إسراء كساب تكتب.. “تلات ستات”: عن نساء سقطن من ذاكرة القاهرة

١- أن تعيش في الهامش.

في مجتمعاتنا، هناك قصص لا تُحكى، وأبواب نخشى طرقها، ليس فقط لأنها تُغطى بمظلة المُحرمات، بل أيضًا لأننا نمارس التجاهل كآلة محوٍ جماعية، نتواطأ، عن قصد أو دون قصد، على الصمت، كأننا بهذه الحيلة نمحو ما يحدث في الظل، مؤمنين بأن ما لا نراه لا وجود له، وما يبدأ كخيار فردي يتحول إلى بنية قائمة تُعيد انتاج هذا التجاهل في نسيجٍ يُلائم بنية المدينة واقتصادها. القاهرة كمكانٍ وكمعنى تتقن هذه اللعبة جيدًا؛ تتغنج أمام كاميرات السينما مقدمةً نفسها عبر الصور التي تكرس مجدها، تُجسِد بتناقضاتها وأطيافها وعوالمها المتضادة -التي لا يتحملها عالمٌ واحد، وتبتلعهم هي في جوفها- لوحةً فنية صارخة المعاني. القاهرة مدينة ذكية، لا تغمض عينيها كليًا عن هامشها، بل تتركه مرئيًا بقدرٍ محسوب، يكفي لإثارة الفضول وإبراز مفارقاتها الصاخبة، لكنه لا يكفي ليصبح واقعًا مُعترفًا به كجزءٍ أصيل منها. الهامش هنا ليس غائبًا تمامًا، بل موجود كظل، كاحتمال، كشيء لا يُسمح له بالتواجد في مركز السرد، بل مجرد لمحة جانبية تُوحي بأن ثمة من يعيشون على حافة المدينة، دون أن يُمنحوا حق الوجود الكامل في مشهدها الرسمي.

وما يبدو كأنه لعبة تتقنها المدن، هو في حقيقته امتداد لمنطق أكبر يحكم السرد ذاته. التاريخ أيضًا له آلياته في الإبراز والإخفاء، فهو لا يُكتب من الأسفل، إنما يُفرض من الأعلى.

«التاريخ يكتبه المنتصرون» التي تبدو مجازًا إنشائيًا هي في جوهرها حقيقة رسخها الزمن، لكن ما لا تراه أعيننا أنهم لا يكتبون التاريخ وحسب، بل يقررون من يُسمح له بالظهور داخله؛ بتراتبيةٍ مذهلة، تُصغي الآذان لمن يملك الصوت الأعلى، بينما تُكمم بقية الأفواه، وتتلاشى الحكايات الأخرى في الظل كأنها لم تكن.

غير أن بعض الحيوات تُقصى أكثر من غيرها، فماذا يعني أن تكوني امرأة في هذا المشهد؟

المرأة بطبيعة وجودها الاجتماعي المفروض عليها “مُهمشة”، تحت أي ظرف وفي أي سياق، لا تملك ترف صنع وتوثيق معانيها الخاصة، وكلما هبطت الدرجة الاجتماعية مبتعدة عن المركز الاقتصادي، ازدوجت طبقة التهميش حتى تتراكم كثقلٍ يخنقها ولا يسمح لها بالخروج عن الحدود.

ومع ذلك، يظل التساؤل قائمًا:هل يُمكن تخيل سردية خارج خطاب القوة؟ هل نملك القدرة على رؤية حاضرنا بصورة أوسع وأكثر خصوصية خارج عدسة المركز، حيث يمتلك الهامش سرديته الخاصة، كمتنٍ قائم بذاته؟

حينها يُصبح السؤال أكثر تعقيدًا عندما يتحرر مِن مسألة مَن يحق له روي التاريخ، لأي حياةٍ تستحق أن تُروى.

2. أن تسرد الهامش.

في محاولةٍ حقيقية لتعرية طبقات ليل القاهرة، اشتبك مؤلفو كتاب “تلات ستات: سيرة في ليالي القاهرة” مع منطقة خطرة تُمثل هامش الهامش، حيث يتقاطع التهميش الطبقي مع الوصم الأخلاقي، مُتحدين كل قوالب المجتمع، فالجنس في حد ذاته يُعد تابوًا حتى في أشكاله المقبولة اجتماعيًا ودينيًا، فماذا إذا أصبح مهنة لها شبكاتها الممتدة في قلب المدينة؟ والأهم، ماذا عندما تكون الأجساد التي تحمل عبئه أجساد النساء؟

ليست أي نساء، بل نساء من الهامش الأعمق: عاملات الجنس التجاري.

