 و2030 إنفاق أكثر من 17 تريليون دولار أمريكي على العسكرة الدولية ، حيث ستنفق الدول المتقدمة الغنية المدرجة في الملحق الثاني حوالي 55% من هذا المبلغ على جيوشها. وهذا الاتجاه آخذ في التسارع، لذا فإن مبلغ 17 تريليون دولار أمريكي سيرتفع إلى أكثر من ذلك مع زيادة الدول الغنية لنفقاتها العسكرية.
بلغت نفقات روسيا العسكرية ما يقدر بنحو 149 مليار دولار في عام 2024، بزيادة قدرها 38٪ عن عام 2023 ومضاعفة المستوى في عام 2015. ويمثل هذا 7.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي لروسيا و19٪ من إجمالي الإنفاق الحكومي الروسي.
احتلت أوكرانيا المرتبة الثامنة من حيث الإنفاق العسكري في عام 2024، حيث زاد الإنفاق بنسبة 2.9 في المائة إلى 64.7 مليار دولار، أي ما يعادل 43 في المائة من إنفاق روسيا. وبلغت نسبة الإنفاق العسكري في أوكرانيا 34 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى معدل بين جميع الدول في عام 2024. وتلقت أوكرانيا ما لا يقل عن 60 مليار دولار من المساعدات العسكرية المالية في عام 2024، معظمها من الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا ودول أوروبية أخرى. ولو تم إدراج هذه المساعدات، لبلغ إجمالي الإنفاق العسكري لأوكرانيا 125 مليار دولار في عام 2024، مما يجعلها رابع أكبر دولة من حيث الإنفاق العسكري في العالم.
ارتفع الإنفاق العسكري لإسرائيل بنسبة 65 في المائة إلى 46.5 مليار دولار في عام 2024. وارتفع عبء الإنفاق العسكري إلى 8.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ثاني أعلى معدل في العالم. وكانت إسرائيل تحتل المرتبة الخامسة عشرة بين أكبر الدول إنفاقًا في العالم قبل حربها على غزة. ويتم تصدير 80 في المائة من الإنتاج العسكري الإسرائيلي، وتشكل الأسلحة 25 في المائة من إجمالي الصادرات الصناعية لإسرائيل.
تمثل منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الآن تحالفًا أمنيًا يضم 32 عضوًا. ومنذ عام 2021، رفعت دول الناتو ميزانياتها الدفاعية الإجمالية بنسبة 25 في المائة لتصل إلى 1.5 تريليون دولار، حيث وصلت العديد منها إلى هدف الإنفاق البالغ 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك، فإن هدف الإنفاق الذي أعلنته منظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) مؤخرًا بنسبة 3.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي سيؤدي إلى إجمالي إنفاق عسكري بحلول عام 2030 يبلغ 13.4 تريليون دولار، بزيادة قدرها 2.6 تريليون دولار عن الإنفاق الحالي (TIPPING)
,وا ذا قررت الصين مُضاهاة حلف الناتو بنسبة 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي وتبني نفس الهدف، فستُضاعف إنفاقها العسكري إلى 646 مليار دولار، مع ما يترتب على ذلك من آثار على الانبعاثات العسكرية وتحويل الاستثمارات المناخية والاجتماعية لأغراض عسكرية.
– تمويل المناخ
هناك تقديرات متباينة للمبالغ اللازمة لتلبية احتياجات تمويل المناخ في دول الجنوب العالمي، والتي يتعين على دول الشمال العالمي تلبيتها. دعت لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة عام ٢٠٢٣ إلى تخصيص ٢.٤ تريليون دولار أمريكي سنويًا بحلول عام ٢٠٣٠؛ ودعت شبكة العمل المناخي الدولية، وهي منظمة مجتمع مدني، إلى تخصيص ٥ تريليونات دولار أمريكي سنويًا في مؤتمر الأطراف التاسع والعشرين في باكو. في ذلك الاجتماع، اتفقت الأطراف على تخصيص ١.٣ تريليون دولار أمريكي سنويًا، ولكن مع تخصيص ٣٠٠ مليار دولار فقط من التمويل العام. لقد كان ذلك خيانةً فادحةً لدول الجنوب العالمي من قِبل الدول الصناعية الغنية.
