د. فاطمة خفاجي تكتب: ذكرياتي وثورة يناير
شعر العديد من المصريين، مثلي، أن مقتل خالد سعيد في يونيو 2010 كان الشرارة التي أشعلت ففتيل الثورة المصرية عام 2011. كان خالد سعيد يبلغ من العمر 28 عامًا، وهو من الإسكندرية، ومثل العديد من شباب مصر، كان غاضبًا ومحبطًا بسبب السلوك الوحشي المتواصل للشرطة المصرية، وخاصة ضد الشباب. تعرض العديد من الشباب للإذلال في الشوارع، ومراكز الشرطة، ووسائل النقل، وفي العديد من الأماكن العامة والخاصة. كان خالد في مقهى إنترنت عندما اقتحمت الشرطة (المخبرون) المقهى وبدأت بتفتيش الجميع، وكل المعدات، وكل الأوراق الموجودة. اعترض خالد على تصرفهم، فقام اثنان من المخبرين باقتياده إلى ناصية الشارع وضرباه بشدة حتى كسرا جمجمته وتسببا في وفاته. ألقيا به في الشارع، ثم اتهماه بحيازة كمية كبيرة من الحشيش، وزعما أنه أثناء تفتيشه، ابتلع الحشيش لإخفاء جريمته، مما أدى إلى اختناقه ووفاته. كان الجميع يعلم أن هذه الرواية ملفقة اذ أن الشرطة في عهد مبارك كانت تمارس جرائم وحشية مماثلة ضد الشباب المصري بشكل منتظم.
وقد تظاهر كثيرون في الإسكندرية معلنين عن استيائهم من استمرار أعمال الشرطة الإجرامية ضد الأبرياء. ولزمن طويل، لم تُجرَ محاكمة عادلة لمن ارتكبوا هذه الجريمة وقتلوا خالد سعيد.
لم تكن جريمة قتل خالد سعيد على يد الشرطة هي الحادثة الوحيدة التي جعلتني أشعر بأن الأمور لم يعد من الممكن أن تستمر على ما هي عليه في مصر. فقد كانت هناك إضرابات ومظاهرات في المصانع خارج القاهرة، كما كانت هناك أنشطة للحركات الاجتماعية مثل حركة «كفاية» و«الجمعية الوطنية للتغيير». إلا أن حادثة قتل خالد سعيد أدت إلى ذروة كراهية الشباب للشرطة المصرية، وجعلت الكثيرين منهم على استعداد للتضحية بأنفسهم من أجل إنهاء وحشية الشرطة.
وكحال كثير من المصريين، كنت أتابع الشباب على الإنترنت ودعواتهم للمصريين للتوجه إلى ميدان التحرير للتعبير عن غضبهم وعدم تسامحهم مع النظام. قررت الاستجابة لهذه الدعوة في الخامس والعشرين من يناير. ذهبت إلى ميدان التحرير، وكانت الشوارع مليئة بالناس المتجهين إلى الميدان. قررت أولاً الانضمام إلى أصدقائي المهتمين بالسياسة، لأنهم الأفضل للتواجد معهم في مثل هذه الظروف. وثانياً، قررت الذهاب إلى منظمتي غير الحكومية؛ «رابطة المرأة العربية»، لنتناقش كعضوات وموظفات كيفية دعم الثورة. وعلمنا أن المتظاهرين في ميدان التحرير كانوا بحاجة إلى بطاطين وخيام وأغطية بلاستيكية لحمايتهم من الامطار. وفورا اشترينا اللازم ونقلناه الي الميدان .
ورأت جمعيتي النسوية الاستعداد للمطالبة بحقوق المرأة. وقمنا سريعاً بنصب خيمة صغيرة في الميدان لمساعدة المتظاهرين، وفي الوقت نفسه للحديث عن حقوق المرأة. بقيت في الميدان طوال النهار وحتى وقت متأخر من الليل، أشارك في التظاهر، وأساعد المتظاهرين، وأنادي بالمساواة في حقوق المرأة بعد الثورة.