أدرك محمد العريان وعمر سعيد منذ البداية صعوبة تصنيف هذا العمل، لكن يمكن قراءته كـ”مشروع إثنوغرافي” مصغر؛ فالإثنوغرافيا كمنهج بحثي تسعى إلى فهم التجربة المعاشة لجماعة معينة من خلال الانغماس في عالمها، وفهم لغتها الخاصة، وقواعدها، وطقوسها. إلا أنه، بتجاوز هذه التصنيفات، يبدو العمل أشبه بمساحة آمنة مُزودةٌ بمسجلِ صوت، حيث لا يسرد المؤلفان بقدر ما ينقلان أصوات قد لا نسمعها أبدًا، خالعين رداء الأحكام الأخلاقية والمشاعر المُسبقة، ليس طلبًا للحياد، بل لإفساح المجال لصوت العاملات ذاته، كما يؤكدان في مقدمة الكتاب:

❞ ونحن في النهاية صحفيون، عملنا وجودته يقومان على تمثيل حكايات الناس، بأكبر أمانة ممكنة، دون إسقاطات، ولا بلاغة تضيع الحقيقة، مع ضرورة الحفاظ على الصوت الأصلي: صوت العاملات. ❝

هذا ما يجعلنا نلتفت لسؤال أساسي، لماذا يُسرد صوت العاملات على لسان رجلين؟ أليس هذا امتدادًا لخطاب القوة ذاته؟ وإذا تجاوزناه لزاويةٍ أكثر ذاتية، أيُمكن وضع الثقة في أن تُسرد حكاية الجسد الأنثوي على ألسنة من لم ولن يختبروا ماهيته؟

يُضيفا: ❞ افتراء رجولي نسطو فيه على قصة «نساء»؟ خصوصًا أننا سننقل أحاديث عن مشاعر وجسد وتجارب من المستحيل الشعور بما تجلبه إلا لمن عاشها؟ ❝

في كتابها «الالتفات الى ألم الآخرين» تفتح سوزان سونتاج بابًا لنقاش أوسع حول إمكانية نقل المعاناة عبر وسيط خارجي، سواء بالكتابة أو الصورة، على أنه ليس نقلًا موضوعيًا خالصًا، هي لا تدّعي أن تصوير المعاناة خاطئ في حد ذاته، لكنها تحذر من المسافة الفاصلة بين الراوي والتجربة، والمسافة بين المتلقي وصاحب الألم الأصلي. فكيف يمكن إذن أن نحافظ على صوت العاملات صادقًا دون أن يُستهلك؟ هنا يخرج السؤال من حيز من يسرد، إلى كيف تُسرد القصة، وهو ما يُعيدنا إلى مسألة اللغة ذاتها، فالكلمات تعكس بيئة الحكاية، عاملةً على خلق المسافة أو كسرها، لذا اختار الكاتبان الإبقاء على الحوارات بالعامية رغم سردها بالفصحى، بل وحتى الشتائم النابية وُضعت كما هي بلا تهذيب، فتنميق اللغة يعني خيانة الصوت الأصلي وإلباسه ثوب الفضيلة النمطي الذي لا يحترم التجربة، وبالتبعية لغتها. لكن واجه هذا الالتزام اختبارًا حقيقيًا عند النشر، حيث فرضت الاعتبارات الرقابية تدخلاتها، وأُجبرا على استبدال الألفاظ بنجوم، في محاولة “للالتفاف” على الخطوط الحمراء المفروضة. ليست المسألة هنا مجرد حذف ألفاظ، بل هو نزوع أخلاقي قسري، يعيد إنتاج التصورات المجتمعية عمّا يستحق أن يُقال، وعمّا يجب أن يُخفى. وهكذا، حتى في نص يسعى بالأساس إلى كشف المسكوت عنه، تظل بعض الأصوات مُجبرة على التحدث بلغة لا تخصها.