ومع ذلك، في الفترة ما بين عامي 2013 و2021، أنفقت تلك البلدان الأكثر ثراء 9.45 تريليون دولار على الجيش، أي 56% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي (16.8 تريليون دولار) مقارنة بنحو 243.9 مليار دولار على تمويل المناخ الدولي الإضافي (TPNS وآخرون).
يتجلى مثال “القيمة مقابل المال” في برنامج طائرة لوكهيد مارتن المقاتلة إف-35. فالتكلفة الإجمالية العالمية المقدرة لتطويرها (20 عامًا) والبالغة تريليوني دولار كانت كافية لتمويل أيٍّ من البنود التالية بالطريقة التالية:
1) استجابة الأمم المتحدة للكوارث على مدى 400 عام قادمة؛
2) الحفاظ على التنوع البيولوجي العالمي بمبلغ 100 مليار دولار سنويًا على مدى العشرين عامًا القادمة؛
3) تمويل منظمة الصحة العالمية بمبلغ 2 مليار دولار سنويًا على مدى الألف عام القادمة؛
4) عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة تبلغ حاليًا 4.5 مليار دولار سنويًا على مدى 444 عامًا قادمة.
– هدف الناتو الجديد للإنفاق العسكري مقابل تمويل المناخ
في الوقت الذي تعجز فيه دول الناتو الـ 32 (بما في ذلك العديد من أغنى الدول الصناعية في العالم) عن الوفاء بالتزاماتها المالية المتعلقة بالمناخ تجاه دول الجنوب العالمي، تسعى هذه الدول إلى تأمين إنفاق عسكري إضافي قدره 2.6 تريليون دولار على مدى السنوات الخمس القادمة. (TPNS وآخرون).
• يغطي هذا المبلغ احتياجات تمويل المناخ للدول النامية لمدة ثلاث سنوات تقريبًا، بمعدل تريليون دولار سنويًا.
• أو قد يُخصص بالكامل لتحديث شبكة الكهرباء العالمية وجعلها متوافقة مع صافي الانبعاثات الصفرية بحلول عام 2030.
• تنفق دول حلف شمال الأطلسي بالفعل 52 ضعفًا على الجيش مقارنةً بتمويل المناخ، والأموال المخصصة لتمويل المناخ هي موجودة وموجودة ضمن الميزانيات العسكرية.
– الانبعاثات العسكرية العالمية
هناك علاقة طردية بين الإنفاق العسكري والانبعاثات العسكرية – فكلما زاد الانفاق على الأسلحة باهظة الثمن والمستهلكة للوقود، زادت انبعاثات غازات الدفيئة التي تُصدرها. (نيتشر كوميونيكيشنز)
وبعيدًا عن كون الجيش العالمي يدعي انه جزءًا في وضع حلول من أجل تغير المناخ (مثل الاستجابة الإنسانية)، فإنه يُسهم بشكل كبير في تغير المناخ، في أوقات السلم والحرب.
• تُقدَّر البصمة الكربونية العسكرية العالمية بنحو 5.5% من إجمالي الانبعاثات العالمية. (SGR/CEOBS).
• لا يشمل هذا التقدير الانبعاثات المرتبطة بالصراعات (غزة، أوكرانيا، ما بعد حروب 11 سبتمبر).
وهو يفوق إجمالي الانبعاثات السنوية لدول القارة الأفريقية الـ 54 مجتمعةً.
• وهو ضعف انبعاثات الطيران المدني.
• يُقدَّر حاليًا عبء انبعاثات غازات الدفيئة الناتج عن الغزو الروسي لأوكرانيا بنحو 175 مليون طن مكافئ من ثاني أكسيد الكربون. (مبادرة محاسبة انبعاثات غازات الدفيئة في الحرب، وآخرون).
• تُقدِّر أحدث الأبحاث حول حرب إسرائيل على غزة عبء الانبعاثات بنحو 31 مليون طن مكافئ من ثاني أكسيد الكربون. (نيمارك وآخرون).
• أسقطت إسرائيل قنابل على غزة في أقل من عام أكثر مما ألقته على دريسدن وهامبورغ ولندن مجتمعة خلال الحرب العالمية الثانية.