وفي يوم الجمعة 28 فبراير، ذهبت إلى ميدان الجيزة للانضمام إلى زعيم المعارضة محمد البرادعي ومجموعته، حيث كانوا ينوون الصلاة في مسجد الاستقامة وأن يتصدر البرادعي مظاهرة سلمية تطالب بتغيير النظام. كان المكان مليئاً بالشرطة التي استخدمت الغازالمسيل للدموع القوي لإخافة المتظاهرين وتفريقهم، إضافة إلى الأسلحة الثقيلة والدبابات. وحدثت مئات الاعتقالات في ذلك اليوم في محاولة لقمع المظاهرات المناهضة للنظام. وكان ذلك اليوم من أكثر الأيام عنفاً، حيث أُمرت الشرطة بإطلاق النار والاعتقال واستخدام كميات كبيرة من الغاز المسيل للدموع للتأكد من تفريق المتظاهرين بالقوة. وكان الهروب من ميدان الجيزة في ذلك اليوم مغامرة محفوفة بالمخاطر، لكنني نجحت لحسن الحظ في الوصول إلى وسط مدينة القاهرة.
وفي الثامن من فبراير وقعت معركة الجمل في ميدان التحرير وامتلأ الميدان بعناصر مؤيدة للنظام على الخيول والجمال الذين هاجموا المتظاهرين وقتلوا أكثر من عشرة متظاهرين وأصيب أكثر من ستمائة اخرين في ذلك اليوم كان الهدف من الهجوم انهاء الثورة وردع الجميع من التوجه الي ميدان التحرير وقد حصل العكس اذ منحت المعركة زخما قويا من أجل الإصرار على انهاء حكم مبارك.
وقد اشتركت في نقل الادوية والمساعدات الطبية الي مسجد صغير في ميدان التحريريطلق عليه أسم مركز الزاوية الصحي فجر انتهاء معركة الجمل حيث استقبل المجلس مئات الجرحي والمصابين لأسعافهم عن طريق أطباء وطبيبات وممرضين ومساعدين كثيرون وقد كان هذا المركز هو الوحيد الامن لاستقبال الجرحي حيث يصعب الهجوم على مسجد مما يثير حفيظة الجميع.
وبعد ثمانية عشر يومًا من الثورة، في الحادي عشر من فبراير، سقط مبارك ونظامه. احتفلت شوارع وسط القاهرة وغيرها من المدن بهذا النبأ السار. كان الناس يرقصون ويهتفون ويتبادلون القبلات في الشوارع.
وخلال الأيام الثمانية عشر المجيدة في بداية الثورة، لم يكن هناك أي انقسام بين الرجال والنساء، ولا بين المسلمين وغير المسلمين، ولا بين الفقراء والأغنياء، ولا بين المتعلمين والأميين، ولا بين القادمين من القاهرة وأولئك القادمين من القرى. كان الجميع يشعرون بأنها ثورتهم، ويتقاسمون المسؤوليات، ويتصرفون بحرية متجاوزين الانقسامات التقليدية والعلاقات الجندرية السائدة التي رسخها في أذهاننا سابقًا نظام أبوي اعتمد على إعلام فاسد، وسوء تفسير للدين، وتعليم غير مستنير.
وخلال ثورة يناير 2011، كانت النساء جنبًا إلى جنب مع الرجال في الميادين يتظاهرن، ويدافعن عن أنفسهن وعن باقي المتظاهرين. دافعن عن الميدان، وأقمن المتاريس، وقدن النقاشات، وهتفن بالشعارات، وشاركن الرجال في إسعاف الجرحى، ورثاء الشهداء، وتنظيف آثار المواجهات، وتفتيش الداخلين إلى الميادين، وتوفير الطعام والمياه، والخيام والبطاطين للمتظاهرين الذين باتوا في الميدان، وهتفن ورقصن حين تحقق النصر.