3.سمرا وعفاف وانشراح

بأسماءٍ مستعارة، يسرد محمد العريان حكاية سمرا الهاربة من الصعيد بعنوان “قتلت نفسي مرتين” وانشراح الستينية الباحثة عن الحب في “أنا جارية”، بينما يكتب عمر سعيد “الغربة والليل عيونك” عن عفاف الخياطة. ورغم تشابه مصائرهن التي جمعتهم في هذا الكتاب، إلا أن لكل واحدة ندوبها التي حفرتها التجربة في جسدها وروحها، كما بصمتها الخاصة التي تركتها في الحياة.

سمرا، على سبيل المثال، لم تحتج أكثر من لحظة لتقرر الهرب، لم تأخذ معها مالًا ولا زادًا، فقط قلبها المكسور بعدما تزوج خطيبها بأخرى دون سابق انذار. كان وصولها إلى القاهرة أشبه بعبور المرآة إلى عالم موازٍ، لم يكن الميدان مجرد ساحة، بل متاهة تتغير ملامحها، حيث لا ليل فيه ولا نهار، فقط حركة مستمرة تبتلع من لا يعرف طريقه.

❞في اليوم التالي بدأت ألاحظ من هم مثلي: أطفال ومجانين وكلاب الميدان، الوجوه تتغير إلا هم، الميدان بيتهم، يطوفون حوله ثم يعودون في النهاية، عرفتهم من ملابسهم المهترئة، حفاة مثلي وعلى وجوههم تراب كرصيف.❝

في سن السابعة عشر، كانت سمرا كأي فتاةٍ بريئة لم تختبر الحياة بعد، لم تعرف أن السيدة التي أخذتها لتخدم في منزلها هي قوادة، ولم تدرك حتى وقتٍ متأخر أن انقطاع الدورة الشهرية يعني أنها حامل.

على العكس، عفاف هي ابنة الأحياء الفقيرة في القاهرة، تحلم بفساتين شريهان المُزينة بالترتر، اصطدمت بأول حيرة عندما رأت أختها الكبرى تجلس فوق والدها في مشهدٍ لم تفهمه تمامًا، تلاها محاولة تقرب صريحة من والدها.

❞ضمَّني لحضنه، خفت قليلًا لكني فرحت أيضًا، القلق ابتلع أي شعور آخر مع مسكته لكتفي حتى وصل إلى صدري. صدري كان صغيرًا يشبه صدر الولاد كما تقول أمي.

‫ قال أبي: ما تخافيش، كده صدرك يكبر وتبقي زي سهام أختك.❝

كبرت عفاف مشدودة بين الخوف والرغبة، تهرب من البيت إلى الورشة، تتمسك بالخياطة كملاذ من الإساءة، لكن الشارع لم يكن أكثر أمانًا. وحين اختارت الطريق المشروع وتزوجت، وجدت نفسها ضحية للخذلان مرتين: الأولى حين رأت زوجها الأول وصديقه يتناوبان على امرأة في شقتها، والثانية مع زوجها الثاني، البخيل الذي صادر حياتها كما صادر طعامها.

في النهاية، لم يعد لديها ما تخسره، ركبت طريق السفر إلى ليبيا، وهناك عرفت معنى أن يصبح الجسد مهنة.

أما انشراح، الفتاة الجامعية، فكانت حياتها سلسلة من التفاوضات على جسدها، بدءًا بيد المُطهِّر التي أمسكت بها طفلةً، وصوت أمها التي أصرَّت على أن يُقطع “حتة كمان”، مرورًا بخيانة الأم نفسها للمبادئ التي زرعتها فيها، وانتهاءً بالرجال الذين بحثت بينهم عن معنى لكونها امرأة. تربَّت على يد أم قاسية، تخشى العهر لكنها تدفع ابنتها إليه حين تقتضي المصلحة، فكبرت وهي تحمل في داخلها هذا التناقض ذاته: جسدها ليس لها، لكنه الشيء الوحيد الذي تستطيع أن تراهن به في معركة الحياة. لم يكن زوجها الأول سوى امتداد لهذا المصير، ينال منها بعنفٍ دون أن يأخذها في الاعتبار، كما لم يكن الرجال الذين مروا في حياتها سوى محطات في رحلة بحثها عن نفسها، بين من جعلها تشعر بأنوثتها للحظة، ومن جعلها تفقدها تمامًا.

❞ ‫ أشعر بيده في فرجي، يقطع قطعة، تؤلمني، يضع عليها مادة حارقة، أصرخ من الحرقان، يقطع مرة أخرى، أصرخ بكل قوتي، يثبتانني أكثر.

تضع أمي يديها في وسطها: اقطع تاني!