• إذا طُبِّق هدف الإنفاق الجديد لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بنسبة 3.5% على مدى السنوات الخمس المقبلة، فسيؤدي ذلك إلى إضافة 2,330 مليون طن إضافية من مكافئ ثاني أكسيد الكربون إلى إجمالي انبعاثات الكربون. (TPNS وآخرون).
ويعادل هذا تقريبًا إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة السنوية في البرازيل واليابان.
– صناعة الأسلحة
تُعدّ شركات الأسلحة المستفيد الرئيسي من الإنفاق العسكري العام، وخاصةً في أوقات الحروب والنزاعات. تُعتبر الحروب النزاعات والإبادة الجماعية أمورًا “جيدة” لتجارة الأسلحة.
أكبر المستفيدين من موجة العسكرة الحالية هم أكبر عشر شركات أسلحة، والتي تتخذ من دول حلف شمال الأطلسي (الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة) مقرًا لها. وقد ارتفعت إيراداتها بمعدل 7.79% بين عامي 2023 و2024. (معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام).
بلغت مبيعات أكبر 100 شركة أسلحة 600 مليار دولار أمريكي في عام 2021 (قبل حربي أوكرانيا وغزة).
تستحوذ أكبر 20 شركة أسلحة بمفردها على ثلثي إجمالي مبيعات الأسلحة في العالم.
أنهم يأتون من بضع دول فقط: الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، وروسيا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وإيطاليا.
وبينما يتزايد استغلال التسلح، فإن الإنفاق العسكري المتزايد باستمرار لا يحقق السلام.
* الجزء الثالث: العدالة المناخية تتطلب إنهاء العسكرة المتصاعدة
“إن القوى نفسها التي تدمر مناخنا تقصف شعبنا وتسرق مستقبلنا. لا يمكننا فصل العدالة المناخية عن النضال من أجل الحرية. من غزة إلى الأمازون، نرى كيف تُغذي العسكرة ورأسمالية الوقود الأحفوري كلاً من الإبادة البيئية والإبادة الجماعية. لهذا السبب، وبعبارة أخرى: لا مزيد من ذلك. لا مزيد من آلات الحرب، لا مزيد من الاستعمار المناخي، لا مزيد من تجارب الهندسة الجيولوجية فوق سمائنا. حان وقت العمل. من أجل العدالة، من أجل الحياة، من أجل التحرير.”
محمد صرف، المدير التنفيذي للمعهد الفلسطيني لاستراتيجية المناخ
إعادة توجيه تريليونات الجيوش العالمية
يُسبب الإنفاق العسكري فوضى مناخية. فهو يستنزف الأموال الضرورية من تمويل المناخ. إنه تحويل هائل للثروات من قِبل الحكومات من دافعي الضرائب إلى شركات الأسلحة. وفي الوقت نفسه، لا يُعزز هذا الإنفاق قرونًا من النفوذ الغربي على دول الجنوب فحسب، بل يُحوّل أيضًا حالة الطوارئ المناخية التي تواجه مئات الملايين من سكان دول الجنوب – الذين لم يسببوا شيئًا في فوضي أزمة المناخ – إلى قضية أمن مناخي تُهدد دول الشمال.
لذا فقد حان الوقت لادراج الانفاق العسكري كمصدر مشروع لمواجهة تغير المناخ اذ من الواضح ان الاموال متوفرةولكن يبدو من الضروري ان نقضي علي مقولة “التريولونات للجيوش وليس لتمويل المناخ”
ولذا فنحن نحتاج الي :
1) وضع خطط ملموسة للدول المتقدمة لخفض إنفاقها العسكري بهدف الاستثمار في العمل المناخي ضمن مساهماتها المحددة وطنياً.
2) معالجة الانبعاثات العسكرية بشكل كامل في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، مع الإبلاغ
الكامل والشفاف عن جميع الانبعاثات العسكرية في السلم والحرب،
3) اصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وهو أمرٌ حيوي. فيجب أن نبتعد عن الأطر البالية التي سادت في القرنين التاسع عشر والعشرين في صنع السياسات الخارجية والدفاعية، والتي أدت إلى حروبٍ دائمة طوال القرنين العشرين والحادي والعشرين.
.يجب على المجتمع المدني أن يبذل أقصى جهد ممكن لإيصال رسالة واحدة إلى قادة الدول : لا توجد دولة آمنة على كوكب يعاني من انعدام الأمن المناخي.