خلال الأيام الثمانية عشر الأولى من الثورة، لم يكن هناك فرق بين الرجال والنساء أو بين الشباب والشابات. فقد أمضت كثير من الشابات ليالي عدة في خيم الميدان. وكان كثيرون يؤمنون بأن حقوق المرأة لن تتحقق إلا مع تحقيق المزيد من الحقوق لجميع المصريين. وجادل كثيرون بأن التغيير السياسي في مصر يجب أن يركز أولًا على تأمين حقوق جميع المواطنين، وربما بعد ذلك يمكن التركيز على حقوق المواطنات.
بينما رأت النساء المشاركات الأكبر سنا ان ثورة الميدان لا بد لها أن ترفع شعارات تطالب بالمساواة وبحقوق النساء كاملة وذلك الي جانب مطالب الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية وذلك تخوفا أن يحدث لثورة يناير ما حدث للثورات الأخرى التي شاركت فيها النساء الي جانب الرجال وبعد انتهاء هذه الثورات أجبرت المرأة على التراجع والعودة الي المنزل لتقوم بدورها الانجابي. أما الشابات من الاسر الفقيرة وخاصة من الأماكن الريفية حيث تعاني النساء من الحرمان من حقوقهن بسبب العادات والتقاليد فقد رأوا أن الثورة هي فرصة للحصول على حقوقهن ومحاربة العادات السيئة التي تمارس ضدهن مثل ختان الاناث والزواج المبكر والحد من حرية تنقلهن وغيرها.
ولم تستمر الصورة المثلي لاستيعاب النساء في الثورة فبدأ الهجوم علي نساء مصر اللاتي كن يحتفلن بعيد المرأة العالمي في مارس 2011 واتهمت الحركة النسوية بأنها مرادف للآنحلال ومارس مجموعة من الشباب المأجور العنف ضد النساء المحتفلات وسريعا ما تبدل الحال وتزايدت معدلات العنف الجنسي في شوارع مصر لمنع النساء من المشاركة السياسية وتم استخدام أدوات مستحدثة في الاغتصاب بأدوات حادة واستحدث الاغتصاب وهتك العرض الجماعي الا ان ذلك لم يثنيها عن المشاركة والمطالبة بتحقيق أهداف الثورة وتم للآسف سقوط أول قتيلتين ضحايا للعنف الجنسي في مصر احداهما من أسيوط والاخري من الغربية الاولي قتلها المتحرش الذي قاومته والاخري دهسها المتحرش بسيارته لكي يلوذ بالفرار.
إن مقاومة النساء تُهدد الأنظمة الاستبدادية كما يذكر أكثر من مقاومة الرجال، لأن النساء يُعارضن هذه الأنظمة ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأسباب نسوية. ورداً على جهود وأنشطة النسويات والناشطات في مجال حقوق المرأة، تستخدم الأنظمة الاستبدادية آليات النظام الأبوي لتشويه سمعة النساء. كمثال على قوة مقاومة النساء، وكيف استغل النظام حساسية قضايا المرأة لفرض القمع، ما حدث في 9 مارس 2011، حيث اعتُقلت ست عشرة شابة متظاهرة في ميدان التحرير، واحتُجزن في المتحف المصري، وأُجبرت غير المتزوجات منهن على الخضوع لما يُسمى بفحص العذرية، والذي أجراه طبيب عسكري. واحدة فقط من بين الفتيات الست عشرة اللواتي تعرضن لهذا العنف أبلغت عنه ورفعت دعوى قضائية. كانت سميرة إبراهيم طالبة من ضواحي القاهرة، وقد حظيت آنذاك بدعم عدد من النساء المشاركات في الثورة. جُرّدت سميرة، البالغة من العمر 25 عاماً آنذاك، من ملابسها، وأُجبرت على الخضوع لفحص العذرية أمام ضباط وجنود عسكريين. كانت هي ووالداها يتمتعون بالشجاعة الكافية للوقوف في وجه انتهاكات المجلس العسكري الحاكم لمصر آنذاك. لقد كانت مسألة شرف، لا سيما وأن المجتمع المدني والناشطين انتقدوا هذا الفعل علنًا وعلى نطاق واسع.
وتُعدّ الفتاة التي ترتدي حمالة صدر زرقاء مثالًا آخر على العنف الشديد الذي مُورِس ضد شابة خلال الثورة، والذي أثار غضبًا واسعًا لدى العديد من المصريين والمصريات. واعتُبرت رمزًا بصريًا للظلم. وكانت رمزا لظاهرة أوسع نطاقًا، ألا وهي المعاملة الجائرة التي يمارسها الجيش المصري ضد الشعب المصري. فبعد ثورة يناير 2011، استمرت الاضطرابات المدنية في ميدان التحرير. وفي إحدى هذه الاضطرابات، كانت امرأة تهرب من القوات العسكرية عندما أمسك بها رجال الجيش. حاول متظاهر آخر مساعدتها، لكنه تعرض للضرب بالهراوات ولم يعد قادرًا على ذلك. انفك عباءة المرأة السوداء أثناء الاعتداء، فظهر بنطالها وبطنها وحمالة صدرها الزرقاء. تعرضت المرأة لهجمات متكررة حتى بدت فاقدة للوعي. انتشر الخبر على الإنترنت داخل مصر وخارجها، وأثار المشهد غضبًا عارمًا بين الرجال والنساء من جميع الأعمار، وخرج آلاف المصريين من مختلف المناطق في مسيرات إلى ميدان التحرير للاحتجاج على ما حدث. وسرعان ما أصبحت الصورة رمزًا مرئيًا لإساءة استخدام السلطة من قبل الجيش المصري، كما أصبحت صرخة مدوية لآلاف المصريين الذين ساروا في العاصمة مطالبين بإنهاء الحكم العسكري.
الخلاصة:
دفعني الإحباط من الظلم الذي كنت أشهده يوميًا في مصر، والأمل في أن أعيش بضع سنوات أتمتع فيها برؤية مصر تتمتع بنظام ديمقراطي، إلى المشاركة في ثورة يناير. كنت أعلم أنني لن أستطيع تقديم الكثير من الجهد البدني كما فعل الشباب والشابات، لكنني أردت أن أكون في قلب الحدث. لذلك انتقلت للعيش مع صديقتي في وسط القاهرة بالقرب من ميدان التحرير لأكون حاضر ة للحدث نهارا ومساءا.
كانت مشاركتي في ثورة يناير مشابهة لمشاركة العديد من النساء المصريات الأخريات اللواتي شاركتهن نفس الآراء حول قضايا النوع الاجتماعي، واللواتي كنّ أيضاً من نفس فئتي العمرية. كنا نؤمن بأنه في الوقت الذي نثور فيه ضد الديكتاتورية، يجب علينا المطالبة بحقوقنا كنساء في المجالين العام والخاص. كنا نحن الناشطات الأكبر سناً نؤكد أن التقدم الذي أحرزته المرأة سيضيع ما لم تتشكل حركة مستقلة لحقوق المرأة. أما جيل الشباب من الطبقة المتوسطة العليا، فقد أراد التركيز فقط على إنهاء الديكتاتورية. كانوا يرون حقوق المرأة جزءاً من نضال أوسع من أجل حقوق الإنسان.
كانوا يعتقدون أن التغيير الجديد في مصر سيجلب حقوق الإنسان للجميع، بمن فيهم النساء. لم يتعرضوا في حياتهم اليومية للتمييز على أساس الجنس من قبل أسرهم وربما كان هذا سبباً آخر لعدم إدراكهم أهمية قضايا النوع الاجتماعي في ذلك الوقت.
أدت حوادث العنف الوحشي ضد الشابات إلى تغيير عقلية بعضهن، اللواتي بدأن يعتقدن أنه كان ينبغي علينا النضال من أجل حقوق المرأة منذ بداية الثورة. ويتضح هذا على سبيل المثال من عدد الجماعات والحركات المناهضة للعنف القائم على النوع الاجتماعي التي تم تأسيسها أثناء الثورة وبعدها، والتي لا يزال بعضها نشطًا حتى الآن.
لا حرية لا عدالة لا ديمقراطية في بلد بدون مساواة بين النساء والرجال.
تنويه: هذا الموضوع تم نشره في العدد الأخير من مجلة التحالف