يستجيب ويقطع، وأنا أصرخ.

تنظر أمي على بتاعي وتقول: كمان.

يرد: كفاية كده.

تعترض: أنا عارفة بقول لك إيه، حتة كمان. ❝

تبحث عيون القاريء دائمًا عن نقطة تصلح كبداية تنطلق منها الحكايات، لكن في عالم الواقع، ما من لحظة فارقة للتحول الجذري، كما أنه لا يوجد خط واضح يفصل بين “المرأة العادية” و “عاملة الجنس”. النساء الثلاث عالقات في دورة من الأحداث ضمن مسار طويل من التهيئة الاجتماعية، تتراكم فيه التجارب، وتتعمق فيه جراح الصدمة، ومع كل باب يُوصد، تضيق الخيارات، حتى بدت الوجهة الأخيرة وكأنها كانت الخيار الوحيد المتاح.

وفي هذا الاقتصاد، باعتبار العمل الجنسي أحد أنواع “العمالة الهشة”، يصبح الجسد هو رأس المال الوحيد المتاح، وأداة الإنتاج الأساسية للنجاة من الفقر المدقع. بالنسبة لفوكو، السلطة ليست مجرد قوة قمعية تأتي من الأعلى، بل هي شبكة معقدة ومنتشرة في كل العلاقات الاجتماعية، وهي منتجة بقدر ما هي قامعة. من هذا المنطلق، فإن عاملات الجنس لسن مجرد ضحايا سلبيات للسلطة الأبوية أو الاقتصادية، بل هن فاعلات يتمركزن داخل شبكة السلطة هذه. إن مفهوم التمكين هنا لا يعني التحرر الكامل من السلطة (وهو أمر مستحيل عند فوكو)، بل يكمن في القدرة على المناورة داخل حقل السلطة.

في تلات ستات، لا نواجه شخصيات مستلبة بالكامل، صحيح أنهن يعملن ضمن بنية قمعية، لكنهن يمتلكن درجة من الوكالة، أي القدرة على اتخاذ قرارات وإن كانت محدودة بسياقهن الاجتماعي. وفي عالمٍ يرفض تعدد الهويات، يصبح الهامش فضاءً لإعادة تعريف الذات، حيث تتحول المعاناة إلى قوة، والضعف إلى مقاومة، والجسد إلى وسيلة تفاوض مؤقتة لتحقيق أحلامٍ مستقبلية.

❞بجيب من عرق جبيني.. عرق بتاعي.. مش مهم، المهم إني أجيب.❝

وربما أسوأ ما يمكن أن يُقال عن امرأة منبوذة هو أنها لا تعرف العيش خارج حدود وصمتها، كأن وجودها كله محصور في تلك الخانة. سمرا، رغم كل ما تحمله من ألم، احتاجت لعناق الرجل الأربعيني الذي، ولو للحظة، نظر إليها كإنسانة. انفجر بركان مشاعرها حين أدركت أنها تحمل في أحشائها معنى جديد للحياة. وعلى رقعة تراب صارت قبرًا لابنتها التي لم ترَ الدنيا، كانت تنهار، مرة بعد مرة، كأنها تحاول استعادة جزء من ذاتها الضائعة. وبالمثل وجدت انشراح دموعها تفر من عينيها عندما فاجأها أصدقاؤها في صالة الجيم بعيد ميلاد لم تتوقعه، عقلها المرتبك لا يفهم أن العالم يعاملها خارج سياقات العار والنبذ.

ويبقى السؤال الأخير معلقًا في الهواء: ماذا بعد أن تُروى الحكاية؟

بالنسبة لنساء مثل سمرا وعفاف وانشراح، هل يمثل هذا السرد نهاية لمسار طويل من التهيئة الاجتماعية ، أم مجرد محطة توثيق مؤقتة؟

ورغم أن الحكايات تظهر قدرتهن على المقاومة، إلا أن المقال لا يجيب عما إذا كان هذا الصوت الذي مُنح لهن سيغير من واقعهن أو من واقع آلاف غيرهن ممن لا يزلن في الظل. إن قيمة “تلات ستات” لا تكمن فقط في تعرية ليل القاهرة ، بل في قدرته على إجبارنا على التفكير في الخطوة التالية: كيف يتحول هذا السرد المهمش إلى قوة تغيير حقيقية، تتجاوز صفحات الكتاب لتصل إلى نسيج المدينة ذاتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *